صحيفة الاتحاد

دنيا

العنف اللفظي.. الأكثر تأثيراً على نفسية الطفل

الإساءة اللفظية تؤذي مشاعر الطفل (من المصدر)

الإساءة اللفظية تؤذي مشاعر الطفل (من المصدر)

خورشيد حرفوش (القاهرة)

يُعد العنف اللفظي من أشد وأسوأ أنواع الإساءات التي يمكن أن يتعرض لها الطفل في حياته، لكونه يؤثر عليه معنوياً، ويسبب تكوّن النزعة العدوانية لديه ضد الغير وضد المجتمع، وتشير تقارير منظمة الصحة العالمية إلى أن الإهمال والإساءة اللفظية هي الأكثر انتشاراً بين صور الإساءة للأطفال في العالم، وتمثل أكثر من 54% من الحالات المؤكدة من العنف ضد الأطفال، مقارنة بنسبة 22% من العنف الجسدي و8% العنف الجنسي و4% من سوء المعاملة العاطفية و12% لأشكال أخرى من سوء المعاملة. كما تكشف الدراسات المعنية أن الأطفال الذين تعرضوا في صغرهم للعنف، لديهم أعراض الاكتئاب والقلق أكثر من 1.6 ضعف، من أولئك الذين لم يتعرضوا للعنف، ويتضاعف احتمال معاناتهم من اضطرابات القلق أوالمزاج أكثر في حياتهم.

تهديد وتوبيخ
يعرّف الدكتور محمود رشاد، استشاري الصحة النفسية، العنف اللفظي، وفقاً للرابطة الطبية الأميركية، والتصنيف العالمي للطب النفسي، بأنه «أي تهديد للطفل، بالكلام أو الصراخ، أوالإساءة المتعمدة، أو التجاهل، أو اللوم أو التوبيخ أو أي نوع من الكلام الذي يسبب ألماً نفسياً للطفل».
ويلفت إلى أن كثيراً من الآباء والأمهات يمارسون عنفاً لفظياً على أطفالهم دون وعي أو إدراك بعواقبه أو تداعياته السلبية على الأمد القصير أو البعيد، ويصعب تحديد العنف اللفظي الذي يمكن أن يوجه للطفل على وجه الدقة، لعدم وجود علامات ظاهرة أو واضحة للعيان مثل علامات أو كدمات أو أي من الأشكال الأخرى التي يحدثها العنف البدني مثلاً، كما يثار الجدل كثيراً حول التعريف الدقيق للعنف اللفظي الموجه للطفل، فإنه يخضع لعوامل عديدة، منها ثقافة المجتمع، وثقافة الأسرة ودرجة تعليم الوالدين، ونمط التربية السائد، وغير ذلك من المتغيرات.

ردات فعل عكسية
ويشير إلى أن العنف اللفظي له آثار نفسية وعاطفية، وأنه الأصعب والأكثر إيلاماً على نفسية الطفل، مقارنة بالعنف البدني الذي قد يزول بمرور الوقت، وهذا العنف اللفظي قد يتضمن الشتم والسخرية والإهانة والاستهزاء والهدم للانتماءات الشخصية، والتعذيب أو قتل لحيوان أليف يخص الطفل أو الإفراط في الانتقاد والمطالب المفرطة وغير الملائمة والمنع عن الاتصال مع الآخرين أو الإذلال أوالنبذ الدائم، أو حتى تحطيم أو تكسير للعب ودمى الطفل التي تستحوذ مساحة كبيرة من اهتماماته وولعه، كما أن رد فعل ضحايا العنف العاطفي قد يكون بالنأي بأنفسهم عن المسيء إما بتحمل الكلمات المسيئة أو مقاومة المسيء بالتطاول عليه.. فالعنف العاطفي قد يؤدي إلى تعطيل التطور السليم للعلاقات والميل لدى الضحايا لإلقاء اللوم على أنفسهم «اللوم الذاتي» على سوء المعاملة واكتساب العجز والسلوك السلبي المفرط. كما أن معظم الأطفال الذين يتعرضون لأعمال العنف، يسبب لهم عقداً نفسية، ما يخلق لديهم ردات فعل عكسية، ومولداً في أنفسهم ميلاً إلى ارتكاب الجرائم عندما يكبرون.

انعكاسات
ويلفت إلى أن دراسات متخصصة عديدة أثبتت أن الذين يعنفون أولادهم تم تعنيفهم في صغرهم، فالعنف اللفظي سلسلة متكاملة، وكيفما يربى الطفل سيربي أطفاله أيضاً، وجميع ردود الأفعال المستقبلية من تعامل ونحوه، تنعكس على طريقة تعامله مع الناس بنوع من أنواع الانعكاسات التي تمت في الصغر، فالطفل الذي عاش طفولته في إهانة وفشل، سوف يقتص منها بالثأر على المدى البعيد، تعويضاً لما تعرّض له من تراكمات، وتنفيساً للضغوط الموجودة في داخله، وسيصبح حاقداً لا يحب الخير لأحد، لشعوره بالنقص، واللجوء للانتقام بأي وسيلة، خصوصاً من الذي يعده أضعف منه، فالطفل لا يستوعب معاني الكلمات التي تقال له إلا بعد سن الخامسة، وعندما يعنف أو يوبخ سيعاني من الإحباط وإن استمر سيصاب بالاكتئاب وكراهية الآخرين، وتتدهور حالته النفسية حتى يثبت لنفسه وللآخرين أن أهله وذويه هم الفاشلون لأنهم هم المسؤولون عن تربيته وتعليمه. وذلك لأن الطفل لاشعورياً يقلب العنف ضد أهله بطريقة سلبية، وفي سن المراهقة يزداد الأمر سوءاً، لكونه سيلجأ إلى الانتقام بحيل وسلوكيات سلبية عديدة، ويجنح إلى التمرد والمعارضة والاحتجاج، ويعمل كل ما هو مخالف لرأي أهله لمجرد الانتقام منهم.

أعراض فصامية
تؤكد الدراسات التربوية أن 80% من الرضع الذين يتعرضون للإساءة وسوء المعاملة، واضطراب ما بعد الصدمة، والأعراض الفصامية، ومشاكل أخرى من الاعتداء على الأطفال، أنهم قد يواجهون صعوبة عند مواجهة أطفالهم الرضع واحتياجات الأطفال الصغار عندما يصبحون أولياء أمور، والتي قد تؤدي بدورها إلى عواقب سلبية على التنمية الاجتماعية والعاطفية لأبنائهم، وعلى الرغم من هذه الصعوبات المحتملة، فإن التدخل النفسي يمكن أن يكون فعالاً، على الأقل في بعض الحالات، في تغيير طرق تفكير الآباء السيئة تجاه أطفالهم الصغار.