صحيفة الاتحاد

دنيا

«البقية في حياتك» عبارة غير مشروعة

حسام محمد (القاهرة) - جرت العادة عندنا أن أهل الميت يقفون بعد انتهاء الدفن صفاً واحداً ويمر المشاركون في الجنازة أمامهم ليقدموا لهم العزاء حيث يردد المعزون لأهل الميت عبارة «البقية في حياتكم» ويرد أهل الميت «حياتكم الباقية»، وهي جملة تتكرر في كثير من المجتمعات العربية رغم ما فيها من مخالفات شرعية عديدة.
من الآداب الاجتماعية
يقول الدكتور عبد الله الحسيني وزير الأوقاف المصري الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء: من الآداب الاجتماعية التي حثنا الإسلام على الاعتناء بها وحث المسلمين على أن يعتنوا بها ويهتموا لها أدب التعزية لمن مات لهم ميت أو فقدوا عزيزاً غالياً وتعزية المسلم في مصابه مستحبة، لقوله صلى الله عليه وسلم: «من عزى مصاباً فله مثل أجره»، وقوله: «من عزي أخاه بمصيبة كساه الله من حلل الكرامة يوم القيامة»، ومعني التعزية: تصبير أهل الميت بكلمات لطيفة أو بعبارات مأثورة تسلي المصاب، وتخفف حزنه، وتهون عليه والتعزية مستحبة ولو كان الميت ذمياً فمن محاسن الإسلام مشروعية العزاء وهو مواساة ذوي الميت وتسليتهم وحثِّهم على الصَّبر والاحتساب، كذلك الدُّعاء للميت والتَّرحم عليه والاستغفار له، وثمَّة جهةٌ أخري تتعلق بالميت من وجوب تشييعه ودفنه مع الصَّلاة عليه وتجهيزه فرضًا كفائيًّا على المسلمين.
وينبغي أن تكون التعزية لجميع أهل الميت وأقاربه الكبار والصغار، والرجال والنساء.. سواء أكان ذلك قبل الدفن أو بعده إلى ثلاثة أيام، إلا إذا كان المعزي أو المعزى غائباً فلا بأس بالتعزية بعد الثلاث.
ومن الواجبات التي يلزم المسلم الحفاظ عليها أثناء العزاء التخشع عند الإنصات إلى القرآن الكريم، والتحدث بأحاديث تتفق مع المصيبة والتلفظ بألفاظ التعزية المأثورة والمروية عن السلف، إلى غير ذلك مما يتفق مع هول المناسبة، وترتبط بالتعزية فالترحم على الميت، وإظهار الحزن عليه، وتعداد مآثره.. هو أفضل ما يعزى به أهل الميت، وهكذا كان السلف يفعلون، وعلى هذا المنهج يواسون ويعزون، حيث روى أبو داود والنسائي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما حديثاً طويلاً قال فيه: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال لفاطمة رضي الله عنها: «ما أخرجك يا فاطمة من بيتك، قالت: أتيت أهل هذا الميت، فترحمت إليهم ميتهم أو عزيتهم به».
من المخالفات الشرعية
أما عبارة «البقية في حياتك»، فلم ترد في عبارات العزاء على ألسنة السلف الصالح وفيها العديد من المخالفات الشرعية لأن التعزية في الإسلام، كما علمنا رسول الله أن نقول ما يحث على الصبر والإيمان والاحتساب وهو ما لا يتوفر في هذه الجملة، ومن السنة أن نقول عند تعزية شخص في عزيز له توفي «لله ما أعطى ولله ما أخذ» أو «اصبر واحتسب» أو «إنا لله وإنا إليه راجعون» أو ندعو له بخير مثل «أعانك الله» أو حتى القول الدارج «شِدّ حيلك»، أما قول «البقية في حياتك» ففيه قذف في حق الله جلّ عُلاه في أنه أمات هذا الشخص قبل أجله وأن المفروض أن في عمره بقية ويدعو بأن تنتقل هذه البقية إلى حياة المعزى رغم أن الله عز وجل قال في كتابه الكريم: «وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُونَ»، «النحل: الآية 61»، وفي هذا القول مخالفة إن لم يكن إنكاراً لبعض أسماء وصفات الله تعالى لكونه العادل العَدْل الحاكم مالك الملك الرحمن الرحيم فلن يضرّ أحداً أو يظلمه بإماتته قبل أن يستوفي أجله المُقدَّر له قبل خلقه وفي الصحيحين عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما، قال: «أرسلت إحدى بنات النبي صلى الله عليه وسلم إليه تدعوه وتخبره أن صبياً لها أو ابنا في الموت، فقال للرسول: أرجع إليها فأخبرها أن لله ما أخذ ولله ما أعطى وكل شيء عنده بأجل مسمى، فمرها فلتصبر ولتحتسب.
وهكذا، فالعبارة خاطِئَة من كِلا طَرَفَيْها، فهل الذي مات ترك شيئاً من عمره، ليكمله أحد غيره؟ وهل البقاء لأحد إلا لله؟ قال الله عز وجل: «لِكُلِّ أَجَلٍ كِتَابٌ» - الرعد: الآية 38 - وقال سبحانه: «فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لاَ يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلاَ يَسْتَقْدِمُون» - الأعراف: الآية 34. وقال: «كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ، * وَيَبْقَي وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ* - الرحمن: الآية 26 - 27، والأصَحّ أن يُقال: البقاء لله، أو لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مُسَمَّى، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما مات ابن ابنته.