الاتحاد

عربي ودولي

بغداد ·· انتظــار التغيـير ومحو مخلفــات الحــرب الداميــة ( الحلقة الثانية )

بين بكــــاء العراقييــن وصـوت جنازير الدبابــــات··
بغداد - فارس خطاب :
مضى عامان على دخول القوات الاميركية بغداد وسط ذهول الملايين من ابناء الامة العربية والاسلامية والمتابعـــــين في جــــــميع انحـــــاء العالم ، منهم من اعتــــبر الأمر تحصيل حاصل نتيجة اصرار القيادة العراقــــية على المضي في غيها وتحديها لأكبر القوى العالمية ممثلـــــة في الولايات المتحدة الاميركيــــــة ، ومنهم من قنط وتيقن لحين من الزمن انه اعــــــلان رسمي تاريخي للانهيار، وبين هذا وذاك آمـــاد تبــــــيّنت آفاق بعضها خلال الفترة الماضية ومنها مازال طي الترقب والمفاجأة في خضم احداث مملة ودموية متلاحقة خلال السنتين المنصرمتين رسمت ملامح الشأن العراقي الذي سنحاول التطرق لابرز سماته من خلال التعرض لاهم الملفات التي تحمل اهم المتغيرات على جميع الصعد·
لم يكن العراق في تاريخه الحديث يوما أسير الاطراف ضعيف المركز كما هو حاله اليوم بعد ان خلقت سياسات التحالف ما يفضي الى إضعاف بغداد كمركز للحكم على مدار السنين والعهود· كان يفترض ان يتكيف العراقيون تدريجيا لقبول الحالة الجديدة وللتعامل مع أسماء كانت الى ماض قريب محكوم عليها بالاعدام غيابيا أو بالتحديد الاجباري للاقامة او هاربة خارج القطر كما هو الحال بالنسبة لرئيس حزب الاتحاد الوطني الكردستاني جلال الطالباني والجلبي وعبد العزيز الحكيم والخوئي وغيرهــــم، ولكن الصورة تغيرت بسبب الثقل العراقي·
السيستاني والطالباني
كان العراق في ظل النظام البعثي السابق يعيش في ظل حكم علماني وكان رجال الدين بين الحين والآخر يمارسمون نوعا من التصدي الفكري لممارسات هذا النظام من خلال الوعظ الديني العلني او من خلال الحلقات والتجمعات الدينية المنظمة ، وكانت ردة فعل الاجهزة الامنية غالبا قوية وسريعة خاصة فيما يتعلق بالتوجهات ذات البعد التنظيمي ، لذا كان الكثير من رجال الدين يميلون الى مهادنة السلطة ومحاولة التقرب اليها بالطرق التي تسمح هي فيها وكانوا بذلك يضمنون الاحترام الشخصي وتحقيق الحد الادنى (على اقل تقدير) من رؤاهم حول القضايا الدينية العالقة ، ومنهم من اختار القنوط والابتعاد عن السياسة كما هو شأن السيد علي السيستاني الذي برز وبشكل مفاجئ كواحد ممن يسمع لهم قبل اتخاذ اي قرار حتى على مستوى الحاكم المدني العام الاميركي بول بريمر وكل القادة السياسيين الجدد ومن ثم تبعهم اضطرارا الباقون ممن يبحثون عن دور أو مخرج للازمة العراقية ·
ان رجال الدين قد تكون لهم تصوراتهم عن الشرعي وغير الشرعي في معطيات العمل السياسي العام ولكنهم وفي ظل المتغيرات السياسية الكبرى وفي تغير مفاهيم العلاقات الدولية المستمر يبقون محدودي القدرة على إدارة الامور وفق مفهوم يحقق التوازن والعدالة سواء في الداخل ام في الخارج ، ولعل واحدة من أسباب توجه الادارة الاميركية والبريطانية في العراق الى بعض رجالات الدين منذ بداية الاحتلال سببه سحب العلاقة الصعبة بينهم كقوى محتلة للعراق مع الشعب العراقي والتي يمكن ان تكون برميل بارود في اي لحظة الى بضعة رجال قد يكونوا مهيئين او متهيئين لقبول اية جهة تعطيهم مثل هذه الفرصة للبت بشؤون العباد فكان هذا الامر مع الخوئي (اغتيل في النجف ) والحكيم والسيستاني وغــــــيرهم القليل ·
وبين هذا الاتجاه وذاك من رجال الدين برز دور لم يكن متوقعا على الاقل من جهة جهات شعوبية كثيرة كان يهمها السطوة الفكرية والسياسية على مقاليد الامور في العراق الا وهو ظهور الشيخ المحبوب لدى الخاصة والعامة الشيعة والسنة العرب والاكراد أحمد لكبيسي ، ظهر في بغداد وعلى منبر ابي حنيفة النعمان ليقول الناس وهي في ذروة الصدمة من متغيرات هائلة كالزلزال ألمت ببلادهم ،جاء الكبيسي ليقول للناس طوبى لابناء الشيعة الذين دافعوا عن العراق بشرف وليدعوا الى توحيد الصفوف ونبذ الفتن فكان أول ناقوس خطر يهدد البدلاء الذين كانوا في الانتظار لتمرير مخطط التفتيت الذي اعتمده المخططون والمنفذون لهذه الحرب وكان بعدها ان هدد الكبيسي وضغط عليه حتى غادر العراق ·وقبل ان يغادر الكبيسي العراق أسس لهيئة كانت ذا بعد شرعي وسياسي سيحسبه التاريخ ويذكره جيدا للشيخ الكبيسي الا وهي هيئة علماء المسلمين التي أريد لها ان تكون نموذجا راقيا للوحدة العراقية ·
بعد ذلك تماما وبعد ان أخرج الكبيسي من العراق واغتيل رجال دين آخرون لتبقى المرجعية الاكبر والاهم المتمثلة بالسيد السيستاني الذي أريد له فيما يبدو ان يكون لاعبا اساسيا من قبل الادارة الاميركية في حين رفضت تيارات اخرى كانت أقرب الى الحس الوطني العراقي واكثر تفاعلا مع الشارع وهو ما جعل المراقب يجد ما يربط به كبريات الاحداث ومفاصلها وبين الدور الذي أعطي الى السيد السيستاني الذي يبدو للكثير من العراقيين كشيء من الخيال الهلامي الذي لم يره الا قليلون دون ان تجد من يقول لك ان هذا الرجل كان في يوم من الايام سياسيا او اداريا وتحت أي عنوان ·
أما الطالباني فقد كان طريد الحكومة البعثية منذ فترة طويلة وحكم عليه بالاعدام غيابيا بتهمة (الخيانة العظمى ولعلاقاته مع جهات أجنبية معادية) في ثمانينيات القرن الماضي ثم عادت ذات الحكومة بالطبع الى إصدار عفو خاص عنه تمهيدا لانجاح مفاوضات بين الاكراد والحكومة المركزية حول مسألة ضبط العلاقة بينهما في أعقاب تداعيات الانسحاب العراقي من الكويت ·
لعب جلال الطالباني دورا مهما في حشد التأييد الاميركي ومن بعض دول الاتحاد الاوربي لصالح دعم الاكراد الذين عاشوا فترة ذهبية بالنسبة الى تاريخ علاقاتهم مع المركز بعد العام 1991 حيث عزلت منطقتهم وتحولت إلى منطقة شبه مستقلة ، وان كان الفضل كله فــــــيما يتعلق بالسليمانــــــية لايحسب للطالباني وحده بل لمجموعة جيدة من الرجالات الكردية المتعلمة والقيادية أمثال كوسرت وبرهم صالح وغيرهم ·
لقد كانت المناطق الكردية من أكثر مناطق العراق خلال التسعينيات من القرن الماضي تواجدا للمعارضة العراقية والتواجد الاجنبي المتربص بحكومة بغداد·
وبعد دخول قوات التحالف بغداد لعب الطالباني دورا رئيسيا في التحكم بهامش كبير من قوة اصدار القرارات التي كان مجلس الحكم يصدرها كما لعبت ميليشياته (بيشمركة السليمانية) دورا آخر في السيطرة على بنايات حكومية وسيارات الدولة ومارست أدوارا كثيرة للاستحواذ والهيمنة على بقية التيارات الكردية لا بل وحتى العربية في مناطق خارج منطقة كردستان العراق ·
الشمال والجنوب
ان الربط بين تزايد المد الشيعي في العراق والمد الكردي في الشمال له أسبابه ومداخلاته التي تقاطعت مع كل تاريخ الشعب العراقي وبناؤه النفسي والاجتماعي ، ولقد سعت ادارات التحالف والكثير من قوى المخابرات العالمية الى مد السياسيين الاكراد وتحديدا التيار الخاص بجلال الطالباني بكل مقومات اللعب على اجنحة القوة سواء في العلاقات العامة مع التيارات الكردية الاخرى وهمشّ دور الكردي مسعود البرزاني الذي أثبتت التجارب انه اقرب الى وطنه العراق من سواه من القادة الاكراد وان كان يرغب على مستوى الفيدرالية كما يرغب غيره فيها ولكن وبتدبير اميركي ايراني مشترك جعل الطالباني ندهّ الاول في الصدارة ثم انحسر دور البرزاني ليجد نفسه فعليا اقرب الى العرب السنة منه الى بقية التيارات التي يعرف عنها اكثر مما يعرفه الاخرون بكثير·
لماذا رجال الدين؟
قد يتساءل كثيرون : لماذا رجال الدين في العراق هم الذين في مقدمة الاحداث التي جرت بعد دخول قوات التحالف بغداد في التاسع من ابريل عام 2003 ؟ لماذا وجد العراقيون أنفسهم على حين غرة محاصرين بين السيد السيستاني والسيدعبد العزيز الحكيم والدكتور الشيخ حارث الضاري والشيخ عبد الله الجنابي وغيرهم؟ أين سياسيو العراق؟ اين التكنوقراط الذي وعدت به القوى المسيطرة الان على العراق عندما كانوا في المعارضة ضد النظام البعثي الديكتاتوري؟
كل هذه الاسئلة تبدو مترابطة ، وانا أجزم الان بعد سنتين من التحليلات التي خرجت بأقلام المئات من الكتاب ان ما من شيء جرى في العراق حدث دون ان يكون قد أعدّ له بشكل متقن وجيد· وكان لابد ان يعودوا بالعراقيين الى اعتماد عنصرين عامين ليسا سيئين بالتأكيد ولكن الركون اليهما في ظل مثل هكذا ظروف هو تأخير لصحوة مفترضة وانتفاضة طبيعية كردة فعل عن كل ما جرى ويجري على ارض العراق ، لقد كان هذان العنصران بالطبع : الامثال الشعبية والمرجعية الدينية التي توفر لك قرارات جاهزة تنعدم بعدها آراؤك الشخصية وتصوراتك السياسية فتريحك من الحوار والتنظير الى رأي رجل قابع في النجف او الانبار أو قم حتى يقود العمليات الفكرية المؤيدة او الرافضة دون ان يكون لك حق التصور حتى عن كيفية تحوّل هؤلاء الرجال المعممون خلال فترة قصيرة جدا الى قادة سياسيين!
لقد وجد السياسيون العراقيون سواء كانوا من النخب السياسية ام من الاكاديميين المتبصرين انفسهم غرباء او مطلوبين او مطاردين فاختار بعضهم الهروب طوعا او قسرا خارج العراق وغالبا الى سوريا والاردن وايران او البقاء منزوين بعيدين عن كل الانشطة السياسية وقسم آخر تمت تصفيته بالاغتيالات التي عمت العراق من اقصاه الى اقصاه بشكل مرعب ·
الصدر يربح ولكن ··
لعل اكثر المراجع الدينية العراقية حظوة لدى الجماهير العراقية بسنتهم وشيعتهم هو ذاك الرجل الشاب مقتدى الصدر، وهذا الرجل كان سباقا لتحديد قناعاته وموقفه من الاحتلال اولا ، ثم من التيارات وخاصة الشيعية التي تعاملت او تتعامل مع القوات الاميركية تحديدا ، ولم يكن موقفه هذا خاصا أو سريا بل كان جماهيريا معلنا استغل فيه خطبة الجمعة الاسبوعية ليبث رسائله الى اتباعه ومريديه، وسرعان ما أسس الصدر لتوجيه اعلامي من خلال اصداره صحيفة 'الحوزة' التي أغلقها في حينه السفير الاميركي بول بريمر وتأسيسه كذلك الى قناة فضائية أسماها'السلام' ثم اذاعة (اف ام)، وأسس الصدر أيضا وهو الاخطر ما أطلق عليه 'جيش المهدي' الذي اعتبر مليشيات لحفظ الامن والقانون والممتلكات ولكنها في الحقيقة كانت رسالة الى بقية الزعامات الدينية الشيعية التي اتت من ايران ومعها ميليشياتها كفيلق بدر التابع الى عبد العزيز الحكيم وميليشيات عبد الكريم المحمداوي في جنوب العراق وغيرها ، وسرعان ما تآمرت أكثر من جهة في العراق لمحاصرة ذلك الفتى الشاب المفتقر الى الخبرة اللازمة لادارة مثل هذه الأحداث أو اللعب مع الكبار (اميركا وايران ) ·
اصطدم مقتدى الصدر اكثر من مرة بالقوات الاميركية والبريطانية وتحولت هذه الاصطدامات الى مواجهات مسلحة بين انصاره وبين هذه القوات من جهة وبينه وبين تيارات شيعية اخرى ، وكانت تلك الاصطدامات تهدأ مرة وتستعر مرات حتى جاءت معارك النجف الاشرف التي تيقن فيها مقتدى الصدر بشكل نهائي ان ما يفعله في العراق من محاولات عرقلة عمليات احتلال العراق وتطوير هذا التحالف غير مرض عنها لدى جهات عديدة أولها الجهات الموالية لايران وخاصة جماعة المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى بقيادة السيد عبد العزيز الحكيم وحزب الدعوة بقيادة الدكتور ابراهيم الجعفري ، ومما زاد من إحباط مقتدى انتقاد مقلده السيد كاظم الحائري المقيم في قم بايران مما جعله يقول بمرارة في خطبة له في النجف أمام حشد من اتباعه: 'لقد جعلونــــــي وحدي في مواجــــــــهة الاميركان '!!
رغم المصاعب والصدمات الكثيرة والكبيرة التي ألمت بالتيار الصدري في العراق إلا ان مقتدى الصدر خرج من كل هذه المخاضات بشكل أكثر دراية وخبرة في التعامل مع الاحداث ولعله أكثر تيقنا ان الصدر الذي هو (عراقي عربي ) لن يسمح له كما لم يسمح لابويه من قبل بتبوؤ مراكز قيادية متحكمة بالمفاصل الشيعية العراقية لذلك فإن الصدر هو التيار الشيعي الوحيد الذي لا ينتمي لهيئة علماء المسلمين في العراق كما هو شأن السيد الخالصي ومع ذلك فإن له علاقة ممتازة بالهيئة وشارك بوجدان عراقي في مواقف كثيرة لصالح او لنصرة عراقيين تعرضوا لهجمات شرسة من قبل القوات الاميركية او المتعاونة معها كما هو الحال في موقفه من معركة الفلوجة الاولى والثانية وموقفه الحازم والكبير من قضية كركوك وعراقية انتمائها دون النظر الى اي تفوق قومي فيها على حساب قوميات أخرى·
ماذا يخططون ؟
في خضم ما جرى خلال السنتين الماضيتين من تركيز على الجانبين الديني (المذهبي) والقومي فهل يمكن التصور ولو لبعض من الوقت ان يكون رجال الدين فيه هم من يتحكم بمقــــــــدرات الامور ؟
وفي الحقيقة التي تشاهد على ارض العراق ان مساعي الولايات المتحدة نجحت في مجال تحويل الناس من عقيدة البعث التي حكمت العراق طيلة 35 عاما على أسس ومفاهيم ثورية لعل اولها الموقف الراسخ من قضية الصراع العربي الصهيوني ثم الموقف المباشر للشعب من طريقة أداء حاكميه ودرجة ارتباطهم بالاجنبي ، وان كنا لا نستطيع القول انها نجحت بالكامل لكنها تمضي خططها الى جعل العراقيين يكفرون بكل الاشياء والاعتبارات التي نشأوا وتربوا من خلالها ولأجلها·

اقرأ أيضا

الولايات المتحدة تنصح رعاياها بعدم السفر إلى بوليفيا