الاتحاد

دنيا

سعيد المحرمي: تحقيق الذات يتغلب على الحنين الجارف للوطن

سعيد المحرمي

سعيد المحرمي

الاغتراب في سن مبكرة ومفارقة الأهل والأحباب مسألة صعبة على النفس، خاصة لمن نشأ في بيئة جاذبة، وثقافة الاغتراب والهجرة لا تزال تشغل مساحة ضيقة فيها، ولكن عندما يتعلق الأمر بمستقبل الفرد ونجاحه في الحياة، وتحقيق مكانة اجتماعية مميزة، فالأمر يختلف ولابد من تقديم تضحيات، من أجل الوصول الغاية التي يسعى إليها الفرد·
ومن هؤلاء الذين خاضوا تلك التجربة، وانتقلوا إلى بلدان أخرى في رحلة هجرة غير دائمة سعى من خلالها لنيل شهاداته العلمية، كان سعيد زايد المحرمي، الذي تحدث إلى ''دنيا الاتحاد'' عن سفره إلى أستراليا من أجل استكمال دراسته هناك، وعن ذكرياته التي عاشها داخل المجتمع الأسترالي، وكذلك تقييمه لتجربة العيش في مجتمع مغاير من حيث الثقافة والعادات والتقاليد·
في البداية ذكر المحرمي، أن فكرة السفر واتته بعد حصوله على دبلوم الهندسة المدنية من كلية تقنية أبوظبي عام ،2004 وكان من المتفوقين في هذه الدفعة، وتم تكريمه مع زملائه على المستوى المحلي، وهو ما دفعه إلى أن يطلب من وزارة التعليم العالي استكمال دراسته في الخارج، وتحديداً في أستراليا، لأن نظامها التعليمي، يتفق مع النظام الموجود في كلية تقنية أبوظبي، كما أن الجامعات الأسترالية تميزت وعُرفت بين الجامعات العالمية، بارتفاع مستوى العلوم الهندسية فيها، خاصة فيما يتعلق بدراسة الهندسة المدنية·
وأضاف المحرمي، عندما علم الأهل بقراري هذا ورغبتي في السفر، ترددوا في أول الأمر، ولكن بعد إلحاح مني ومحاولات إقناعهم، نجحت في مسعاي وحصلت على مباركتهم لهذه الخطوة·
وجوه آسيوية
وحين حصلت على موافقة الوزارة أخذت في التهيؤ للسفر، بقراءة عدة كتب عن أستراليا، وعن بعض جوانب المجتمع الأسترالي وكيفية العيش والحياة هناك، في الوقت الذي كان الأهل لا ينفكون عن توجيه النصائح لي، وأهمها ضرورة التمسك بالصلوات، واحترام الآخرين، كما شددوا على أهمية تركيزي على الدراسة لأنها الغرض الرئيسي من هذه الرحلة، كما طلبوا مني التواصل مع أصدقائي وزملائي الإماراتيين والعرب الدارسين هناك، لأن ذلك من شأنه أن يخفف آلام الغربة ومصاعبها، التي بدأت أشعر بها وأنا لا أزال على أرض الإمارات، من فرط ما فكرت في المهمة الواجب على إنهائها، بالشكل الذي يرضي أهلي ويحقق ما أصبو إليه أنا شخصياً·
وجاء يوم السفر من الإمارات إلى أستراليا، وحين حطت الطائرة في سنغافورة قبيل استكمال الرحلة، تعطلت وتأخرنا يوما كاملا، آنذاك زاد إحساسي بالضيق وشعرت بعدم التفاؤل من أمر السفر برمته·
ولكن سارت الرحلة ووصلنا في اليوم التالي بفضل الله، و يحضرني هنا أنه عند وصولي لمطار ملبورن، وجدت معظم الوجوه آسيوية، وشعرت بنزولي في مطار لإحدى دول آسيا، وليس مطار أستراليا، ولكن هذا الشعور تبدد شيئاً فشيئاً عقب خروجي من المطار وبدأت التعامل مع الناس·
ثم وصلت لمنزل العائلة الأسترالية التي أقمت معها لمدة ستة أشهر وهو ما يعرف بنظام ''صديق العائلة'' وهو نظام متبع في أوروبا ينتهجه الطلبة المبتعثون من بلدانهم إلى دول أوروبا، وهو يساعدهم على الاندماج السريع مع المجتمع الجديد الذي يعيشون فيه، من حيث معرفة عاداته وتقاليده وأفكاره، والثقافة السائدة فيه، من خلال التعامل المباشر واليومي مع أفراده، فضلاً عن أن ذلك أفضل طريق وأسرع وسيل لتقوية اللغة الإنجليزية، وهي لغة التعامل والدراسة هناك·
قرار لم يُتخذ
وبعد استقراري هناك والبدء في التردد على الجامعة التي تبعد عشرة كيلومترات عن مقر إقامتي، بدأت اشعر مرة أخرى بالضيق والحزن، نظراً للصعوبة التي كنت أجدها في الوصول إلى الجامعة، نظراً لعدم معرفتي بالطرق إليها وضعف لغتي التي كانت تعجزني عن سؤال الآخرين، بالإضافة إلى أن أسلوب حياتي مع الأسرة التي كنت أقيم معها، كان جديداً بالنسبة إلي، من حيث الدقة الشديدة في مواعيد الطعام، واعتمادي على نفسي في كثير من الأمور الحياة اليومية، التي كان يقوم بها أهلي في الإمارات·
ومرة أخرى تراودني فكرة اتخاذ قرار بالتراجع عن استكمال مسيرة العلم والتحصيل في أستراليا، والعودة السريعة إلى الإمارات، ولكن اثنين من أصدقائي، وهم عبدالله العامري، ويعقوب الحمادي، قاما بزيارتي في المنزل وأخذاني في جولة في ملبورن للتعرف على معالمها، وأثناء الجولة تحدثا إلي عن ضرورة تفهم الوضع الجديد ولابد من تحمل بعض المصاعب من أجل العودة إلى الإمارات، وقد حققنا ما نريد وأن نكون عند حسن ظن الأهل والوطن بنا، وبالفعل شعرت بأريحية شديدة بعد هذا اللقاء، وبدأت رحلتي الحقيقة في مشاور الدراسة والتحقت بأحد معاهد تعليم اللغات التابعة لجامعة ملبورن وهو معهد ''هوثورن''، وأعتقد أنها كانت فترة جميلة في حياتي، حيث كان هناك متسع من الوقت للعلم والدراسة، بالإضافة للتنزه وعمل جولات سياحية في أستراليا، وأذكر أنه من أهم الأماكن التي راقتني حينها، جزيرة ''فيليب آيلاند'' وهي عبارة عن محمية طبيعية بها كم من الحيوانات الأسترالية النادرة، ومن أهمها الكانجرو، فضلاً عن الجو الساحر الذي تميزت به تلك الجزيرة، من وجود جبال ثلجية وطبيعة جغرافية نادرة·
بعد انتهائي من دراسة اللغات في معهد ''هوثورن'' لمدة ستة أشهر، قررت الالتحاق بجامعة ''بالارات'' التي تبعد عن ملبورن بحوالي 80 كيلو مترا، وجميعاً يقعن في ولاية فيكتوريا، إحدى الولايات السبع التي تتكون منها أستراليا·
مدينة الذهب
واخترت هذه الجامعة لكونها تقع بعيداً عن المدينة بصخبها وضجيجها، وهو ما يساعد على التركيز والهدوء والصفاء الذهني وكنت أول طالب إماراتي يلتحق بهذه الجامعة، وأعتقد أن قراري هذا كان صائباً بنسبة مائة في المائة، لأن ''بالارات'' في الأصل مدينة صغيرة وعدد سكانها قليلون، وهي بذلك تمثل مناخا مثاليا للحياة الهادئة، وبالتالي تحقيق النجاح سواء في الدراسة أو العمل، وتقع فيها منطقة ''سوفرين هيل'' وهي أقدم منطقة مأهولة في أستراليا تمتد فيها الحياة لأكثر من ألف وخمسمائة عام، وتضم كل مشاهد التراث الأسترالي، فضلاً وجود كميات هائلة من الذهب بها، حتى أنها كانت تسمى قديماً ''مدينة الذهب''
أما عن إقامتي هناك، فكانت مع أسرة أسترالية، وبالنسبة للقاءاتي مع زملائي وأصدقائي من الدارسين الإماراتيين، فكانت تتم في منزل زميلنا ''سعيد الطنيجي''، الذي كان أشبه بناد اجتماعي يضم أبناء الإمارات من كثرة ما كنا نجتمع فيه في المناسبات المختلفة·
ومن الأشياء الجميلة التي أذكرها عن رحلتي ووجودي في بالامارات، هو أنني كنت ألعب كرة قدم في أحد نوادي الدرجة الثانية هناك، ولم يكن قد فاز ببطولة الدوري منذ نحو 32 عاماً، ولكن بفضل الله حصل عليها في العام الذي لعبت معهم فيه، وهو ما أسعدني كثيراً وأعطاني دفعة معنوية هائلة وجعلني أتفاعل بشكل أعمق مع الشعب الأسترالي، الذي وجدت فيها عدداً من المميزات التي دفعتني إلى حب هذا البلد والشعور بالتقدير والامتنان نحوه، منها:
1- عدم وجود نزعة عنصرية لدى أفراده·
2- احترام الآخرين، واحترام حرياتهم الدينية·
3- البسمة الدائمة التي تعلو وجوه الناس هناك·
4- وجود درجة عالية من الشعور بالأمان والطمأنينة، قل أن يشعر الإنسان بها في البلدان الغربية·
ومع كل ذلك، فالأمر لا يخلو من بعض المنغصات أو السلبيات، التي تقلل من شعور الفرد بالراحة والاستقرار النفسي، أذكر منها، عدم الانتظام في الصلاة نظراً لظروف الصلاة، فضلاً عن ندرة المساجد هناك، وهو أمر طبيعي، لقلة عدد المسلمين، كما أن هناك فترات حنين جارف وشوق إلى الوطن كثيراً ما تنتاب الفرد، وهي بلا شك فترات صعبة على النفس، ولكن تحت ضغط دوافع النجاح وتحقيق الذات، يتم التغلب على هذه المشاعر، انطلاقا من أن الوصول إلى أي هدف وتحقيقه لابد له من بعض التضحيات·
وبعد تجربة الحياة في بلد أجنبي لعدة سنوات يوجه المحرمي بعض النصائح لأقرانه من الشباب الراغبين في الهجرة سواء للدراسة أو العمل يلخصها فيما يلي:
1- التمسك بالدين والقرب من الله سبحانه وتعالى لأنه خير حافظاً، وهو المعين دائماً، حيث لا أهل ولا وطن ولا أصدقاء كثر·
2- عدم تقييم الغير من أول مرة، أو تقييمهم من الانطباع الأول، لأن ذلك قد يكون تقييماً خاطئاً إلى حد كبير·
3- محاولة الاختلاط بالناس، كي نعلم عنهم أكثر، وبالتالي نستطيع فهمهم والتعامل معهم بشكل إيجابي وسليم·
4- الالتحاق بأحد الأندية الرياضية إذا ما تيسرت فرصة لذلك، لأن ذلك يساعدنا على استغلال أوقات الفراغ بشكل بناء، ويبعد الشباب عن المغريات العديدة الموجودة في المجتمع الأسترالي، أو غيره من المجتمعات الغربية

اقرأ أيضا