الاتحاد

ثقافة

الإمــــــارات.. تجسد مفهوم الثقافة الرصينة في «الجنادرية»

محمود عبدالله (أبوظبي)

لم يحظ مهرجان ثقافي باهتمام محلي وإقليمي ودولي في منطقة الشرق الأوسط، مثلما يحظى به المهرجان الوطني للتراث والثقافة «الجنادرية» الذي يقام في المملكة العربية السعودية، نظراً لنجاحه النوعي في تحقيق معادلة الأصالة والمعاصرة، تأصيلاً للموروثات والثقافة الوطنية، وقد كتبت دولة الإمارات العربية المتحدة قصة نجاح خاصة على خريطة هذه الاحتفالية، إيماناً منها بأنها مناسبة مهمة في مجال تجسيد وتعزيز مفهوم الثقافة الرصينة، منذ انطلاقتها في العاصمة السعودية الرياض في 24 مارس عام 1985 وحتى الآن، تحت إشراف وزارة الحرس الوطني.

وتركز المشاركة الإماراتية في النسخة 31 من مهرجان الجنادرية، التي انطلقت مساء أمس الأول (الأربعاء)، وافتتحها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، بحضور الفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، بجناح صمم من العمارة الطينية على مساحة 5000 متر مربع، نظراً إلى المكانة الرفيعة، التي يحتلها مهرجان الجنادرية في خريطة الثقافة العربية والإسلامية وللدور الكبير الذي لعبه عبر دوراته المتعاقبة في إعلاء شأن التراث والثقافة العربية على وجه العموم والخليجية على وجه الخصوص، ومد الجسور بينه وبين التراث الإنساني بجميع أبعاده الحضارية والثقافية، والذي يقدم صورة ناصعة للملكة العربية السعودية الشقيقة كبلد حضاري وعريق، في حين أن حضور عديد من المؤسسات والهيئات والجمعيات ذات الصلة في الإمارات من خلال هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة في الحدث، يشكل فرصة للتعريف بجهود الإمارات في تسجيل عناصر التراث المعنوي ضمن قائمة التراث العالمي غير المادي بمنظمة اليونسكو، حيث سيتم الاحتفاء في هذه النسخة بمدينة العين وإبرازها كواحدة من أهم مدن الدولة، وباعتبارها أول موقع إماراتي يتم تسجيله في القائمة.

فنون البحر والصقارة

يسهم حضور عديد المؤسسات في الجناح الإماراتي بالترويج الثقافي والسياحي للدولة، وتأكيد مكانة إمارة أبوظبي كمركز ثقافي رائد في المنطقة، وإذا نظرنا سريعاً إلى برنامج المشاركة في الجنادرية 2017، سنجد أن ثقافة وتراث وشخصية وهوية الإماراتي حاضرة في إطار فعاليات متنوعة تقدم ما تزخر به الدولة من مقتنيات تراثية وتنوع ثقافي وموروث شعبي، بالإضافة إلى العديد من الأنشطة التراثية التقليدية الشعبية، من أبرزها استعراضات فلكلورية، وأيضاً رقصات شعبية تقليدية، وفعاليات البيئة البحرية مثل أهازيج أهل البحر وفن الجلافة (النّجارة)، وطريقة تمليح السمك وفلق المحار عبر التعريف بمهنة الغوص التقليدية ومواسمها، التي احتلت مكانة بارزة في حياة المجتمع البحري، ثم التركيز على تقديم روح البيئة البدوية ضمن تعزيز مفهوم ثقافة الصحراء مثل: العروض الحية للصقارة، وأداء حي لفنون الرزفة واليولة والأهازيج الشعبية، والشلة البدوية والربابة وفن العازي والطارق وألوانه، بهدف التعريف بهذه الألوان التراثية الفريدة التي تميز بها أبناء الإمارات عبر الزمن، بالإضافة إلى اهتمام نوعي بتقديم ركن خاص للصقارة، وهو ما يساهم في تواصل صقاري الإمارات مع صقاري المملكة وجمهور المهرجان للتعريف بأسرار رياضة الصيد بالصقور، كما يقدم الجناح عروضاً لمنافسات إعداد القهوة العربية، وتحضير الأكلات الشعبية، وعروضاً موسيقية حية مباشرة على المسرح، وركناً خاصاً لمعرض الصور، الذي يروي تاريخ وثقافة وموروث الدولة الذي يتصل بقوه مع محيطه الخليجي، ثم معرض الفنون التشكيلية، الذي يقدم النخبة من مبدعي التشكيل الإماراتي، ثم الترويج السياحي.

مشاركة نوعية

حققت المشاركة النوعية للإمارات في الحدث مكانة بارزة، حتى تم اختيارها ضيف شرف النسخة التاسعة والعشرين عام 2014، ومثل جناحها في تلك النسخة، الذي أشرفت عليه هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، بتوجيه من وزارة شؤون الرئاسة، عنصر جذب للآلاف من الجماهير من مختلف الجنسيات للاطلاع على التراث الإماراتي، والتفاعل مع عروضه الثقافية والفنية، والتي عكست آنذاك جوهر برنامج الجنادرية، وشاهد الزوار ما قدمته فرق الفنون الشعبية من عروض الرزفة والعيالة، التي اختارتها منظمة الأمم المتحدة للعلوم والثقافة «اليونسكو» ضمن أهم أشكال التراث الفني في الإمارات والخليج، وهو الحال نفسه لـ«التغرودة» الإماراتية التي منحتها اليونسكو التقدير ذاته.

ويسجل جناح الإمارات دائماً حضوراً لافتاً وإقبالاً كبيراً، ويجذب إليه الشعراء وهواة الصقور والفنون الشعبية وراغبي اقتناء التحف والمشغولات اليدوية، والمهتمين بالطب الشعبي، وعدداً ضخماً من النساء المهتمات بالسوق النسائية في الجناح للاطلاع على المشغولات اليدوية، التي أبدعتها أنامل الإماراتيات بمهارة عالية.

تاريخ مشترك

تولي الإمارات التاريخ المشترك بين بلدان مجلس التعاون كل الاهتمام، وتدعم منابره ومبادراته ومقوماته، ويتجلى ذلك في العديد من الجهود المشتركة التي تتمثل في التعاون الثقافي والسياحي المشترك، ومنها مهرجان الجنادرية، وغيره من المهرجانات التي تنظمها بقية دول مجلس التعاون، وبخاصة، وحسب تصريح لمدير عام هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة جاسم الدرمكي، فإن التراث والثقافة عنصران أساسيان في مسيرة النهضة المستدامة التي تعيشها الإمارات الآن، وجزء لا يتجزأ من هوية الدولة التي صارت نموذجاً يحتذى، ومنصة لتفاعل التراث الإنساني، ومركزاً لحوار متعدد الثقافات والحضارات العالمية، فضلاً عن احتضانها تنويعات من المعالم التاريخية والتراثية والثقافية، حيث أصبحت الإمارات بفعل ذلك رائدة في التطوير الثقافي والسياحي المستدام.

حقبة ثرية

على مدى 30 نسخة سابقة، كانت الإمارات حاضرة بكامل ثقافتها ومورثها الشعبي في قرية الجنادرية، وأخذ اهتمامها بالمهرجان يكتسب مذاقاً خاصاً مع مرور الوقت وتراكم الخبرة من المهرجانات، التي تنظمها الدولة وعلى رأسها مهرجان زايد التراثي، وبعودة قريبة إلى مشاركتها في النسخة الماضية من «الجنادرية»، نجد أن الإمارات قدمت عبر 25 مؤسسة أكثر من 40 نشاطاً تراثياً وثقافياً وترويجياً حققت قفزة نوعية في دعم مشروع صون التراث الوطني، من أبرزها تلك الصور الحيّة من البيئة الإماراتية، وما تتضمنه من حرف الصناعات التقليدية، التي تعتمد أكثرها على منتجات النخيل، والاستعراضات الفلكلورية، والبيئة البدوية، وركن الصقارة، والمنتجات التراثية، وركن القهوة العربية، والبراجيل، والركن الترويجي، ومعرض صور العلاقات الإماراتية السعودية، وتاريخ دولة، وما يقدمه المبدعون الإماراتيون إلى جمهور المهرجان من خلال الأمسيات الشعرية، وأيضاً مشاركة نخبة من المثقفين في سلسلة الندوات الفكرية والحوار الثقافي الذي لا ينقطع على مدار أيام الحدث.

وفي مشاركة الإمارات في النسخة الـ28 من المهرجان، ثمة الكثير مما يمكن أن تستعيده الذاكرة، ومن ذلك تصميم الجناح كقرية تراثية على شكل مجسّم بنسبة 50% من الحجم الحقيقي لقصر الحصن، والذي يعتبر أقدم المباني العمرانية في العاصمة أبوظبي ورمزاً لتاريخها، ومنارة ثقافية عريقة للمنطقة.

اقرأ أيضا

بنكراد يكشف أسرار هيمنة الصورة على حياتنا