الاتحاد

عربي ودولي

باحثة أميركية: ثغرات كثيرة ظهرت بتقرير فيتزجيرالد حول اغتيال الحريري

نيويورك ــ أحمد كامل:
تصاعدت حدة الجدل في الولايات المتحدة حول قضية الانسحاب السوري من لبنان وما تضمنه تقرير لجنة تقصي الحقائق الدولية في جريمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني السابق رفيق الحريري وهي اللجنة التي رأسها نائب مدير الشرطة الايرلندية السابق بيتر فيتزجيرالد·
وبينما كان الاتجاه العام للنقاش هو اتجاه يندد بسوريا ويشدد من الضغوط عليها إلى حد التشهير بقياداتها وإدانة كل مواقفها في لبنان، وفي غير لبنان، فإن بعض الأصوات ارتفعت في اتجاه مخالف، وكان من بين هذه الأصوات أستاذة العلاقات الدولية بجامعة جورج تاون مارجريت توبيرن التي تشغل أيضا مواقع متعددة في مراكز الأبحاث الأميركية، وقد دار الحوار التالي مع توبيرن بداية من سؤالها عن تقرير لجنة فيتزجيرالد فقالت:
أثناء بحثي لهذه المسألة في مركز رودرو ويلسون للسلام الذي أعمل به أيضا وجد زملائي انني اختلف معهم في تقييم تقرير اللجنة، ذلك أنني رأيت التقرير أكثر حدة مما كان ينبغي أن يكون عليه، فضلاً عن ذلك فإنه تضمن تعميمات وأحكاما يختلف معها البعض ولا تستند في ذاتها إلى مداخلة ذات أساس قانوني، ثم إنني اعتقد أنه خرج في مواطن كثيرة عن حدود نص التكليف الذي صدر للفريق من مجلس الأمن، فالتقرير يغلب عليه الطابع السياسي ولا أظن أن ذلك كان جزءاً من التكليف الذي صدر اليه بإنجاز هذه المهمة، واعتقد انه بعد العاصفة سيزيد عدد من يرون أن هذا التقرير لا يصلح كنموذج للقياس تتبعه أي لجان مشابهة يشكلها مجلس الأمن في ظروف كتلك التي أدت الى تكليف فريق السيد فيتزجيرالد بمهمته، ان اغفال جوانب النقد الكثيرة التي ينبغي أن توجه الى التقرير سيسمح بسابقة دولية لا اعتقد أنها ستكون مفيدة·
لا اتفق أو اختلف
ولا ينبغي أن يفهم مما أقوله الآن انني اتفق أو اختلف مع ما تضمنه التقرير، انني لا أتصور مناقشة طبيعة الدور السوري في لبنان قبل اغتيال رئيس الوزراء الحريري، ولكنني اقصد ان الساحة التي غطاها فريق فيتزجيرالد تتجاوز بكثير تلك التي كان ينبغي التركيز عليها، فليس من مهمة اللجنة ان تناقش أموراً سياسية، لقد كان عليها أن تتناول مهمتها في اطار أضيق ومحدد بواقعة اغتيال الحريري فحسب·
وفي أي سياق آخر قد اتفق مع من يقولون أن الوجود السوري في لبنان كان سيئاً وسلبياً ولا يمكن القبول به· ولكن هل كانت هذه الأحكام من صلاحيات لجنة التحقيق في اغتيال الحريري؟ ما أريد قوله باختصار هو ان الإطار السياسي الذي وضعت اللجنة تقريرها بداخله قد يكون صحيحاً أو خاطئاً من حيث المضمون ولكنه في الحالتين معاً ليس من اختصاصات لجنة التحقيق· ان هذه اللجنة لم تكلف باعطائنا رأياً فيما اذا كان الوجود السوري في لبنان ايجابياً أو سلبياً· انها لجنة يقودها شرطي، لا ينبغي ان ننسى هذا·
- ما هي الجوانب السياسية التي تعترضين عليها؟
* مرة أخرى ينبغي ان أقول انني لا أعترض عليها من حيث مضمونها ولكنني اعترض على وجودها في تقرير كان ينبغي ان يكون جنائياً في المقام الاول، واذا تحتم على الفريق ذكر جوانب ذات طبيعة سياسية بحكم صلتها بواقعة اغتيال الحريري فقد كان عليه ان يفعل ذلك في اضيق نطاق ممكن، وفيما يتعلق فقط بالأمور ذات الصلة المباشرة بتلك الواقعة·
الا اننا نجد في التقرير عبارات من نوع ان الوجود السوري في لبنان تجاوز كل الاطر المعقولة للعلاقات الثنائية بين بلدين وانا بصراحة غير قادرة على فهم ما هي هذه الاطر المعقولة في تقدير اللجنة؟ وعلى اي اساس قانوني صاغت هذا التعميم؟ فهل وجود قواتنا في العراق مثلا يعد ايضا تجاوزا للاطر المعقولة ؟ وما هو تعريف هذه الاطر من الوجهة القانونية؟ هل درست اللجنة بنود الاتفاق بين لبنان وسوريا الذي نظم وجود القوات السورية في لبنان؟
مثال آخر
وسوف اعطيك مثلا آخر فاللجنة تقول في تقريرها ان تبعات اغتيال الحريري يمكن ان تكون بعيدة المدى وان الاغتيال فتح أبواب الاضطرابات السياسية وان كثيرين عبروا عن خشيتهم من ان يتحول لبنان الى ميدان للصراع بين سوريا والمجتمع الدولي تنتج عنه تبعات بالغة السوء للبنانيين، واعتقد ان ذلك يليق بمقالات صحفية أو بتعليقات على شاشات التليفزيون· اللجنة لا شأن لها بما سيحدث بعد الاغتيال واذا ارادت ان تقحم نفسها بأسناد من يقولون بضرورة انسحاب سوريا من لبنان لتهدئة الاستقطاب الحاد فإن عليها ان تغير اسمها الى لجنة بحث مستقبل لبنان السياسي وليس لجنة تقصي الحقائق في جريمة اغتيال رفيق الحريري·
وهناك اشياء كثيرة أخرى منها مثلاً عبارة الرئيس أميل لحود الذي يوصف عادة بأنه رجل سوريا المفضل يوصف من قبل من؟ وما دخل اللجنة بفرق خبراء البحث الجنائي والجينات الوراثية والمتخصصين في المتفجرات بمثل هذا التوصيف؟ ثم هناك ما أوردته اللجنة عن حوار دار بين الرئيس بشار الأسد ورئيس الوزراء رفيق الحريري حول التمديد للحود قال فيه الأسد على حد زعم عدد من المصادر وفقاً لقول التقرير انه سيبيد لبنان على الحريري ووليد جنبلاط اذا ما عارضا ارادة دمشق ومرة أخرى فإن ذلك لا يليق بلجنة دولية ينبغي ان تتحرى أكبر قدر من الدقة في صياغتها لما يرد في تقرير صادر عنها·
والطريف هنا هو ان اللجنة وضعت في تقريرها تحليلاً سياسياً شاملاً لما دار قبل الاغتيال مؤداه الوحيد ان الحريري قتل بواسطة السوريين بعد ان قدم استقالته في سبتمبر الماضي وقاد جهداً مكثفاً لبلورة جبهة معارضة كبيرة للوجود السوري في لبنان واستعد لتحقيق فوز كاسح لهذه الجبهة في انتخابات مايو المقبل· الا ان التقرير يقول بعد ذلك من المهم ان نتذكر ان التحقيق الصحيح وحده وليس التحليل السياسي هو الذي يمكن ان يقود الى الذين امروا وخططوا ونفذوا هذه الجريمة البشعة ·· حسناً، كل ذلك جاء بعد ادانة مسبقة لدمشق بواسطة تحليل سياسي مطول تضمنه تقرير اللجنة ذاته· اعتقد ان اللجنة كان عليها ان تشعر ببعض الحرج قبل ان تقول ان التحليل السياسي لن يفضي الى تحديد مرتكبي الجريمة اذ انها فعلت ذلك هي نفسها·
وينبغي عليّ ان أكرر هنا ان من الممكن تماماً ان يكون السوريون هم الذين قتلوا الحريري بل انني في قرارة نفسي اعتقد ان ذلك هو الاحتمال الارجح ولكنني فقط أريد ان أوضح ان تقرير لجنة فيتزجيرالد لم يكن فقط مليئاً بالثغرات بل انه كان من حيث توجهه ثغرة كبيرة اذ ان مهمة اللجنة كانت تتعلق بتقصي حقيقة جريمة من الوجهة الجنائية بصفة أساسية، ولذا فقد قادها شرطي وضمت عددا كبيرا من رجال الشرطة· ولا أدري لماذا منح السيد بيتر فيتزجيرالد لنفسه صفة سياسية·
أغلب التقرير سياسي
ومن المحتمل ان يقول فيتزجيرالد ان الجريمة سياسية في المقام الاول، وان التعامل مع أسبابها السياسية كان حتميا· ولا بأس في هذا اذا تم في اضيق نطاق ممكن· ولكن 90% أو أكثر مما جاء بالتقرير كان سياسيا· فضلا عن هذا فإن التعرض للجانب السياسي كان يستدعي ايضا التعرض للجوانب القانونية ذات الصلة بهذه الامور السياسية· وواقع الامر ان توسعة مجال بحث اللجنة كما حدث بالفعل كان مقدرا له ان يقود الى اصدار مثل هذا التقرير الذي يخلو من الاحتراف ويبعث على الدهشة·
* ما ذا سيحدث الآن إذن؟
* * قبل ان ننتقل الى ما سيحدث في الفترة المقبلة يجب ان أذكر ان المشكلة في تقرير لجنة السيد فيتزجيرالد لا تمس مصداقية الرجل وفريقه بالأساس ولكنها تمس مصداقية الأمم المتحدة· فالسياق العام الذي قدم من خلاله التقرير هو سياق من الضغوط الدولية العنيفة ضد سوريا، وهناك تقارير تشير الى ان ادارتنا تسعى الى اضعاف النظام في سوريا وهذه أمور مفهومة بل ومشروعة إذ ان حكومات الدول تتصرف ازاء بعضها البعض على نحو يتسق مع مصالحها ومع نظرة كل منها لدور الآخرين ولكن هذه المعايير ليست هي ذاتها التي تؤطر حركة الأمم المتحدة، فالمنظمة الدولية ينبغي أن تتحرك وفق أسس مختلفة، ولا اعتقد ان تقرير لجنة السيد فيتزجيرالد يعزز من هذا·
والآن وبالنسبة لما سيحدث لاحقا فإن الواضح ان سوريا باتت في مأزق حقيقي· فقد تطورت الاوضاع على نحو ادى الى خريطة للقوى غير مواتية بأي حال للسوريين· ومن المؤكد ان القوات السورية ستنسحب من لبنان وان دمشق ستحسب عددا من رجال مخابراتها هناك، أو على الاقل الذين يتواجدون بصورة ظاهرة وهم يحملون هذه الصفة· ومن المؤكد ايضا ان ذلك سيحدث قبل انتخابات مايو، ولكن هذا لن يؤدي الى تقليل أو وقف الضغوط التي تتعرض لها دمشق، ذلك ان مسألة الوجود السوري في لبنان لم يكن إلا قضية واحدة من مجموعة متشابكة من القضايا المعلقة بين دمشق والمجتمع الدولي·
والرسالة الموجهة لسوريا هي ان امامها الآن طريقا من اتجاه واحد، اما ان تتعاون في كل تلك القضايا المعلقة او ان تواجه استثمارا دوليا للمأزق الذي تواجهه دمشق حتى القطرة الاخيرة· ان هذه الامور لا تقبل حلولا وسطا· وإذا كانت الحسابات توضح ان الطرف الآخر يعاني من ضعف حقيقي فإن السياسة لا علاقة لها بالكرم واللطف ودماثة الاخلاق وحسن السلوك· وسوريا الآن تواجه مجتمعا دوليا موحدا وضيق عربي من الاخطاء التي ارتكبتها في لبنان والتي اعترف بها الرئيس بشار الأسد فضلا عن عزلة حقيقة في لبنان، إذ انها فقدت بمعركة التمديد لاميل لحود معسكرين من أقوى حلفائها وهم السنة والدورز·
امتحان صعب
وهذه بطبيعة الحال لحظة امتحان صعب للرئيس بشار الأسد، بل قد تكون الامتحان الحقيقي الاول له· والمؤسف بالنسبة له ان اوراقه محدودة للغاية· لقد كان القبول بالانسحاب من لبنان قرارا حكيما، ولكن عليك ايضا ان تلاحظ انه جاء قسرا في دليل على ان الطريق امام دمشق هو طريق من اتجاه واحد·واغلب الظن ان السوريين سيحاولون كسب الوقت انتظارا لتطور اقليمي مفاجئ قد يحل المشكلة أو بالأحرى قد يخفف من الضغوط التي يواجهونها، مثل صدام عسكري بين الغرب وايران، او تطورات غير محسوبة في العراق أو أي شيء من هذا القبيل· الا ان الرهان على هذه الخيارات، او بالاحرى على سياسة كسب الوقت يبرهن دائما على انه رهان قصير الاجل فقط· وهكذا فإن على السوريين ان يراجعوا موقفهم ليس من حيث الانسحاب من لبنان او سحب رجال المخابرات ولكن من حيث الأسس الاستراتيجية لهذا الموقف واتجاههم العام· ولست واثقة من ان ذلك ممكن الحدوث من الاصل· ولذا فإنني ارجع استمرار التصعيد ضد دمشق وبروز ملامح ازمة داخلية في سوريا خلال العامين المقبلين على نحو قد يؤدي الى تغييرات عميقة حقا·

اقرأ أيضا

إيران.. التصفية والتعذيب عقوبة المعارضين