الاتحاد

عربي ودولي

العــــالم امـرأة - السعد عمر المنهالي

أجنيـس فـان آردين ··
السعد عمر المنهالي:
عرفت قبائل الفور في غرب السودان بعظم حجمهم فلقبوا بـ التورا أي العمالقة، وكانوا يعيشون في منازل دائرية سميت بالـ بتورنق تونقا أي بيوت العمالقة، ولأنهم كانوا أكثر من سكن وحكم المنطقة لمدة 430 عاما، سميت المنطقة برمتها بهم دار الفور · غير أن صفاتهم تلك تغيرت بعد أن امتزجت عروقهم بقبائل أخرى ولم يعودوا عمالقة، بل إن أقزاما آخرين أخذوا يزحفون على أراضيهم بعد أن زحفت الخلافات بين قبائلها·
وفي أرض العمالقة وصفت وزيرة التعاون والتنمية الهولندية آجنيس فان ادرين الحال وكأنها ارض الجحيم· فقد صرحت بعد زيارتها لـدارفور- التي استمرت لأربعة أيام انتهت في الرابع من ابريل الجاري 2005- بأن الأوضاع الإنسانية غير مطاقة، فلا ماء ولا غذاء، وحتى قوافل المساعدات الإنسانية تُهاجم، وأن اللاجئين يعانون أوضاعا مأساوية، ولهذا فإن بلادها ستتبرع بما قيمته 30 مليون يوريو للمنظمات الإنسانية هناك لتخفيف المعاناة في دارفور، وذلك في تصريح لا يقل حدة عما كانت قد صرحت به في بروكسل في الثامن والعشرين من مارس الماضي ،2005 عندما قالت: إن الحكم الحالي في السودان غير قادر على حل قضية دارفور، وأنه يجب أن يتم تغيير في حكومة الخرطوم حتى يتم التوصل إلى حل للقضية ·
الحزبية النشيطة
ولدت آنا ماريا آجنيس فان آدرين في الحادي والعشرين من يناير عام 1950 لأسرة في مدينة ماسلاند بهولندا· انضمت آجنيس مبكرا إلى الحزب الديموقراطي المسيحي الهولندي، -يعد هذا الحزب الآن أحد أكبر ثلاثة أحزاب في هولندا، وخلال العامين الماضيين عد الأهم والأكثر شعبية من بين باقي الاحزاب في البلاد وأوروبا- غير أنها لم تبرز بين أسماء الصفوف الأولى إلا عندما أصبحت عضوا في لجنة الشؤون الخارجية في الحزب عام 1986 وذلك لمدة عشر سنوات حتى عام ،1996 كما أنها لم تنضم للعمل التنفيذي للحزب إلا عام 1988 عندما أصبحت عضوة في المجلس البلدي لـ فلاردنجين وذلك لمدة ست سنوات، وخلال تلك الفترة أصبحت المدير التنفيذي للمجلس البلدي عام ،1990 في حين تركت العمل في المجلس عام ·1994
استطاعت آجنيس فان آدرين منذ ذلك الوقت أن تبرز على الصعيد العملي بين قيادات الحزب، ففي عام 1994 أصبحت عضواً في مجلس النواب الهولندي لمدة ثماني سنوات حتى عام ،2002 كما أنها مثلت بلادها خلال تلك الفترة في البرلمان الأوروبي، وكذلك في اجتماعات بلادها في حلف شمال الأطلنطي·
تقلدت آجنيس عددا من المناصب والمهام ذات الطبيعة الدولية، فقد كانت نائبة رئيس منظمة سيبيمو للتنمية، كما شاركت في تأسيس مركز التعاونِ والتطوير في مدينة فلاردنجين ، بالإضافة إلى ترأسها مكتب اليونيسيف في هولندا· وعندما نجح الحزب الديموقراطي المسيحي في الوصول إلى السلطة بعد انتخابات 2002 دخلت آجنيس الحكومة في الثاني والعشرين من مايو لتصبح وزيرة للتعاون والتنمية، ثم عادت فيما بعد لتحصل على نفس الحقيبة في السابع والعشرين من مايو من عام ·2003
من الداخل إلى الخارج
بطبيعة الحال تبدي وزارات التنمية والتعاون الدولي في الدول الأوروبية اهتماما خاصا بإفريقيا، ولعل الغالب من أعمال ونشاطات هذه الوزارات يتركز في المناطق الأفريقية التي تعاني ويلات الحروب والمجاعة والنزاعات الداخلية، سواء بتقديم المساعدات الإنسانية أو تعجيل حركة التنمية أو المساعدة على إحداث بيئة سياسية هادئة ومستقرة لتسهيل المفاوضات وعلاج النزاعات بين الأطراف المختلفة -وهذا الأهم-، ودائما ما كان الدور المالي الذي تتقدم به حكومات الدول الأوروبية في هذا الشأن داعما لهذا الهدف·
ولعل السودان سواء في الجنوب أو الغرب -دارفور- من أكثر المناطق الأفريقية التي أثارت الرأي العام في الغرب وحفزت حكوماته للتحرك بشأنه، فبجانب استقطاب هذه المناطق المنظمات الدولية والإنسانية والأهلية كان للحكومات كذلك مساحة لها شأن· وإن كانت الحكومة السودانية قد سمحت بتدخل كل تلك الجهات السابقة لتقديم العون الإنساني، إلا أنها قد تكون أكثر الجهات تضررا من الأمر، سيما بعد ثبوت أن ما تقدمه هذه المنظمات والدول إنما تتبعه شروط على الحكومة في الخرطوم أن تلتزم بها·!
لا يمكن إغفال الدور الذي لعبته هذه الحكومات خلال وأثناء توقيع اتفاق السلام في جنوب السودان، وهذا ما يؤكده الاهتمام الخاص الذي حظي به الجنوب من جانب الحكومات الأوروبية، غير أن هذه الرعاية لم تتوقف حتى بعد توقيع اتفاق السلام بين الحكومة في الخرطوم والجيش الشعبي لتحرير السودان في نيروبي في يناير من أول العام الجاري ·2005 فقد كانت الزيارة التي قامت بها الوزيرة الهولندية لـ رومبيك إحدى مدن الجنوب ومعقل جيش التحرير، هي الأولى من نوعها -كما رأت بعض المصادر- لمسؤول أوروبي بهذا المستوى في يناير ،2005 وقد وعدت في تلك الزيارة بتقديم 100 مليون يورو للسودان كمساعدات، وخلال زيارتها تلك افتتحت الوزيرة مكتب اتصال أوروبي -بمشاركة هولندية وبريطانية-، وبعد رفع العلمين، قالت الوزيرة لوسائل الإعلام أنه صحيح أن لهولندا سفارة في الخرطوم، ولكن البعد المكاني بين الجنوب والعاصمة يدفعنا لهذا، مبررة ذلك بقولها: نحن بحاجة لإجراء اتصالات مباشرة مع وكالات الأمم المتحدة والمجتمع المدني وسلطات الجيش الشعبي لتحرير السودان ·!!
هذا ما كان في الجنوب، أما الغرب فالأمر جاء مختلفا، ولعل تصريحات الوزيرة التي كانت قد أدلت بها في الثالث والعشرين من نوفمبر من العام الماضي 2004 لوسائل الإعلام- بقولها: لقد زرت السودان مرات عدة واعرف جيدا أن السلطات الموجودة ليست قادرة على حل النزاع، لا بد من تدخل أنظمة أخرى يمكنها أن تقدم أو تدافع عن رؤية أخرى، وان تساهم بالتالي في حل المشاكل على الأرض ومن ثم قولها: الخطأ لا يقع على الاتحاد الإفريقي، ولا على الأمم المتحدة، ولا على الاتحاد الأوروبي، بالتأكيد النظام السوداني هو المسؤول عن الوضع على الأرض - تجعل المتابع لها لا يتعجب مما قالته في زيارتها الأخيرة في الثالث من أبريل الجاري عام 2005 لدارفور والتي استمرت لأربعة أيام، غير جالبة للفرح -كما كان الحال في الزيارة السابقة-، وفي الرابع من ابريل الجاري عام 2005 أعلنت عن أسفها بأن اتفاق السلام في جنوب السودان لم يصل إلى دافور في الغرب، سيما وأن الوضع في المنطقة الغربية سيء للغاية، فالملايين بدون ماء أو غذاء كاف أو دواء، كما أن المرأة بالذات كانت ضحية الاغتصاب والتخويف، وأضافت لم يعد هناك حجج باقية للحكومة السودانية تحول دون التفاوض مع الثوار ·!
بيد أن الدعوة الحثيثة التي تقدمت بها الوزيرة أجنيس إلى المجتمع الدولي للضغط على الحكومة السودانية، عدت ككسرة البعير، سيما وأن دعوتها جاءت متزامنة مع قرار مجلس الأمن الدولي رقم 1593 الذي صدر في الثاني من ابريل الجاري 2005 بخصوص محاكمة المتهمين بارتكاب جرائم في دارفور بالمحكمة الجنائية الدولية·
القرار 1593
لم يتوقع أحدا أن تكون الكلمة التي أدلى بها كوفي عنان الأمين العام للأمم المتحدة -في الذكرى العاشرة لمذبحة رواندا ودعوته فيها المجتمع الدولي بأن لا يقف مكتوف الأيدي أمام ما يجري في دافور - كافية لتحريك قادة العالم بهذه السرعة، وفي أقل من عام كامل، وإن كانت زيارة الأمين العام نفسه بالإضافة إلى وزير الخارجية الأميركي السابق كولن باول فيما بعد لدار فور قد أثبتت أهمية الصراع هناك، إلا انه ظل في إطار اهتمام دولي لا يحظى بدرجة تزيد عن الاستهجان والرفض ولم يعتقد أن يزيد عن ذلك·!!
بيد أن هذا عكس ما حدث· فقد كان قرار مجلس الأمن في الثلاثين من يوليو 2004 بإمهال الحكومة السودانية ثلاثين يوما فقط لإنهاء الانتهاكات المرفوضة في دافور قرارا مائعا لذا لزمه التلويح بعقوبات، -وهو ما اعتبره الكثير من المراقبين في وقته ضياعا آخر للقضية- بداية لتحضير طبخة دولية جديدة، وهو ما كان عندما اجتمع مندوبو قادة العالم في مجلس الأمن الدولي في الثاني من إبريل الجاري 2005 ليقرروا إحالة 51 مسؤولاً سودانياً، بينهم عدد من عناصر حركتي التمرد الكبريين في دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي لمحاكمتهم بتهمة ارتكاب جرائم حرب في الإقليم الواقع غرب السودان·
فاجأ القرار الدولي الكثير من المتابعين، سيما وأن إمكانية التوصل إلى اتفاق بين القوى الكبرى حول الطريقة التي يمكن ان يعاقب على أساسها المتهمون بارتكاب الجرائم كانت مستبعدة· فبين فرنسا المطالبة بتحويلهم إلى محكمة مجرمي الحرب والولايات المتحدة الرافضة أساسا لاختصاصات المحكمة الجنائية، كذلك موقف كلٍ من روسيا والصين اللتين لا تريان الأمر يستحق أكثر من عقوبات دولية كحظر السفر والغرامات المالية على المتهمين، وبين هذا كله خرج مجلس الأمن بقرار 1593 ليسجل سابقة دولية صفق لها الكثير، بالتأكيد ليس أولهم منظمات حقوق الإنسان في الدول الغربية وليس آخرهم المستفيدون من هذا الأمر في دارفور وبالتأكيد الوزيرة الهولندية مشمولة في هذه السلسلة·
غير أن الحكومة السودانية بالتأكيد لم تكن ضمن هذه السلسلة الطويلة من السعداء بالقرار، ولذا جاء الرد مستهجنا من الحكومة السودانية التي أدانت القرار بشدة، وحشدت مئات الآلاف من السودانيين في مسيرة شهدتها العاصمة في الخامس من إبريل، أطلق عليها مسيرة الغضب ، وطالب المتظاهرون حكومتهم بعدم التسليم بالقرار وتسيلم أي سوداني، وإن كانت المسيرة شعبية إلا أنها تعبر عن غضب الحكومة الذي ظهر كذلك عندما أقَسم عمر البشير الرئيس السوداني أمام الإعلام بأن حكومته لن تسلم أيا من مواطنيها للمحاكمة خارج السودان مهما كانت الضغوط الدولية·
وفي تحرك لبعض القوى الإقليمية، حاول الجانب المصري رأب الصدع وعدم تصعيده، بالقول على لسان وزير خارجيتها احمد أبو الغيط : إنه لا حاجة لإحالة المشتبه فيهم السودانيين إلى المحكمة الدولية لأنه يمكن محاكمتهم أمام القضاء السوداني ، بالإضافة إلى تأكيده معارضة بلاده تدويل القضية، ولذا فقد تقرر عقد قمة في العشرين من ابريل 2005 في شرم الشيخ لتدارس تطورات القضية· غير أن التدخلات الخارجية خاصة من مصر ودول الاتحاد الأفريقي قبل القرار لم تولِ الأمر اهتماما أكبر، فقد كانت مؤشرات الضغط الدولي على الفاعلين في مجلس الأمن تسير في هذا التوجه، وكان الإعلان عن محاكمة داخلية لمرتكبي الجرائم التي تصر عليها المنظمات الدولية كفيلة بعدم إقرار القرار الدولي رقم ·1593
Als_almenhaly@emi.ae

اقرأ أيضا

البحرية الأميركية تبحث عن بحار مفقود في بحر العرب