الاتحاد

رمضان

العراك الرئاسي باسم الحراك السياسي


القاهرة- محمد عزالعرب:
معظم الذين اشعلوا الفتنة الكبرى في آخر خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه حركتهم الكراهية ولم يحركهم الحب وظلت هذه الكراهية تحركهم حتى كانت المواجهة بين الخليفة الراشد الرابع علي بن ابي طالب كرم الله وجهه والخليفة الاموي الاول معاوية بن ابي سفيان وارتفع ايامها الشعار المقيت الذي صار مثلا سائرا وهو ليس حبا لعلي وانما كراهية لمعاوية او العكس بمعنى ان الدافع لاشعال الفتنة او المشاركة في اشعالها ليس حب طرف ما وانما هو كراهية هذا الطرف او ذاك والكراهية في كل الاحوال معنية بالاقتلاع لا بالغرس وبالهدم لا بالبناء وبالموت لا بالميلاد تماما مثل حركة 'كفاية' التي قامت على الكراهية لا على الحب، والكاره يعنيه فقط ان يذهب من يكرهه ولا يعنيه البديل وحركة 'كفاية' تريد ذهاب الحاكم فقط لكن ليس لديها برنامج للبدائل او الخيارات وهذا شأن اي تيار تحركه الكراهية مثل التيار الذي اشعل الفتنة الكبرى بلا برنامج ولا بدائل ولا خيارات ولا فكر سياسي فجاء البديل اسوأ ما يمكن تصوره·
والمسألة في تلك الفوضى السياسية التي تهب رياحها الان في مصر لا تخص حركة 'كفاية' وحدها فالتيار الذي يهتف للحكومة والسلطة القائمة تحركه ايضا الكراهية للمعارضة والكراهية للتغيير والاصلاح وتيار الاخوان المسلمين تدفعه الكراهية للنظام اي نظام لا يضم رموز الاخوان الى السلطة بدليل أنهم كانوا ضد الملك وضد جمهورية عبدالناصر وضد جمهورية السادات وهم الان ضد جمهورية حسني مبارك واحزاب المعارضة التي توصف بالشرعية هي وحدها التي يحركها الحب لكنه حب السلطة التي تحلم بالوصول اليها وتساوم عليها في الحوار الدائر بينها وبين الحزب الوطني الديمقراطي الحاكم·ويبدو ان السياسة في هذا العصر صارت من اكبر ملوثات البيئة لانها تشترط على من يعمل بها في اي حكومة واي معارضة في العالم الا يكون نظيفا فاذا كان نظيفا لفظته وهمشته وألقت به خارج الحلبة واذا كان ملوثا نجمته ورفعته واجلسته على قمتها·
واذا كانت لهجة السياسة في الدول الغربية لها قواعد حتى ولو كانت قواعد قذرة فان اللعبة السياسية هنا تبدو بلا قواعد وهذا هو الاخطر في الامر فالقواعد حتى اذا كانت قذرة فهي معروفة سلفا وواضحة ويلعب اللاعب على اساسها وبشروطها اما السياسة القذرة بلا قواعد فانها فوضى عارمة واحتمالات مخيفة ونتائج كارثية·
وما يحدث الان هو تطبيق امين للمثل الشعبي السائر: 'لو بيت ابوك وقع خد لك منه قالب' فكل اللاعبين الآن في ساحة الفوضى يتنافسون على طوبة من انقاض بيت ابيهم الذي تجمعوا لهدمه·
والمعركة الاخيرة بين مفتي مصر الدكتور علي جمعة وجماعة الاخوان المسلمين احد مجالات تطبيق المثل العامي فالمفتي بلا مناسبة وبلا روية وفي توقيت غير مناسب قال في اجتماع عام بطلاب جامعة الازهر ان الانضمام لجماعة الاخوان بدعة لانها جماعة تبغي الوصول الى كرسي الحكم باسم الدين وعلى العلماء والدعاة مواجهتها والتصدي لها·
وألقى المفتي مزيدا من البنزين على النار سواء بقصد او بعفوية عندما قال ان تطبيق الشريعة الاسلامية بحدودها غير ملائم لهذا العصر المليء بالشبهات وعلينا تنحية الحدود الشرعية وليس إبطالها·
ولا أحد يدري دوافع المفتي من وراء آرائه التي خانها التوقيت المناسب حتى اذا كانت صحيحة فالرجل اراد او لم يرد اضاف بعدا جديدا للفوضى السياسية الجارية الان في مصر ولم يهدر الاخوان الفرصة التي اتاحها لهم المفتي ولعبوا برأيه لعبة سياسية ومارسوا كعادتهم الصيد في الماء الذي اصبح كله عكرا هذه الايام·
فقد انبرى الدكتور محمد حبيب النائب الاول لمرشد الاخوان محمد مهدي عاكف لمعارضة المفتي وقال ان آراءه تمثل انتكاسة للمكاسب التي حققها الشعب المصري ونضاله في طريق الاصلاح وبالطبع لا يوجد معنى لهذا الكلام الكبير من جانب حبيب الذي جاء حديثه اشبه بالبيان العسكري واستخدم تعبيرات سياسية لا تنطبق على كلام المفتي مثل انتكاسة ومكاسب الشعب والنضال في طريق الاصلاح وكان المقصود من جانب الاخوان تحويل مسار كل قضية ولو فقهية الى وجهة سياسية هي شغلهم الشاغل الان·
المولد والحمص
وقال الدكتور حبيب ان تصريحات المفتي تتجاهل عن عمد الفساد والخراب اللذين يجب على العلماء مواجهتهما· واتهم المفتي بأنه يريد ان يقفز على اكتاف الاخوان· وقال: لكننا لن ننزلق وندخل ضده حرب شوارع لان معركتنا الان مع السلطة من اجل الاصلاح السياسي·
تصريحات حبيب النارية تبرز ان الاخوان قرروا الا يخرجوا من المولد بلا حمص وانهم سيواصلون اللعبة السياسية مع باقي الاطراف حتى النهاية التي لا نعرف ان كانت نهاية سعيدة ام مأساوية ولا احد من الفرقاء يعنيه نوع النهاية لان مخرج سيناريو الفوضى ليس منهم وهم فقط يؤدون ادوارهم المكتوبة في السيناريو والمخرج الذي يقف خلف الكاميرا هو الذي سيضع النهاية على مزاجه ليقول الجميع حتى اذا لم تعجبهم النهاية ان المخرج عايز كده·
وكان الدكتور عصام العريان عضو مكتب الارشاد اكثر وضوحا من الدكتور محمد حبيب عندما قال ان تصريحات المفتي تعتبر خارج النص وبعيدة عن السياق الحالي للاحداث مؤكدا ان الرغبة في الوصول الى السلطة والحكم ليست عيبا او خروجا على الدستور·
وسارع مجمع البحوث الاسلامية الى محاولة اطفاء النار التي أشعلها المفتي وتفويت الفرصة على الاخوان وقال الدكتور رأفت عثمان رئيس اللجنة الفقهية بالمجمع ان كلام المفتي حول تأجيل تطبيق الشريعة الاسلامية لاختلاف العصر كلام مغلوط ولا ينبغي ان تعطل الشبهات في هذا العصر تطبيق الحدود لان الاصل ان يسعى المسلمون الى درء الشبهات وليس الاستسلام لها·ولا ندري اين كان هذا الكم الهائل من النضالات والبطولات والمد الكاسح قبل ان يطرح الرئيس حسني مبارك طلبه بتعديل الدستور في مادته السادسة والسبعين ليكون اختيار رئيس الجمهورية بالانتخاب المباشر بين اكثر من مرشح بدلا من الاستفتاء·
هل تبين للجميع بشكل مفاجئ ان مصر قبل تاريخ السادس والعشرين من فبراير الماضي كانت غارقة في الفساد السياسي وان الوقت قد حان الان فقط لابرام كل الصفقات المؤجلة دفعة واحدة؟ وان الذي ظل عريانا على مدى نصف قرن ذهب ليشتكي الخياط على يوم تأخير في انجاز جلبابه الوحيد؟
وما سر هذه الهوجة التي جعلت كل قيس يبكي على ليلاه او يغني لها؟ ولماذا حمى الاجتماعات والندوات التي اقتصرت على نهش لحم الوطن دون ان تقدم حلا؟
ففي لقطة اخرى من الفيلم السياسي الذي لم يضع له المخرج نهاية بعد يظهر عدد من القضاة في لقاء او ندوة ليعلنوا انهم يرفضون استخدامهم سياسيا في اشراف صوري على الانتخابات·
ويقول المستشار يحيى اسماعيل -رئيس اللجنة القضائية المشرفة على انتخابات برلمان عام 2000 -ان الاشراف القضائي الكامل على الانتخابات لا يتحقق الا بأن تكون كل العملية ابتداء من تسجيل الناخبين حتى فرز الاصوات تحت اشراف القضاء دون تدخل من وزارة الداخلية ولابد من تشكيل لجنة عليا من كبار رجال القضاء تتولى الاشراف على العملية الانتخابية بأكملها·
وقال ان هناك التفافا من جانب الحكومة على حكم المحكمة الدستورية العليا بضرورة الاشراف القضائي الكامل على الانتخابات ليتحول الامر الى مجرد اشراف وزارة العدل فقط وهي ضمن السلطة التنفيذية لا القضائية·
وأوضح المستشار عاصم عبدالجبار -نائب رئيس محكمة النقض- ان الواقع العملي يؤكد ان مراقبة القضاة للعملية الانتخابية صورية لان سلطة القاضي لا تتجاوز غرفة الادلاء بالاصوات بينما تتم كل التجاوزات بعيدا عن عينيه ولن يكون الاشراف القضائي كاملا الا اذا شمل جميع مراحل العملية الانتخابية من فحص طلبات المرشحين حتى فرز الاصوات·
وقال الدكتور ابراهيم درويش -استاذ القانون الدستوري- ان العدوان مستمر على القضاء من خلال قانون السلطة القضائية فهناك عشرون مادة او اكثر في القانون لصالح وزير العدل وتجعله يدير وحده شؤون القضاء وليس القضاة·وهكذا وفي ظل ما يسمى لدى البعض الحراك السياسي الذي تحول الى عراك رئاسي سياسي وغير سياسي يسعى الجميع الى استثمار المناخ لابرام صفقات والخروج بغنائم كافية من المعركة فالقضاة يريدون تعديل قانون السلطة القضائية لصالحهم وعقدوا لذلك مؤتمرا عاصفا والصحفيون يريدون الغاء عقوبة الحبس في جرائم النشر والاحزاب تريد تمثيلا كبيرا في السلطة والبرلمان ولو بلا انتخابات اي تريد توزيع المناصب والمقاعد عليها او توصيل السلطة للمنازل والمرأة تريد حقوقا بلا نهاية وتريد مقاعد بالبرلمان لا تحصى ولا تعد وايضا بطريقة توصيل المقاعد الى المنازل والاخوان المسلمون يريدون السلطة كحق مشروع ويرون ان هذا هو الوقت المناسب للقفز عليها ولو كانت الغاية تبرر الوسيلة والحزب الوطني الحاكم على لسان امينه العام صفوت الشريف يؤكد التمسك بحسني مبارك رئيسا للحزب ومرشحا لرئاسة الجمهورية لان الحزب يريد ان يحتمي بانجازات مبارك وقيادته التاريخية من امواج تسونامي السياسي التي لا يستطيع مواجهتها بغير قيادة مبارك·
الباحثون عن دور
والباحثون عن دور حتى ولو لم يكونوا ضمن اي طيف سياسي ينشطون بقوة في هذه المرحلة ولا يكاد يخلو يوم من ندوة او اجتماع او مؤتمر يحمل لافتة الاصلاح السياسي فهي فرصة لا ينبغي ان يفوتها احد لعله يحصل على 'قالب' من بيت ابيه اذا انهار·
وفي احدى الندوات ركز المتحدثون على التشخيص - اي انهم تحولوا الى مجرد مشخصاتية للداء ولم يقل احد منهم ما لا يعرفه احد لكن سواء كان ما يقال معروفا او غير معروف فانه لابد من القول ولابد من التوقيع بالحضور في هذا الحراك او العراك السياسي·
ويقول بهي الدين حسن -مدير مركز القاهرة لدراسات حقوق الانسان- ان الحياة السياسية في مصر ميتة منذ نصف قرن ولم تسمح بظهور شخصية قومية يمكن ان تنافس رئيس الدولة كما ان الفترة الممتدة من تاريخ اقرار تعديل المادة السادسة والسبعين من الدستور وحتى موعد الانتخابات الرئاسية في اكتوبر لا تكفي اي مرشح لطرح برنامجه الانتخابي في جميع المحافظات·
وقال احمد حسن -امين الحزب العربي الناصري- ان تعديل المادة السادسة والسبعين خطوة مهمة بشرط تعديل مواد اخرى والغاء القوانين المقيدة للحريات وتشكيل لجنة عليا محايدة للاشراف على الانتخابات الرئاسية·
واكد جورج اسحق -منسق حركة كفاية- ان الكل خائف من التعديل الشامل للدستور فالناصريون يخشون ضياع المكاسب الاشتراكية والاخوان يخشون تعديل النص الخاص بالشريعة والاقباط يخشون تهميشهم بعد اطلاق حرية الانتخابات·· وقال انه لا يمكن اجراء انتخابات معبرة عن ارادة الشعب مع بقاء الدمج بين الحزب الحاكم واجهزة الدولة·
وقال نبيل عبدالفتاح -الخبير بمركز دراسات الاهرام- ان المقصود بتوريث السلطة الذي نخشاه ليس اجراءات الوصول الى مقعد الرئاسة ولكنه يتعلق بتوريث المكان داخل الاسرة· واكد انه ضد التعديل السياسي والدستوري بالقطعة ولابد من حراك سياسي يفرز احزابا جديدة وقيادات بديلة·وهكذا فجأة وبلا مقدمات يريد الجميع الضغط على زر ليتغير في لحظة وجه الحياة السياسية ومع ذلك لا يملك أحد اجندة هذا التغيير بمعنى انه لا يمتلك البدائل والتصميم والرسم الهندسي الملائم لمبنى بيت ابيه الجديد عندما ينهار· الكل يطالب بحقوق خاصة لكل فئة وعندما يتكلم عن قضايا عامة يردد عبارات مبهمة غامضة فهو يعرف بالضبط ماذا تريد الفئة التي ينتمي اليها لكنه لا يعرف على وجه الدقة ماذا يريد الوطن فالمفكر ورجل السياسة ورجل القانون ورجل الاعلام يلتقون في هذه النقطة مع العربجي والزبال وطالب الاعدادية والعجوز الجالس على المقهى -مجرد كلام عن عموميات بلا تحديد نريد حرية وديمقراطية واطلاق حرية تشكيل الاحزاب بلا حدود وحرية الصحافة بلا قيود والغاء القوانين المقيدة للحريات انه كلام يشبه هتافات المظاهرات التي كانت تردد قديما الاستقلال التام او الموت الزؤام والعيشة بقت مرة عايزين حكومة حرة·· مجرد كلام مسجوع تحكمه القافية لكنه لا يحمل اي برنامج او مضمون او اجندة فما اسهل وايسر ان نطلب والمطالب لا تحتاج الى مؤهلات علمية وثقافية لكن ما اصعب ان يكون لدينا تصور شامل وهادئ ومخلص لكيفية تحقيق المطالب او المتاح منها لكن يبدو ان قدر كل فرد في العالم الثالث ان يريد وخصمه ايضا يريد وفي النهاية هناك مخرج يدير العراك السياسي ويفعل ما يريد·

اقرأ أيضا