نسرين درزي (العين)

عند أطراف منطقة الهيلي وعلى بعد 15 دقيقة من وسط مدينة العين، أوصلنا طريق فرعي إلى بيت جمعة بن رحمة الدرمكي الذي يعود إلى خمسينيات القرن الماضي، ولم يكن الانطباع الأول كما رسمناه في البال بناءً صغيراً أنقذته أعمال الترميم، وإنما صرح فسيح على قدر شموخ برجه الدائري، الأقرب إلى حصن معماري منه إلى بيت قديم، حيث تترجم المشهدية إطلالة عريقة وهندسة لافتة على بساطتها، لم تهمل النواحي الجمالية ولم تترك تفصيلاً لمستلزمات العيش في حينه إلا وتناولته بأفضل ما يكون.

حكايات أجيال
على خطى الأولين سرنا، من تحتنا أرضيات من حصى وعلى يميننا واحات النخيل، ثم عبرنا من بوابة حديد نسجتها أياد رحلت، واستقبلتنا مساحة داخلية واسعة، هي هادئة اليوم لكنها لطالما ضجت بضحكات الأطفال وأصوات الرجال وقرع طناجر النساء، من هناك بدأت الجولة داخل الغرف الخمس وتناوبت الأسقف والجدران على إخبارنا حكايات عاشها قاطنو هذا المكان على مدى أجيال، أدركوا خلالها أهمية الموقع وكيف يحافظون عليه كنموذج للبنيان الطيني في مدينة العين والذي تحول مع الوقت إلى أثر معماري لا غنى عنه.
هكذا يفاخر مالكه جمعة بن رحمة الدرمكي بالإبقاء عليه والتعاون مع دائرة أبوظبي للثقافة والسياحة على تنظيم مبادرات تراثية فيه، لاستقبال الزوار وتعريفهم بالنمط المعيشي الذي كان سائداً في الأحياء الشعبية خلال فترات زمنية سابقة وعلى مدى سنوات طويلة.

فتحات تهوية
بداية الجولة كانت من مطبخ متواضع لا يضم أكثر من بضع طناجر وقدور نحاس وموقدا طينيا لاستخدامات الحطب، وفتحات تهوية صغيرة وزعت في الأعلى تضمن مع سماكة الأعمدة والفواصل الاحتفاظ بأفضل برودة ممكنة على مدار أشهر السنة، وهذه الطريقة في توزيع الفتحات كانت متداولة في ذلك الزمن في كل أركان المنزل ولا بديل عنها مع الإبقاء على نوافذ الخشب الممشوقة التي غالباً تخفيها عن الناظرين أغصان شجرة أو خوص نخلة، ويتضح ذلك من داخل غرفة المرأة التي تمتلئ عادة بأغراض أصغر أبنائها، حيث سريره الهزاز يحتل الجزء الأكبر منها وإلى جانبه المهفة لضمان نومه هانئاً منتعشاً، وفي الجانب الآخر مندوس يضم عباءات وذهبا، وصينية مستديرة توزع عليها أدوات التجميل والكحل العربي.
أما غرفة الرجل فمن الواضح أنها أكثر هدوءاً وأقل ازدحاماً وفيها صندوق ملابس وفراش على شكل مرتبة ترفع نهاراً، وفتحة متواضعة داخل الجدار يضع عليها أشياءه الخاصة ويعلق غترته وعقاله وعصاه، وبالنظر إلى السقف الشاهق تتراءى «المعاريض» وهي الأخشاب المتوازية على خلفية من العريش مصنعة من خوص النخيل تعمل كعازل كلي لمخزون الحرارة خلال ساعات النهار.

محاكاة مشهدية
وتطالعنا من داخل البيت فرقة تمثيل مسرح العين للمخرج خالد النعيمي، لتجسد حوارات ومشاهد تحاكي طريقة عيش الأولين وكيف كانت علاقة الأم بابنتها توكل لها مهام البيت وإخوانها الصغار، وكيف كان الوالد يدرّب ابنه على استقبال الضيوف في المجلس، وصب القهوة لهم والترحيب بهم من على الباب وحتى لحظة المغادرة، إنه «بيت قديم» لكن كل ما فيه من مفاهيم مرتبطة بالموروث الشعبي لمجتمع الإمارات مازالت قائمة حتى اليوم في المدن والبيوت القروية التي لا تخلو أبداً من كرم الضيافة وعادات الاستقبال وأفضل أساليب الاستفادة من أجزاء النخلة، كما نرى في الموقع كيف توارث الأبناء في عصرنا الحالي تجفيف الرطب من خلال «مدبسة التمر» لاستخدامه في مواسم أخرى، وكذلك أدوات الطوي لتجهيز اللبن للأطفال وحياكة التلي التي تتوارثها البنات عن جداتهن.

من خلف الجدران
ومن منطلق حرصها على نشر الموروث الثقافي والتاريخي للهندسة العمرانية في مدينة العين، تنظم دائرة أبوظبي للثقافة والسياحة زيارات ميدانية إلى بيت جمعة بن رحمة الدرمكي، لتعريف الجمهور بأهمية البيوت القديمة التي كانت تشيد على شكل قلاع وحصون للدفاع عن المنطقة، وحماية واحات النخيل مصدر الرزق الأساسي للأهالي، وقد اختارت أن تكون المبادرة عبارة عن رحلة تراثية للإضاءة على قصة الصرح الطيني وتفاصيل البيت الإماراتي القديم ومرافقه من غرف وأبراج والتوقف عند الأدوات القديمة التي استعملتها الجدات في المطبخ، فيما كان الأجداد يسحبون الماء من الطوي ويهتمون بالخيول ويشعلون النار ويستقبلون الضيوف ويحضرون القهوة ويتبادلون الزيارات بين المجالس.
ولايزال بيت جمعة بن رحمة الدرمكي يحتفظ بكل تفاصيل المكان ويسرد حكاياته أمام السكان والسياح، ومعها ذكريات من عاشوا وعبروا في ذلك الزمن، وتجتمع في الموقع مفردات الماضي العريق وسط مئات أشجار النخيل المعمرة والشاهدة على قصص البناء المتماسك من خلف جدران وممرات تصحو وتغفو على خرير الأفلاج، ومناظر فسيحة ممزوجة بعطر الأولين.

جولات
تستمر فعالية «البيت القديم» في مدينة العين حتى 24 من نوفمبر الجاري، بدءاً من بيت المواطن جمعة بن رحمة الدرمكي في واحة هيلي، ومن ثم التنزه في مزارع النخيل المحيطة بالموقع، وتأتي المبادرة على شكل جولات ميدانية تصطحب الزوار يومياً في رحلة تراثية من الساعة 9:00 صباحاً إلى 5:00 مساءً.

ذكريات
يعد بيت جمعة بن رحمة الدرمكي من البيوت القديمة في منطقة هيلي بمدينة العين، عاشت فيه أسرته على مدى أجيال ولا يزال يحتفظ بكل تفاصيل المكان ويسرد حكاياته أمام السكان والسياح ومعها ذكريات من عاشوا وعبروا في ذلك الزمن.

برج دائري
يتميز «البيت القديم» بساحته الداخلية التي تزيده براحة وتتفرع منها خمس غرف متلاصقة ومجلس كبير لاستقبال الزوار، ويتفرد باحتوائه على برج دائري من جهة اليسار يطل على واحات النخيل من ثلاث جهات.