الاتحاد

تقارير

إدارة أوباما... وعوائق إصلاح نظام الرعاية الصحية

لعل السبب الذي جعل أوباما متعجلا على تمرير قانون الإصلاح الشامل لنظام الرعاية الصحية في الكونجرس قد اتضح الآن. لأن من الصعب الدعوة للتوسع في الإنفاق الحكومي على الرعاية الصحية، وفي الوقت نفسه اتخاذ إجراءات مشددة لتقييد الاتجاه للإنفاق بالعجز (فيما يتعلق بالميزانية) حيث إن الأمر يبدو في هذه الحالة كما لو أن هناك شخصاً ما يريد أن يبدأ برنامجاً للحمية الغذائية، ولكنه يريد قبل أن يبدأ هذا البرنامج أن يدلل نفسه بتناول وجبة باذخة.
ويؤكد مكتب الميزانية التابع للكونجرس CBO التوقعات المالية المتشائمة للمستقبل. فخلال الفترة من 2011 إلى 2020 يستهدف هذا المكتب عجزاً مجمعاً قيمته 6 تريليونات دولار. كما يتوقع بحلول عام 2020 أن تزداد نسبة الدين إلى الاقتصاد (الناتج القومي الإجمالي) لتصل 6 7 في المئة صعوداً من 40 في المئة في عام 2008.
ومن سوء الحظ أن هذه الأهداف تنبني على افتراضات (يستلزمها القانون) ليست متفائلة بحال. فالعديد من حالات الخفض الضريبي المدعومة من قبل الحزبين سينتهي مفعولها، كما أن الجهود التي ستبذل للتكيف مع هذا الوضع.
ومع العديد من الافتراضات الأخرى غير المتفائلة بدورها، يمكن أن تزيد العجز بمقدار 6 تريليونات دولار أخرى أو ما يزيد عن ذلك على امتداد العقد. وبحلول عام 2020 يمكن لنسبة الدين إلى الناتج القومي الإجمالي أن تقترب من 100 في المئة أي قريباً من أعلى معدل وصل إليه في التاريخ (في عام 1946).
ولم يكن أحد في ذلك العام يتوقع الآثار الجانبية التي ستحدث جراء هذا، والتي كان أهمها أن عبء الدين قد انخفض بسبب انخفاض الإنفاق العسكري، ونمو الاقتصاد بقوة. أما في الوقت الراهن، فقد ازداد عبء الدين لأن الاقتصاد تباطأ، ولأن الإنفاق يرتفع بدون توقف وبلا هوادة.
والسؤال هنا هو: هل يمكن للعجوزات الكبيرة، أن تقود يوماً إلى معدلات فائدة مرتفعة، أم أنها ستقود إلى تدافع على البنوك لسحب المدخرات؟ كيف يمكننا المواءمة بين حاجتنا اليوم إلى الإنفاق بالعجز من أجل تدعيم الانتعاش الاقتصادي، والأخطار طويلة الأمد المترتبة على ذلك؟ هذه أسئلة كلها وجيهة.
بيد أن المشكلة هي أن الإجابات عليها ليست سهلة على الإطلاق.
غير أننا نعرف بالتأكيد أن الإنفاق الصحي يؤثر على الحجم الإجمالي للإنفاق في الميزانية. وللتدليل على ذلك يكفي أن نعرف أن الإنفاق على الرعاية الصحية يعادل ربع الإنفاق الفيدرالي. ففي عام 2008 كلف برنامجا "ميديكير" و"ميديك إيد"، وهما أكبر برنامجين للرعاية الصحية 657 مليار دولار، أو ما يعادل 22 في المئة من الحجم الإجمالي للميزانية. ويقدر مكتب الميزانية بالكونجرس أن إجمالي الإنفاق على الاثنين سيصل إلى ما يعادل 28 في المئة من الميزانية بحلول عام 2020 -(هذه التقديرات لا تشمل مقترحات أوباما).
وقبل أن ننفق أكثر نحن بحاجة إلى الإنفاق بشكل أفضل. وإذا لم نفعل ذلك، فإن المحصلة النهائية لكافة الاقتراحات المقدمة سواء كانت من أوباما، أو غيره ستكون سيئة، لأنها ستؤدي إلى زيادة العجوزات المالية أو زيادة الأعباء الضريبية على المواطن الأميركي، وإلى تقليص الدخل الصافي للعاملين نتيجة لزيادة الضرائب أو زيادة أقساط الديون التي يدفعونها، كما سيؤدي أيضاً إلى تقليص الإنفاق على البرامج الأخرى، وإلى اقتطاع أجزاء من ميزانية الرعاية الصحية. ومن هنا يجب إجبار المجمع الصناعي الطبي الضخم بما يضمه من أطباء، ومستشفيات وشركات صناعة أدوية، وغير ذلك على التغيير.
كما يجب على الصناعات الأخرى الكبيرة (السيارات، وسائل الإعلام، خطوط الطيران) التكيف مع الحالة العامة. وليست هناك حاجة لأن يكون ذلك التغيير ولا ذلك التكيف مصحوباً بالاستغناء عن أعداد كبيرة من العمالة. ولكن ينبغي أن يساهم على الأقل في تغيير الطريقة التي يتم بها تمويل وتقديم خدمات الرعاية الصحية.
أما الذين يَشكّون في ذلك فيجب عليهم قراءة كتاب "الفوضى والتنظيم في الرعاية الصحية" لمؤلفيه "جيمس مورجان" و"توماس لي" وهما طبيبان. فمن واقع خبراتهما الشخصية يصف الاثنان نظاماً طبياً يزداد تشظياً على الدوام، ويؤدي على نحو دائم إلى زيادة التكلفة وتخفيض النوعية.
ويقترح الاثنان تحولا في النظام الحالي الذي تقوم فيه شركات الضمان الصحي بدفع قيمة الخدمات الطبية المقدمة للمرضى للمستشفيات والأطباء وغيرهما من المؤسسات الصحية، إلى نظام آخر يتم فيه تخصيص مبلغ إجمالي للرعاية الصحية لكل مواطن، ويتم تعديله بناء على حالة المريض والمخاطر التي يمكن أن يتعرض لها.
ومن المتوقع أن يواجه هذا الاقتراح معارضة قوية من الأطباء، لأنهم سيشعرون بأنهم لم يعودوا قادرين على العمل بحرية وإنما سيعملون بناء على الأوامر التي يتلقونها من هذا النظام، كما أن المرضى سيشعرون أيضاً بأن الخيارات التي كانت متاحة لهم قد باتت محدودة، علاوة على أن الحدود المفروضة على المبالغ المدفوعة نظير الخدمات الطبية سترفع من احتمال حرمان المريض من الاستفادة من المزايا التي يوفرها نظام الرعاية الصحية بشكل كامل.
وحدها القيادة القادرة على إقناع الناس بأن المزايا المتوقعة تفوق في حجمها الأخطار المحتملة هي التي تجعل مثل هذا الانتقال في نظام الرعاية الصحية ممكناً. والمشكلة أن أوباما لم يثبت ذلك. وهو ما يعني أن الوضع القائم سيظل كما هو عليه مع زيادة عدد المؤمَّن عليهم. إنها إذن فرصة ضائعة، تمثل سبباً من الأسباب الرئيسية التي تجعل توقعات الميزانية الخاصة بالولايات المتحدة تبدو على هذا النحو من القتامة.


محلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست»

اقرأ أيضا