في عام 2016، جعل المرشح الرئاسي وقتئذ دونالد ترامب من بناء قوات بحرية بأسطول يتكون من 350 سفينة العمودَ الفقري لخطابه الانتخابي، معتبراً أن الجيش الأميركي أخذ يفشل في مواجهة تهديدات الخصوم الممكنين وبات ضعيفاً وهشاً على نحو متزايد في وجه أجيال جديدة من الصواريخ والغواصات المدمرة للسفن. وعلى نحو غير مفاجئ، وبعد شهر واحد فقط على انتخاب ترامب، كشفت قوات البحرية عن مخطط جديد يدعو لبناء أسطول يتكون من 355 سفينة، في قفزة عملاقة مقارنة مع الـ308 سفن التي كانت تخطط لبنائها بحلول عام 2021. وتقول البحرية الأميركية في تقييمها الجديد إن العدد الجديد هو «الحد الأدنى للمكوّن القتالي» الضروري من أجل مواكبة الطلب. لكن بعد مرور عام على نشر التقييم، لم يصدر البنتاجون بعد أي إطار زمني أو ميزانية بخصوص كيف يخطط لإضافة الـ47 سفينة جديدة تلك، أو ما قد تقوم به تلك السفن. ثم إن مزيداً من السفن يتطلب مزيداً من المال، وبالنظر للقيود الحالية على الميزانية والتي لن تنقضي قبل 2022 ولعملية التحديث المبرمجة لأسطول الغواصات، فإنه سيكون من الصعب تحقيق هذا الهدف. وفي هذا الصدد، يقول تود هاريسون، محلل الميزانيات بمركز الدراسات الدولية والاستراتيجية في واشنطن: «أعتقد أنه سيكون من الصعب جداً عليهم إدخال هذا الأمر في الميزانية بطريقة واقعية». شكوك البنتاجون الداخلية بشأن تعزيز قدرات القوات البحرية خرجت إلى العلن الشهر الماضي، عندما قال وكيل وزارة البحرية بالإنابة توماس دي لمؤتمر في واشنطن، إن بناء بحرية بأسطول يتألف من 355 سفينة سيستغرق على الأقل 30 سنة. وبعد بضعة أيام على ذلك، ظهر رئيسه في العمل، وزير البحرية ريتشارد سبانسر، على قناة «إم إس إن بي سي» لينتقد «دي»، قائلا إن هذا الأخير لم يكن يتحدث باسم الإدارة. وقال: «ينبغي أن أجعل فريقنا متماهياً مع رؤيتنا». لكن سبانسر لم يلتزم بجدول زمني للوصول إلى هدف 355 سفينة، مكتفياً بالقول إن عشر سنوات هي فترة مركزة ومكثفة جداً. وبالمقابل، أشار مكتب الميزانية التابع للكونجرس إلى أن الأمر سيحتاج إلى 18 سنة لبلوغ 355، بينما تعتقد لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب أنه يمكن أن يستغرق 25 إلى 30 عاماً. هذه الجهود الرامية لبناء مزيد من السفن تأتي في وقت يشعر فيه صانعو السياسات في واشنطن بالقلق بسبب التطور السريع للقدرات العسكرية الصينية والروسية. وفي هذه الأثناء، عزت البحرية الأميركية حادث الاصطدام بين سفينة «يو إس إس فيتزجرالد» والسفينة «يو إس إس جون إس. ماكين»، في غرب المحيط الهادئ، الصيف الماضي، إلى تعب الأطقم الذين لم يتلقوا التدريبات اللازمة بسبب مهام الانتشار العسكري الدائمة. ويقول جيري هيندركس، النقيب المتقاعد في البحرية الأميركية والباحث في «المركز من أجل أمن أميركي جديد»، إنه من دون الإبقاء على السفن الحالية، وفي غياب مساعدة من الكونجرس لبناء عشرات السفن الكبيرة والجديدة، فإن الخيار الآخر يتمثل في الكف عن الإبحار في بعض المناطق. ويقول: «إذا شرعت في إهمال تلك المناطق، فإنك ستخلق فراغاً استراتيجياً، تماماً على غرار ما حدث في بحر جنوب الصين عندما لم نكن نولي انتباهاً كبيراً وبدأ الصينيون بناء تلك الجزر الاصطناعية». ومنذ نهاية الحرب الباردة، كانت البحرية الأميركية قادرة على الإبحار بكل حرية، لكن تلك الأيام ولت منذ وقت طويل. ويقول ديفيد أوتشمانك، الباحث المتخصص في شؤون الدفاع بمؤسسة «راند كوربورايشن» في كاليفورنيا: «في بحر جنوب الصين، نحن في حاجة لإغراق سفن وبأعداد كبيرة». وهذا النوع من القدرات يتطلب مزيداً من السفن، وكذلك أسلحة متطورة وطويلة المدى قادرة على ضرب العدو قبل أن تقع عيناه على سفينة أميركية». غير أن أكبر عقبة أمام مزيد من السفن هي الكلفة المالية. فمكتب الميزانية التابع للكونجرس قدّر في أبريل الماضي أن أسطولا من 355 سفينة سيكلّف البحرية الأميركية ما متوسطه 102 مليار دولار سنوياً من أجل صيانته حتى عام 2047، مقارنة بكلفة 90 مليار دولار سنوياً تحت مخطط الـ308 سفن. هذه الأرقام باهظة للغاية ومن المرجح أن تثني عن مشروع توسيع الأسطول بالنظر إلى العجز الحالي والتخفيضات الضريبية المتوقعة. ويقول هاريسون، محلل الميزانيات، إنه خلال عمليات البناء العسكري في عهد رونالد ريغان وجورج دبليو بوش، «بدأنا في مكان آخر من الناحية المالية، بمستوى دين إجمالي للبلاد منخفض نسبي. أما اليوم، فإن الوضع مختلف». *كاتب أميركي متخصص بالشؤون الدفاعية ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»