هالة الخياط ووام (أبوظبي) كرم صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة أمس الفائزين بـ «جائزة محمد بن زايد للصحة العالمية لتكريم أبطال الصحة المتميزين» - جائزة «ريتش» - في دورتها الأولى. وتمنح هذه الجائزة العالمية للأفراد الذين قدموا إسهامات بارزة وبذلوا جهوداً استثنائية في القضاء على الأمراض المعدية. وجاء إطلاق هذه الجائزة، على هامش منتدى الصحة العالمي الذي بدأ أمس في أبوظبي تحت عنوان «بلوغ آخر ميل.. العمل معاً من أجل القضاء على الأمراض المعدية»، حيث تهدف الجائزة في دورتها الأولى إلى تكريم الأفراد الذين لعبوا دوراً فعالاً في الجهود الرامية للقضاء على مرض دودة غينيا، وهو مرض طفيلي مقعد يتسبب للمصابين به بمعاناة جسدية وألم مبرح يستمر لفترات طويلة. يذكر أن القيادة الحكيمة لدولة الإمارات دأبت على دعم الجهود الرامية للقضاء على هذا المرض منذ ثلاثين عاماً، وبفضل تضافر الجهود العالمية انخفض معدل الإصابة بدودة غينيا من ذروة انتشاره التي بلغت نحو 3,5 مليون إصابة في 21 بلداً في أفريقيا وآسيا عام 1986 إلى نحو 25 حالة فقط حتى اليوم من عام 2017. حضر التكريم فخامة الرئيس إدريس ديبي رئيس جمهورية تشاد، وفخامة إبراهيم بوبكر كايتا رئيس جمهورية مالي، وسمو الشيخ هزاع بن زايد آل نهيان نائب رئيس المجلس التنفيذي لإمارة أبوظبي، وجيم يونغ كيم رئيس مجموعة البنك الدولي، والدكتور تيدروس أدهانوم غبريسوس مدير عام منظمة الصحة العالمية، وبيل غيتس الرئيس المشارك في «مؤسسة بيل ومليندا غيتس»، والفريق سمو الشيخ سيف بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية، وسمو الشيخ حامد بن زايد آل نهيان رئيس ديوان ولي عهد أبوظبي، وسمو الشيخ خالد بن زايد آل نهيان رئيس مجلس إدارة مؤسسة زايد العليا للرعاية الإنسانية وذوي الاحتياجات الخاصة، ومعالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التسامح، ومعالي الشيخ سلطان بن طحنون آل نهيان عضو المجلس التنفيذي، ومعالي عبدالرحمن بن محمد العويس وزير الصحة ووقاية المجتمع وزير الدولة لشؤون المجلس الوطني، ومعالي ريم بنت إبراهيم الهاشمي وزيرة دولة لشؤون التعاون الدولي، والدكتورة مها تيسير بركات، وعدد من وزراء الصحة في الدول العربية والأجنبية. وأعرب صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان عن سعادته بالتفاعل الكبير الذي لمسه على مستوى الدول والمنظمات والأفراد خلال إقامة منتدى الصحة العالمي في أبوظبي.. وقال سموه: «رسالتنا أننا متحدون لجعل الأمراض المعدية من الماضي». وأضاف صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان: إن هناك الكثيرين حول العالم ممن يدفعهم وازعهم الإنساني وضميرهم النابض بالعطاء إلى تضميد جراح الناس.. هؤلاء يستحقون منا الاحترام والتقدير والتكريم»، مشيراً سموه إلى أن الإمارات بقيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، في طليعة دول العالم التي تبادر لنجدة ومساعدة المحتاجين صحياً وتعليمياً ومعيشياً.. «هذا نهجنا الثابت والممتد.. ويجعلنا أكثر سعادة بإسعاد غيرنا». وأكد سموه أن للعطاء الإنساني أشكالاً وأنواعاً متعددة... والعطاء في المجال الصحي من أجملها.. وتأثيره يفوق التوقعات كونه ينتشل كيانات إنسانية من براثن الأمراض التي تفتك بصحتها..وقال سموه:«هناك نماذج ملهمة لامست عطاءاتها الإنسانية صميم حياة الناس وتركت مبادراتها بصمات واضحة في صحة البشرية... من أبرزهم صديقي بيل غيتس.. كل التقدير والعرفان لجهوده الخيرية.. ويستحق من الإمارات وسام الاتحاد.. اشكره على انضمامه إلى صندوق بلوغ آخر ميل للقضاء على مرض العمى النهري ومرض داء الفيل.. معاً يمكننا إنقاذ العالم من آفة الأمراض التي يمكن الوقاية منها». تشتمل دورة العام 2017 من جوائز «تكريم أبطال الصحة المتميزين» على أربع فئات، وهي فئة «جائزة الإنجاز مدى الحياة»، وتمنح لأحد الأبطال الذين يمتلكون تاريخاً طويلاً من الجهود والمساهمات الفعالة في استئصال مرض دودة غينيا، والتي أحدثت تأثيراً عالمياً ملموساً، ومنحت هذا العام للرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر، مؤسس مركز كارتر، فبعد اعتزاله عالم السياسة، كرّس الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر جلّ وقته وحياته لتعزيز أواصر السلام، ومكافحة الأمراض الاستوائية والمداريّة في شتّى أنحاء العالم. ولم يكن كارتر قائداً اسمياً في هذه الحملة، حيث قام بإجراء العديد من الرحلات والجولات الميدانية إلى القرى والبلدات الموبوءة كي يشارك شخصياً وبشكل مباشر في جهود مكافحة المرض. وعندما سُئل عن اللحظة التي لا تنسى أثناء مساهمته في القضاء على مرض دودة غينيا خلال العقود الثلاثة الماضية، استرجع كارتر ذكريات تجربته في إحدى القرى النيجيرية خلال أوائل الألفية الثانية، وقال كارتر في هذا السياق: «عندما توجهت إلى إحدى القرى، كان هناك بعض أطفال المدارس الذين يحملون لافتات كبيرة كُتب على إحداها «احترسي يا دودة غينيا... لقد جاء جيمي كارتر!»... لقد كانت تلك أجمل لافتة رأيتها في حياتي، ولحظة مؤثرة ومرضية جداً في حياتي. وأضاف كارتر: «تنطوي كل حالة إصابة بمرض دودة غينيا على أهمية متزايدة اليوم، وخصوصاً مع اقترابنا من القضاء نهائياً على هذا الوباء الرهيب. ونحن في «مركز كارتر» مع شركائنا عازمون على المضي في القضاء على الوباء وتخليص الأجيال القادمة منه». وتشير التقديرات إلى أن «برنامج استئصال دودة غينيا» نجح في منع 80 مليون حالة على الأقل من الإصابة بهذا المرض بين أوساط أشد الناس فقراً وحرماناً في العالم». كما تم منح جائزة الإنجاز المتميز لعبدالله خليفة الغفلي، مدير المشروع الإماراتي لمساعدة باكستان، حيث تميز بعمله بالإشراف على تنفيذ حملة الإمارات للتطعيم ضد شلل الأطفال، حيث يتم تطعيم ملايين من الأطفال في باكستان، وهي من الدول الثلاث التي لا يزال فيها المرض متوطناً. ويعزى نجاح حملة الإمارات للتطعيم ضد شلل الأطفال لحد كبير إلى الأسس المنهجية الجديدة التي اعتمدها الغفلي في إقامة الشراكات بين جميع مكونات الحملة من مرحلة التخطيط، وحتى مرحلة الإنجاز الميداني، بالإضافة إلى الجهد الكبير الذي بذله في تطوير نظام وآلية المراقبة والتقييم الخاصة بحملة الإمارات للتطعيم ضد شلل الأطفال. وعن حصوله على الجائزة، قال الغفلي في مؤتمر صحفي، إن الجائزة تمثل تشريفاً ومسؤولية في المستقبل، ودافعاً لمزيد من تقديم الخدمة لدولة الإمارات وقيادتها الرشيدة والعمل الإنساني والتنموي. وأهدى الجائزة والإنجار إلى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، حفظه الله، وسمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير شؤون الرئاسة،، كما أهداها لشهداء العمل الإنساني من دولة الإمارات، والمواطنين العاملين كافة في الخارج في مجال العمل الإنساني. والفئة الثانية كانت «جائزة الشجاعة»، ومنحت للدكتور نبيل عزيز عوض الله المنسق السابق للبرنامج الوطني في السودان، لتقديمه مبادرات خلّاقة دفعت عجلة التقدم في مكافحة مرض دودة غينيا، على الرغم من التحديات المختلفة التي واجهتهم. واشتهر عوض الله خلال فترة عمله، بجولاته في شتّى أنحاء السودان. وفي عام 1995، ساهم عوض الله في عقد مؤتمر وطني دعا إليه كلاً من الرئيس السوداني عمر البشير، والرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر. وهو ما ساعد على توسيع نطاق «برنامج استئصال دودة غينيا في السودان» ليشمل مناطق أخرى كان يتعذر الوصول إليها بسبب ظروف الحرب الأهلية في جنوب السودان. ومنحت «جائزة آخر ميل» لأحد الأفراد الذين ساهمت جهودهم بشكل مباشر في القضاء على مرض دودة غينيا في أي من الدول. وكانت هذه الجائزة من نصيب الدكتور أدامو كينا سالاو، مدير برامج الصحة المتكاملة في ولايتي إيمو وأبيافي نيجيريا، حيث كان في طليعة المشاركين في «برنامج استئصال دودة غينيا في نيجيريا» على مدى أكثر من 10 سنوات، وذلك حتى تم القضاء نهائياً على المرض في البلاد عام 2008. وارتكز نجاح الدكتور سالاو على حقيقة أنه المستشار الوحيد الذي قام بتأسيس مراكز احتواء متنقلة لحالات الإصابة ضمن المناطق الموبوءة، ما أتاح الكشف عن مرض دودة غينيا ومعالجته ومنعه من الانتشار. وفي عام 2008، تم إيفاد سالاو إلى جنوب شرق نيجيريا للسيطرة على تفشي مرض دودة غينيا هناك، حيث أشرف على جهودٍ قيّمة ساهمت بوضع حدٍ للمرض في نيجيريا. كما كان سالاو جزءاً من الفريق الذي انتزع آخر دودة في نيجيريا من مريض مصاب، وتم حفظ هذه الدودة في إناء زجاجي عُرض في «المتحف الأميركي للتاريخ الطبيعي» بمدينة نيويورك، ضمن إطار معرض «العد التنازلي حتى الصفر: القضاء على الأمراض التي تهدد البشرية». وكانت الجائزة الرابعة وهي «جائزة الجندي المجهول» قد منحت لشخصين عاملين في الخطوط الأمامية بمجال الصحة، والذين استهلوا عملهم كمتطوعين ونجحوا في تحفيز مجتمعاتهم، وتقديم إسهامات كبيرة للقضاء على مرض دودة غينيا في دولهم. وكانت الجائزة من نصيب ريجاينا لوتوباي لوماري لوتشيلانجولي الناشطة في مجال حشد الجهود الاجتماعية لمواجهة مرض دودة غينيا في بلدها جنوب السودان. ويُنسب إليها الفضل في تأليف أغنيات ورقصات فريدة تهدف إلى تثقيف وتوعية أبناء مجتمعها حول أعراض وباء دودة غينيا وسبل الوقاية منه. وأثمر نهج لوتشيلانجولي عن نتائج فعّالة للغاية، وتقوم لوتشيلانجولي بجولات في مناطق مختلفة من البلاد لتدريب متطوعين آخرين كي يصبحوا خبراء في تعزيز جهود المجتمع لمكافحة وباء دودة غينيا. وينبع تفاني لوتشيلانجولي في هذا الإطار من تجربتها الشخصية المؤلمة مع هذا المرض، حيث كان يعاني جسدها وجود 10 ديدان على الأقل، وهذه الذكرى المريرة جعلتها أكثر إصراراً وحماسة على المساهمة بالقضاء على الوباء. وعن جهود لوتشيلا، قال ماكوي صموئيل ييبي، مدير برنامج مكافحة الأمراض المدارية والاستوائية المهملة بوزارة الصحة في جنوب السودان: «لم ألتق بامرأة حكيمة وشجاعة، مثل ريجاينا طوال 11 عاماً من العمل في منطقة توبوسا. إذ تتمتع ريجاينا بالدافع والحماس والشجاعة التي لم أرها في كثير من المتطوعين أو المشرفين الميدانيين، ولذلك أعتقد أنها شخصية قيادية قوية ولها تأثير إيجابي كبير على مجتمعها». وكان الشخص الثاني الذي حصل على «جائزة الجندي المجهول» دانيال مادوت ويعمل خبيراً صحياً في الخطوط الأمامية، وانضم مادوت ببداية الأمر إلى صفوف متطوّعي القرى في عام 1998، ثم نجح بتطوير مسيرته ليصبح كبير موظفي «برنامج استئصال دودة غينيا». وعلى مدى الأعوام العشرة الماضية، ساهم مادوت في تعزيز وصول هذا البرنامج إلى أجزاء مختلفة من البلاد لمنع تفشي الأمراض وتعزيز مستويات مراقبتها. وعندما قامت المنظمات الدولية بإجلاء الموظفين الأجانب خلال فترات الاضطراب السياسي وانعدام الأمن، رفض مادوت المغادرة، وأصر على مواصلة عمله بكل شجاعة ودون أي يخاف أو يتأثر بالمخاطر المحدقة به. ولطالما أكد مادوت- الذي يغطي حالياً واحدة من المناطق الوحيدة الموبوءة بمرض دودة غينيا في جنوب السودان- إن التزامه الأخلاقي بدعم جهود القضاء على المرض ينبع من رغبة شخصية في أن يرى مواطني بلده، وهم يصنعون المستحيل في سبيل إحداث التغيير الإيجابي المنشود.