الاتحاد

تقارير

مأساة بورما: جنرالات يتحدّون العالم!

بورما·· مشكلات مستعصية يؤجهها العسكر

بورما·· مشكلات مستعصية يؤجهها العسكر

نايبيداو مدينة قامت على الخوف· فقد أنشئت، حسبما يقال، من قبل حكام بورما المستبدين بناءً على نصيحة المنجمين وشارك في بنائها عمال عملوا فيها قسراً· حدث ذلك حين قرر فجأة حكام بورما، القلقون من ضعف وهشاشة رانجون -المدينة الساحلية- في وجه هجوم محتمل، نقل الحكومة إلى موقع يبعد بنحو 250 ميلا إلى الشمال قبل ثلاث سنوات؛ واختاروا بكل تواضع لعاصمتهم الجديدة اسم ''إقامة الملوك''· من هذه المدينة أصدر الجنرالات أوامرهم بضرب واعتقال وإطلاق النار على الرهبان الذين كانوا يتظاهرون بشكل سلمي احتجاجاً على أسعار الغاز عام ،2007 وهنا آووا إلى منازلهم الكبيرة وأحبطوا الجهود الدولية للمساعدة بعد أن ضرب إعصار نرجس دلتا نهر إيروادي العام الماضي ودمر معه أيضاً حيوات الملايين·
قليلون من يصلون إلى هذه المدينة البعيدة، إذ لا بد من إذن للذهاب إليها عبر الطائرة· ورغم إنشاء طريق سريع من أجل المسؤولين الحكوميين في المقام الأول، فإن معظم الناس يقطعون مسافة الست ساعات ونيف التي تفصل بين رانجون ونايبيداو، سالكين طريقاً يتألف من مسارين تنتشر فيه الحفر والمطبات وتتقاسمه معهم العربات التي يجرها الثيران وسائقو الدراجات الهوائية· اليوم، مازالت معظم المناطق الريفية في بورما بدون كهرباء حيث تواصل العائلات العيش على النحو الذي عاشته منذ قرون مستعينةً بالمضخات اليدوية لجلب الماء والحطب للطهي· وحدها مقاهي الشاي في البلدات هي التي تتوفر على التلفزيون الذي يعمل بمولدات الكهرباء حيث يشاهد الناس مباريات كرة القدم أو الأخبار ثم يمضون إلى حال سبيلهم·
غير أنه بالقرب من نايبيداو تقوم محطة ضخمة جديدة لإنتاج الكهرباء المتاحة للجنرالات طوال الوقت، وتتحول الطريق المتهالكة إلى طريق سريع من ثمانية مسارات تفصل بينها خطوط مضيئة· وبالجوار تتم إعادة إنشاء أكثر موقع قدسية في بورما، وهو ''شويداجون باجودا'' في رانجون- حيث يتنافس الجنرالات على إظهار عفتهم وتدينهم·
للوهلة الأولى تبدو العاصمة عادية تقريباً؛ فهناك مركز تجاري جديد تباع فيه السلع الصينية الرخيصة، وحديقة حيوانات حيث يستطيع الأطفال إطعام الفيلة، وشقق في عمارات سكنية عصرية عالية، ومنتجع سياحي فخم مع ملعب لرياضة الجولف· لكن ثمة في الوقت نفسه حراساً في كل مكان، في الأبراج وفي زوايا الشوارع، حيث يبدو الناس على جانب الطريق وكأنهم يراقبون بعضهم بعضاً· ومما يذكر في هذا الإطار أن تقارير ظهرت خلال الأسابيع الأخيرة، تفيد بأن حكام بورما العسكريين منهمكون في بناء سلسلة من الأنفاق تحت العاصمة، مما ولد سيلا من الإشاعات: فهل هي جزء من مشروع نووي؟ أم طرق للفرار؟ أم معتقلات تحت الأرض؟
من ناحية هناك مظاهر خداعة للحياة العصرية؛ فالقنوات التلفزيونية المحلية تُظهر عارضات شابات يغنين للترويج لأحد أنواع الشامبو، واللوحات الإشهارية الكبيرة في الشوارع تروِّج لأجهزة الحواسيب المحمولة، وهناك في رانجون مقهى على شاكلة ''ستارباكس''· لكن من ناحية ثانية، هناك تفشي الفقر والأمراض وتجارة الجنس· فالناس في المناطق التي تضربها المجاعة يدفعون خمسة سنتات من أجل جرذ يأكلونه؛ وفي مناطق الشمال، يتلقى عمال المناجم أجورهم على شكل كمية من مخدر الأفيون، وليس نقداً، وينشرون فيروس ''إتش آي في'' عبر الإبر المشتركة· أما في منطقة ''كارن'' ذات الأغلبية المسيحية والتي يقوم الحكام العسكريون بتدميرها بشكل ممنهج، فتتعرض النساء للاغتصاب ويُرغَم الأطفال على الانضمام إلى الجيش والعمل كأجهزة رصد بشرية للألغام·
وهنا في نايبيداو، قال الجنرال الحاكم ''ثان شوي'' مؤخراً إنه كان جد منشغل بقبول رسائل اعتماد بعض السفراء الجدد إلى درجة أنه لم يبق له الوقت للالتقاء بالمبعوث الخاص الأممي إبراهيم جمبري والتحدث معه حول الإصلاحات الديمقراطية· وبدلا من ذلك، غادر جمبري البلاد بعد أن وُبخ من قبل رئيس الوزراء الجنرال ''ثين سين'' الذي طالب برفع العقوبات الاقتصادية الدولية المفروضة على بورما والتي وصفها بأنها ''انتهاك لحقوق الإنسان''· ثم خرج أمين عام الأمم المتحدة بان كي مون بتصريح قال فيه إن جمبري أجرى ''مباحثات جيدة هناك، وإن كان المرء قد لا يشعر بالرضا التام لذلك''·
ومن المفترض أن يكون جمبري قد أطلع مجلس الأمن الدولي على نتائج زيارته لبورما يوم الجمعة· والأمل أن يخبر أعضاء المجلس بما فعله الجنرالات حين كان يستعد للمغادرة: إغلاقهم مزيداً من الكنائس في رانجون، ورفضهم السماح للمحامين بزيارة بعض المعتقلين السياسيين الذين يتجاوز عددهم 2100 شخص، وتمديد اعتقال زعيم معارض في الثانية والثمانين من عمره·
لقد خلق الجنرالات واقعاً سوريالياً في بورما، وهم يتحدون الرأي العام العالمي، في حين أن المجتمع الدولي يسمح لهم بالنجاة بفعلتهم والإفلات من العقاب من خلال الفشل في صياغة رد أخلاقي قوي ومنظم· ولهذا، سيتعين على فريق أوباما المعني بالسياسة الخارجية أن يقدم مزيداً من الدعم لجهود الأمم المتحدة· فإذا كانت تصريحات وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون قد أثارت الانتباه من جديد للموضوع يوم الأربعاء الماضي، فإن لدى فريق أوباما فرصة لتحديد حجم العقوبات المالية التي يجب أن تفرض على بورما من أجل الضغط على الجنرالات وأصدقائهم الضالعين في غسل الأموال· ويستطيع الفريق التشديد على ضرورة استيفاء معايير قابلة للتحقق قصد قياس التقدم المحرز، وذلك من قبيل الإفراج عن السجناء السياسيين، قبل منح الحكام العسكريين أي مزايا، كما يستطيع أن يذكِّر العالم بأن الانتخابات المقررة في 2010 لا ينبغي أن تخدع أحداً لأنه يتم الإعداد لها حالياً من أجل تأمين قبضة الجنرالات على السلطة، ما يعني أن الأمور ستستمر على حالها في نايبيداو·

رينا بيديرسون -بورما
كاتبة خطابات سابقة في وزارة الخارجية الأميركية
ينشر بترتيب خاص مع خدمة ''لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست''

اقرأ أيضا