صحيفة الاتحاد

ألوان

وكيع بن الجراح.. شيخ الأئمة الكبار

أحمد مراد (القاهرة)

محدث أهل العراق وإمامها، أحد أئمة الأثر المشهورين، أستاذ كبار الأئمة أمثال الشافعي وأحمد بن حنبل، عرف بالزهد والورع والتقوى، وهبه الله تعالى نعمة الحفظ والإتقان، فاستغلها فيما ينفع دينه ودنياه، وما زال أثره وعلمه ينتفع به الناس حتى يومنا هذا.
هو وكيع بن الجراح الكوفي، ولد سنة 129 هجرية، ونشأ في بيت علم وتقوى وزعامة، فقد كان والده من كبار أعيان الكوفة وزعمائها، وكان مهتماً بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، فوجه ولده وكيعاً في سنوات صباه الأولى إلى طلب العلم وسماع حديث النبي.
تتلمذ وكيع على أيدي العديد من كبار الأئمة والعلماء، حيث سمع من الأعمش والأوزاعي وهشام بن عروة وابن جريج، ولازم سفيان الثوري فترة طويلة، وأخذ عنه علمه وسمع منه كل مروياته، حتى لقب بـ«راوي الثوري».
حرص وكيع في سنوات شبابه أن يطوف البلاد، ويتنقل بينها في سبيل طلب العلم، وخلال رحلة طويلة حول البلاد، تلقى العلم على أيدي عشرات ومئات من كبار العلماء والأئمة، وقد اجتمع عنده من أسانيد الأحاديث ورواياته المختلفة ما لم يكن لأحد من معاصريه.
اشتهر الإمام وكيع بن الجراح بالحفظ والإتقان، فقد كان لا يسمع شيئاً إلا حفظه، ولا يحفظ شيئاً قط فينساه، وأبهر الناس بقوة حفظه، حتى أن أستاذه سفيان الثوري كان يدعوه وهو غلام، فيقول: تعال، أي شيء سمعت؟، فيقول: حدثني فلان بكذا، وسفيان يبتسم، ويتعجب من حفظه، ويقول: لا يموت هذا حتى يكون له شأن، حتى إن سفيان نفسه على وعظم مكانته في الأمة قد روى عنه الحديث، وصدقت نبوءة سفيان، فلما مات سفيان الثوري سنة 166 هجرية جلس وكيع بن الجراح مكان أستاذه في مجلس العلم والدروس.
عرف الإمام وكيع بالزهد وكثرة التعبد، يكثر من الصوم ويختم القرآن في الأسبوع عدة مرات، وكان شغوفاً بقيام الليل، مواظباً على الأوراد والأذكار، لا يضيع لحظة من وقته هدراً، يقسم يومه على نفع نفسه والناس، فقد كان يجلس لأصحاب الحديث من الصباح الباكر حتى ارتفاع النهار، ثم ينصرف، فيقيل، ثم يصلي الظهر، ويقصد الطريق إلى المشرعة حيث يتجمع الناس لسقيا دوابهم، فيعلمهم القرآن والفرائض وسائر ما يحتاجونه من أمور دينهم إلى حدود العصر، ثم يرجع إلى مسجده، فيصلي العصر، ثم يجلس يدرس القرآن ويذكر الله إلى آخر النهار ثم يدخل منزله، فيتناول إفطاره، وبعد صلاة العشاء يصف قدميه لقيام الليل، ثم ينام ويقوم، وهكذا حتى وقت السحر.
عرض الخليفة العباسي هارون الرشيد منصب القضاء على وكيع عدة مرات فرفض بشدة، وكان زاهدا عن التقرب من السلطان ومجالسه مثل أستاذه الثوري، فقد هجر أقرب أصدقائه، وهو حفص بن غياث لما تولَى منصب القضاء.
قال الإمام أحمد بن حنبل عن شيخه وكيع بن الجراح: ما رأيت أحداً أوعى للعلم ولا أحفظ من وكيع، وما رأيت مثل وكيع في العلم والحفظ والإسناد والأبواب مع خشوعٍ وورع.
وقال ابن عمار: ما كان بالكوفة في زمان وكيع أفقه ولا أعلم بالحديث منه وكان جهبذا لا ينظر في كتاب قط، بل يملي من حفظه.