الاتحاد

تقارير

الانتخابات الأميركية بين السياسة والاقتصاد

لم يعد الأميركيون قابلين بانخراط بلادهم في القضايا الدولية فيما تتردى ظروفهم المعيشية

لم يعد الأميركيون قابلين بانخراط بلادهم في القضايا الدولية فيما تتردى ظروفهم المعيشية

بعدما عزز ''ماكين'' حظوظه للفوز بترشيح الحزب الجمهوري، يمكننا تلمس بعض ملامح وتفاصيل الانتخابات الحالية، فبينما سيكون ''ماكين'' مرشح الأمن القومي بامتياز، وسيكون أكثر فصاحة في التعبير عن الاستعداد العسكري منه عن مشاكل الرهن العقاري والرعاية الصحية، سيركز منافسه في الحزب الديمقراطي على نسخة معدلة من العبارة الشهيرة التي انطلقت في انتخابات 1992 ''إنه الاقتصاد يا غبي''· لكن وراء هذا التعارض البسيط من المرجح أن ينبثق نقاش عريض سيعم الساحة السياسية في أميركا، لأنها بصدد لحظة أخرى من لحظات ''كيندي''، وأعني هنا المؤرخ ''بول كينيدي'' والأستاذ في جامعة ييل الذي ألف في العام 1987 كتابه ذائع الصيت ''صعود القوى الكبرى وسقوطها''، والذي دق فيه ناقوس الخطر من اتساع رقعة الحضور الأميركي في العالم وأقلق تصوره ذاك أمة كانت تمر بلحظات صعبة· فقد كان الأميركيون قلقين من العجز الكبير في الميزانية والتكاليف العسكرية الباهظة للرئيس ''رونالد ريجان''، وقبل أسابيع قليلة على صدور كتاب ''كينيدي'' تعرض البرنامج الحكومي للتأمين الاجتماعي لانتكاسة كبرى ما أدى إلى إلحاق ضرر فادح بسوق الأسهم، وتسجيل تراجع حاد في مؤشرات ''وول ستريت''؛ واللافت أن التوعك الأميركي الذي تحدث عنه ''كينيدي'' في كتابه استمر طيلة تلك السنوات ليطل برأسه مجددا في انتخابات عام ،1992 حيث استخدم الرئيس ''كلينتون'' في حملته الانتخابية عبارة ''إنه الاقتصاد يا غبي''، دون أن يقصرها فقط على مشاكل الحياة اليومية للأميركيين·
وكانت النبرة السائدة وقتها، والتي عبر عنها الإعلام على نحو واسع، هي ''لقد انتهت الحرب الباردة وفازت اليابان وألمانيا'' ليصبح ''كلينتون'' المرشح القادر على استعادة مكانة أميركا العالمية·
اليوم ونحن بصدد انتخابات ،2008 بدأت تظهر بوادر أزمة جديدة في السماء الأميركية، فقد انحرفت السياسات المالية مرة أخرى عن طريقها الصحيح، وبدأ الركود الاقتصادي يخيم على رؤوس الأميركيين بعد أزمة الرهن العقاري والقروض عالية المخاطر، مفاقماً عجز الميزانية ومهدداً الاستحقاقات الاجتماعية الكبرى، يضاف إلى ذلك تضخم الموازنة العسكرية واحتمال ارتفاعها في السنوات المقبلة لإعادة بناء الجيش المنتشر في أنحاء متفرقة من العالم، وإذا كان الفائز بعد انتهاء الحرب الباردة هي اليابان وألمانيا، فإن الفائزين اليوم، رغم أن الحرب في العراق مازالت مستمرة، هما الصين والدول النفطية؛ لكن إذا كانت سنة 1992 التي خاض فيها ''كلينتون'' حملته الانتخابية الأولى سنة أزمة فما هي الدروس التي يمكن استخلاصها ونحن على مشارف إدارة أميركية جديدة؟
الواقع أن الصيغة التي طرحها ''كلينتون'' والمتمثلة في تقديم الاقتصاد على الأمن القومي مازالت صالحة إلى غاية اليوم، فقد وصل الأميركيون إلى قناعة، ربما اليوم أكثر من التسعينيات، أن الانخراط الأميركي في القضايا الدولية فيما تعرف ظروفهم المعيشية ضغوطاً كبيرة لم يعد قابلا للاستمرار، لذا نلاحظ أنه رغم تشديد المرشح الجمهوري ''جون ماكين'' على الأمن القومي الأميركي، مركزاً على خبرته الشخصية مقابل سذاجة الآخر المنافس، تشير استطلاعات الرأي أن الناخبين يهتمون بالاقتصاد أكثر من الأمن القومي، فبعد الإخفاقات التي ميزت إدارة الرئيس بوش يدعو المراقبون والمحللون السياسيون إلى وقت مستقطع للسياسة الخارجية الأميركية والدخول في راحة طوعية· فأميركا، حسب هذا الرأي، تحتاج إلى بعض الوقت لإعادة بناء قدراتها العسكرية ومعالجة المشاكل الاقتصادية، لا سيما الاهتمام بالاستحقاقات الاجتماعية، كما تحتاج أميركا إلى التوقف عن محاولة فرض أجندتها على عالم متحفظ، على الأقل حتى تدرك باقي الدول أن الشيء الوحيد الأسوأ من قوة متدخلة، هو قوة لا مبالية·
لذا يبدو أن فكرة الابتعاد عن القضايا الدولية، تكتسب بعض الوجاهة في ظل تحذير المؤرخ ''كينيدي'' من الانتشار العسكري المفرط في بقاع العالم المختلفة، والتأثير السلبي لذلك على الإمبراطورية؛ فالخطورة السياسية التي ينكرها العالم على أميركا قد يكون الالتزام بها في النهاية هو الطريق الأمثل للحفاظ على قوة أميركا؛ لكن ثمة مشكلة رئيسية ترتبط بفكرة التضحية بالسياسة الخارجية والأمن القومي على حساب الموضوع الاقتصادي، إذ في الوقت الذي تتهيأ فيه أميركا لاستقطاع وقت للراحة تتصاعد التحديات العالمية وتصبح أكثر خطورة· والحال أن النظام العالمي يتطلب سلسلة متنوعة من السياسات الدبلوماسية القائمة على العصا والجزرة لمواجهة بعض البلدان الصاعدة، وهي السياسة التي تلعب فيها الولايات المتحدة دوراً محورياً بفضل العصا الغليظة التي تلوح بها من جهة والإمكانات التي تفتحها للدول من جهة أخرى· وهكذا إذا قررت أميركا الانسحاب من الصراع الإسرائيلي الفلسطيني سيفقد المعتدلون في المنطقة حماسهم، وقد يتدهور الصراع إلى الأسوأ، كما أنه في حالة تخلي أميركا عن أفغانستان سينسحب حلف شمال الأطلسي من مهمة سيراها عديمة الجدوى· أما إذا انسحبت أميركا من العراق فقد يخلص المتطرفون في كل مكان أن خلق الفوضى هي استراتيجية رابحة في التعامل مع واشنطن·
في الأخيرة تشير تجربة 1992 ومقولة ''كينيدي'' أن المرشح الذي يراهن على السياسة الخارجية يتعين عليه مراجعة موقفه، والكلام هنا موجه إلى ''ماكين''، لكن من جهة أخرى لا يمكن التقليل من قيمة السياسة الخارجية، فخلال سنته الأولى في البيت الأبيض ألحق ''بيل كلينتون'' التحالف العسكري الأميركي الياباني باتفاقيات التجارة، وهدد الصين بفقدانها لمكاسبها التجارية داخل الولايات المتحدة، كما اكتفى بالتفرج على مشاكل البلقان، لكن وبعد سنوات قليلة اضطر إلى تغيير سياساته على المحاور الثلاثة السابقة، إذ رغم تعهده باستقطاع وقت للراحة تركز فيه أميركا على شؤونها الداخلية، إلا أن الواقع كان أكبر من أن يسمح له بذلك الترف·

كاتب ومحلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا