صحيفة الاتحاد

دنيا

«الحسن» تنازل عن الخلافة وأصلح الله به بين المسلمين

القاهرة (الاتحاد) - «الحسن» بن علي سبط رسول الله وريحانته من الدنيا، سيد شباب أهل الجنة، تربى على يده ما يقرب من ثماني سنوات، وكان يحبه حبا جما، ذكر البيهقي عن أبي بكر .. قال، رأيت رسول الله على المنبر والحسن بن علي إلى جنبه وهو يلتفت إلى الناس مرة وإليه مرة ويقول: «ابني هذا سيد ولعل الله أن يصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين»، وعن جابر أن رسول الله قال الحسن: «إن ابني هذا سيد يصلح الله به بين فئتين من المسلمين».
تحقيق النبوءة
وقد تحققت هذه النبوءة التي تنبأ بها رسول الله بعد ذلك، فبعد أن ضرب ابن ملجم علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال له الناس استخلف يا أمير المؤمنين، فقال لا ولكن أدعكم كما ترككم رسول الله صلى الله عنه وسلم - يعني بغير استخلاف - فإن يرد الله بكم خيرا يجمعكم على خيركم، كما جمعكم على خيركم بعد رسول الله، ثم توفي وكان أول من تقدم إلى الحسن، رضي الله عنه، قيس بن سعد بن عبادة، فقال له ابسط يدك أبايعك على كتاب الله وسنة نبيه، فسكت الحسن، فبايعه ثم بايعه الناس بعده، وكان ذلك يوم الجمعة السابع عشر من رمضان سنة أربعين هجرية، وجاء في خطابه بعد البيعة، نحن حزب الله الغالبون، وعشرة رسول الله الأقربون، وأهل بيته الطيبون الطاهرون، فأطيعونا فإن طاعتنا مفروضة، إذا كانت بطاعة الله ورسوله مقرونة.
قتال أهل الشام
وقال ابن كثير في البداية والنهاية، ألح قيس بن سعد وتحت يده أربعون ألف مقاتل على الحسن في النفير لقتال أهل الشام، ولم يكن في نية الحسن أن يقاتل أحداً، ولكن غلبوه على رأيه، فاجتمعوا اجتماعاً عظيماً لم يسمع بمثله، فأمّر قيس على المقدمة، وسار هو بالجيوش في إثره ليقاتل معاوية وأهل الشام، فبينما هو في المدائن، إذ صرخ في الناس صارخ ألا إن قيس بن سعد بن عبادة قد قتل، فثاروا وانتهب بعضهم بعضا، حتى انتهبوا سرادق الحسن ونازعوه بساطا كان جالساً عليه، وطعنه بعضهم، فكرههم الحسن كراهية شديدة، ثم ركب فدخل القصر الأبيض وهو جريح، ولما رأى تفرق جيشه عليه مقتهم، وكتب عند ذلك إلى معاوية يراوضه على الصلح بينهما فبعث إليه معاوية بعبد الله بن عامر وعبد الرحمن بن سمرة، فقدما عليه الكوفة فبذلا له ما أراد من الأموال، فاشترط أن يأخذ من بيت مال الكوفة خمسة آلاف درهم، وأن يكون خراج دار «ابجرد» له، وأن لا يسب علي وهو يسمع، فإذا فعل ذلك نزل عن الإمرة لمعاوية، ويحقن الدماء بين المسلمين، فاصطلحوا على ذلك واجتمعت الكلمة على معاوية.
وقال الشعبي، لما صالح الحسن وسلم الأمر إلى معاوية، قال له معاوية بالنخيلة، قم فتكلم، فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد، فإن أكيس الكيس التقى وإن أعجز العجز الفجور ألا وإن هذا الأمر الذي اختلفت فيه أنا ومعاوية حق لامرئ كان أحق به أو حق لي تركته لمعاوية إرادة إصلاح المسلمين وحقن دمائهم وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين، ثم استغفر ونزل.
وتضمنت وثيقة الصلح، أن يسلم إليه ولاية أمر المسلمين على أن يعمل فيهم بكتاب الله وسنة رسوله وسيرة الخلفاء الصالحين، وليس لمعاوية أن يعهد من بعده عهدا، بل يكون الأمر شورى بين المسلمين، وعلى أن الناس آمنون، حيث كانوا من أرض الله، وعلى أن أصحاب علي آمنون على أنفسهم وأموالهم ونسائهم وأولادهم، وعلى معاوية بذلك عهد الله وميثاقه، وما أخذ الله بمكر أحد من خلقه بالوفاء، وبما أعطى الله من نفسه، وعلى أن لا يبقي للحسن بن علي ولا لأخيه الحسين ولا لأحد من أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم غائلة سراً ولا جهراً، ولا يخيف أحدا منهم في أفق من الآفاق.
دلائل النبوة
وأبرم الحسن، الصلح معه بعد بضعة أشهر من مبايعته للخلافة، فكان ذلك فاتحة خير على المسلمين، إذ توحدت جهودهم، وسمي عام 41 هـ عام الجماعة، وعاد المسلمون للجهاد والفتوحات، فلما تنازل عن الخلافة أصلح الله بذلك بين الفئتين كما أخبر بذلك رسول الله، وهذا من أكبر دلائل النبوة، وقد مدحه رسول الله صلى الله عليه وسلم على صنيعه هذا، وهو تركه الدنيا، ورغبته في الآخرة، وحقنه دماء الأمة، فنزل عن الخلافة، حتى تجتمع الكلمة على أمير واحد.