صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

من هو فرعون موسى؟

 رمسيس الثاني داخل معبده بمدينة أبوسمبل التاريخية في جنوب أسوان (أرشيفية)

رمسيس الثاني داخل معبده بمدينة أبوسمبل التاريخية في جنوب أسوان (أرشيفية)

إميل أمين

مرة جديدة ينفجر الصراع التاريخي الديني الهويّاتي - إن جاز التعبير - حول فرعون الخروج، ذاك الذي طارد نبي الله موسى في البحر الأحمر وهلك هو وجنوده بحسب الروايتين التوراتية والقرآنية، وهو جدل فكري لم ينقطع طوال قرون، فلا تزال الإنسانية شغوفة بمعرفة هوية هذا الرجل، وهل كان مصرياً أم من جنسية أخرى؟
على أن السؤال: «لماذا (الآن) انفلت هذا الجدل من عقاله مرة جديدة؟
الشهر الماضي أجابت دائرة الإفتاء المصرية عن سؤال حول هذا الموضوع بالقول: «أرجح الأقوال عند المفسرين وعلماء التاريخ هو أن الفرعون الذي عاصر موسى عليه السلام هو رمسيس الثاني».
لكن دار الإفتاء أضافت: «هناك رأي آخر يرى أن نبي الله موسى عاصر اثنين من الفراعنة لا سيما أن هناك رأياً للشيخ رشيد رضا يرجح أن فرعون موسى هو منفتاح».
وفي كل الأحوال يجب التذكير بأن لفظة الفرعون عند المصريين القدماء لا تعني شخصاً بعينه، وإنما هو لقب كان يطلق على حكام مصر، مثل القيصر في الإمبراطورية الرومانية أو كسرى عند الفرس.

فرعون أم فرعونان؟
جرى خروج بني إسرائيل من مصر بحسب المؤرخين في عصر (الأسرة الثامنة عشرة)، والبعض يرجح أن الخروج جرى في عصر (الأسرة التاسعة عشرة)، وعليه يكون السؤال: هل عاصر موسى النبي فرعوناً واحد أم أكثر من فرعون؟
التوراة تحدثت عن فرعون الميلاد المختلف عن فرعون الخروج، بينما يتحدث القرآن عن فرعون دون تحديد شخص بعينه، غير أن هناك بعض الأشخاص تكاد تتطابق من حولهما الروايتان القرآنية والتوراتية، مثل: هامان الوزير الأول والأكبر والأقرب من شخص فرعون، وهناك امرأة فرعون ويرجح بعض الكتاب المتخصصين في علم المصريات أن اسمها كان «موت نجمت»، وهناك مؤمن آل فرعون، وهو ذلك الرجل الذي وقف أمام فرعون مدافعاً عن موسى، عندما دعا فرعون إلى عبادة الله، غير أن شخص فرعون الذي شغل الباحثين لا يزال بعيداً عن التحديد، ولعل هذا من أعظم أسرار الحضارة الفرعونية القديمة - والحديث هنا للدكتور زاهي حواس الآثاري المصري، وعنده أن المفسرين للقرآن الكريم قد نأوا عن ذكر الأسماء صوناً لكرامة الإنسان وخصوصيته، فلم يذكر اسم عزيز مصر الذي اشترى يوسف ورباه في منزله ولا اسم زوجته، ولعل السبب، أيضاً، هو إعطاء العقل البشري مساحة من التفكير لتعقل الرواية القرآنية بدلاً من تحديدها في نطاق أشخاص بأسمائهم، والبعد عن المعنى الشمولي للرواية، وجعلها قصة دارت أحداثها بين أشخاص بعينهم.

هل هو رمسيس الثاني؟
في مقابل القول بأن موسى عاصر فرعونين يقودنا البروفيسور حواس إلى احتمال أن يكون الأمر قاصراً على فرعون واحد فقط، ودليله على ذلك الآية القرآنية رقم (18) التي وردت في سورة الشعراء: «قَالَ أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينَا وَلِيدًا وَلَبِثْتَ فِينَا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ»، ما يشير إلى كونه فرعوناً واحداً، وهو الذي عاش وعاصر مولد موسى وحتى خروجه من أرض مصر.
إلا أن هذا الطرح يقودنا إلى الإقرار بأن فرعون موسى عاش، حتماً، فترة حكم طويلة، فموسى خرج من أرض مصر في عمر الثمانين تقريباً، وعدد ملوك مصر الذين بلغوا الثمانين أو التسعين كانوا قلائل، وعليه يتحتم تعيين العصر الذي حدث فيه الخروج لتقدير أي فرعون كان يحكم مصر في ذلك الوقت.
ينفي علماء الآثار المصريين أن تكون قصة موسى قد جرت بها المقادير في زمن الدولة القديمة، حيث يتفق علماء المصريات والتاريخ أن موسى النبي وبني إسرائيل عاصروا الدولة الحديثة بعد تاريخ 1500 ق.م، خاصة بعد أن أجمع هؤلاء العلماء على أن العبرانيين جاؤوا إلى مصر مع الهكسوس بعد الدولة الوسطى، وعاشوا خلال ما نطلق عيه عصر الاضطراب الثاني، وبالتالي لا بد أن يكون فرعون الخروج أحد ملوك الدولة الحديثة.
الإشكالية هنا - إذا سلمنا بطرح «الفرعون الواحد»- هي أن الملك الوحيد الذي عاش عمراً مديداً وحكم نحو 66 سنة هو الملك رمسيس الثاني، الذي يميل معظم الباحثين بما فيهم اليهود أنفسهم وصانعو أفلام هوليوود، إلى اعتباره فرعون الخروج، وهو ما يرفضه كثير من علماء الآثار المصرية.

رواية «موريس بوكاي»
في سبعينيات القرن الماضي استطاعت حكومة فرنسا إقناع إدارة الرئيس المصري أنور السادات بفحص جثمان رمسيس الثاني تحت ذريعة حماية الجثمان المحنط من آفات التحلل.
في ذلك الوقت ورغم الإجلال والاحترام الذي لاقاه جثمان رمسيس الثاني في مطارات باريس حيث أطلقت المدفعية 21 طلقة له بوصفه ملكاً ضيفاً، فإن أصواتاً أخرى قالت إن الأمر كان يهدف إلى قياس نسبة الأملاح في جثمانه، للتحقق مما إذا كان صاحب هذا الجثمان قد غرق في اليم بالفعل أم لا.
أحد الذين فحصوا الجثمان هو البروفيسور موريس بوكاي - الذي تحول لاحقاً إلى الإسلام - والذي اكتشف من خلال فحص جثمان رمسيس الثاني وجود آفات عظيمة مع ثغرة في مادة الجسم ربما كان ببعضها قاتلاً، وخلص البحث إلى أن صاحب هذا الجثمان مات غريقاً بلا شك، وهو ما يتفق في سياق التحليل مع الرواية القرآنية «فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ»، يونس (92)، لكن هذا الرأي يجد في المقابل معارضة متجذرة تاريخياً بدورها.

مكايدة سياسية يهودية
يرفض الكثير من علماء الآثار المصرية الإقرار بأن رمسيس الثاني هو فرعون الخروج، وعندهم ذرائع كثيرة في هذا السياق في المقدمة منها أن التوراة تقول بغرق فرعون وجنوده ولا تتحدث عن نجاة جثمانه، أما مسألة الملح الموجودة في جثمانه فإن قدماء المصريين استخدموا الملح في التحنيط، فكانوا يضعون الجثة في ملح النطرون من أجل تجفيفها، وعليه فإن كل المومياوات بها نسبة معينة من الملح.
هناك على جانب آخر دراسة تاريخية للآثاري المصري الباحث في شؤون الأديان إسماعيل حامد، نشرتها بوابة صحيفة الأهرام المصرية الرسمية في أغسطس من عام 2011 مفادها باختصار أن الربط بين فرعون موسى ورمسيس الثاني هو فرية وافتراء يهوديان، هدفهما تشويه الحضارة المصرية القديمة والإساءة لأهم رموزها وهو الملك رمسيس الثاني.
هنا يشير الباحث إسماعيل حامد إلى أن الروايات التاريخية والقرآنية تنفي تماماً أن يكون رمسيس الثاني هو فرعون موسى، إذ يقول القرآن الكريم: «وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ»، الأعراف الآية 137، مما يدلل على أن الله تبارك وتعالى دمر كل شيء، وكل ما شيّده هذا الفرعون من قصور أو معابد أو تماثيل ومسلات حتى لا يبقى منها أثر ينسب إلى عصره.
أما رمسيس الثاني الذي يصفه المؤرخون بأنه الملك البناء أو البناء العظيم فلا تكاد تخلو منطقة أثرية مصرية من أثر يحمل اسمه، ذلك لأنه كان مغرماً بالعمارة والبناء، وقد اكتشف الآثاريون لهذا الملك الآلاف من التحف والقطع الأثرية المتنوعة، وكذا عشرات المعابد، ويبدو كثير منها في حالة معمارية شبه كاملة، لا سيما معابده في بلاد النوبة وأبو سنبل والأقصر وأبيدوس.

مرنبتاح هل هو فرعون الخروج؟
يذكر المؤرخون أن رمسيس الثاني ترك حكم البلاد في أواخر حياته لابنه ووريثه مرنبتاح، فهل يكون هو فرعون موسى؟
في روايته «مرنبتاح فرعون الخروج»، يشير الأديب المصري السيد نجم إلى أن الفرعون مرنبتاح هو الابن الأكبر لرمسيس الثاني وظل حتى بلغ الستين من عمره قائداً لجيش أبيه، وهو صاحب الانتصارات الكبرى التي سجلت لرمسيس الثاني، وتولى حكم مصر لمدة ثماني سنوات بعد موت أبيه.
اعتمد السيد نجم في روايته على أن مومياء مرنبتاح بالمتحف المصري هي الوحيدة الشاحبة اللون بينما كل المومياوات سوداء اللون من أثر التحنيط الذي يظهر على لون الجلد، وقد فسر العلماء هذا الشحوب بتشبع الجثة بعد هلاكها بنسبة كبيرة من ملح البحر الذي غرق فيه الفرعون. الحديث عن مرنبتاح بن رمسيس الثاني يكتسب شيئاً من الربط التاريخي، ذلك أن الأثر الوحيد الذي قد يشير إلى قصة الخروج في التاريخ الفرعوني هو لوح مرنبتاح ابن الملك رمسيس الثاني، والنص المسجل عليه يشير إلى كل الممالك التي أدّبها ملك مصر وأخضعها لحكمه. وعندما جاء ذكر إسرائيل لم تذكر كبلد ولكن كشعب، ويقول النص: «أُبيدت بذرة إسرائيل أو يزريل».

فرعون موسى سوداني أم خراساني؟
لا تتعجل.. أنت تقرأ عنواناً حقيقياً وليس مزوراً، فرعون موسى ليس مصرياً، بل من خراسان واسمه مصعب بن الوليد، أو وليد بن ريان، أو ريان بن الوليد، وخراسان هذه تقع شرق إيران وغربي أفغانستان.
هذه هي رؤية الدكتور سعد الهلالي أستاذ الفقه المقارن في جامعة الأزهر؛ ففي أحد البرامج الحوارية على فضائية عربية وعشية ليلة عاشوراء قال الرجل: «فرعون هذا قرأت عنه في كتاب لفيروز آبادي اسمه «بصائر ذوي التمييز في لطائف الكتاب العزيز»، وكتاب ابن منظور الشهير «لسان العرب»، والفيومي في كتابه المصباح المنير، واستطرد... في هذه المراجع الثلاثة يقولون إن فرعون ليس مصرياً بل من خراسان».
الهلالي لم يتوقف عند ذكر المراجع السابقة، بل راح يتابع ويطرح تفسيره الخاص لموقف الشعب المصري في الحوار الذي دار بين موسى وفرعون (يوم الزينة) قائلاً: «عندما جاء فرعون يحكم حكم بنظرية الاستخفاف «فَاسْتَخَفَّ قَوْمَهُ فَأَطَاعُوهُ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِين».
النظريات تتعدد وتتوالى حول هذا الفرعون اللغز؛ وفي شهر مارس الماضي أثار وزير الإعلام السوداني أحمد بلال زوبعة في فنجان، وذلك عندما أشار إلى أن فرعون موسى أصله سوداني، وكان الوزير السوداني قد اعتمد على ما جاء في سورة الزخرف، الآية (51): «وَنَادَى? فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ قَالَ يَا قَوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَ?ذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِن تَحْتِي أَفَلَا تُبْصِرُونَ»، وفسر الأنهار بأن مصر تملك نهراً واحداً بينما السودان لديه عدة أنهر، هي فروع من النيل».
لكن هذا الكلام تم الرد عليه من قبل خبير الآثار المصري الدكتور عبد الحليم ريحان، مدير عام البحوث والدراسات الأثرية في سيناء والوجه البحري، الذي أشار إلى أن نهر النيل كانت له سبعة أفرع في مصر هي: الفرع البيلوزي الذي كان يمر بسيناء، والتانيتي والمنديسي والسبتيتي والبليتي والفاتنيتي (فرع دمياط حالياً) والكانوي (فرع رشيد حالياً)، أما السبب في اختفاء خمسة أفرع من نهر النيل في الأزمنة القديمة فيرجع إلى تصريف نهر النيل المنخفض وزيادة معدل الوطء، ولهذا فإن ما استند عليه الوزير السوداني غير صحيح مما يدحض ما جاء به. وتبقى الروايات متعددة وكثيرة وكل له أسانيده ورؤاه، وعلى الجانب المقابل يتساءل يهود العالم وسيظل التساؤل قائماً إلى ما شاء الله: من هو الفرعون الذي طارد موسى؟
وأفضل تعليق على صمت الكتب السماوية عن ذكر اسم فرعون موسى هو ما أشار إليه الباحث الآثاري المصري محمود حجاج من أن الكتب المقدسة لم تذكر اسم فرعون موسى لكي يظل نسياً، منسياً، لا ذكر ولا قيمة له. ويلفت إلى أن اليهود يصممون على جعل رمسيس الثاني هو فرعون الخروج ليخدم قضيتهم أمام العالم، وذلك بأنهم وقفوا أمام ملك عظيم قام بتأسيس إمبراطورية كبيرة، في حين أن الواقع يؤكد أن فرعون الخروج كان ضعيفاً لدرجة أن المصري القديم لم يدوّن حادث غرقه على جدران المعابد كحادث عظيم، وأن إهمال التاريخ المصري لمجريات عهد فرعون الخروج يدلّ على أنه لم يكن ذا قيمة عند الدولة المصرية.

فتوى مصرية
تقول دائرة الإفتاء المصرية عن سؤال حول هذا الموضوع: «إن أرجح الأقوال عند المفسرين وعلماء التاريخ هو أن الفرعون الذي عاصر موسى عليه السلام هو رمسيس الثاني».
وتضيف دار الإفتاء: «هناك رأي آخر يرى أن نبي الله موسى عاصر اثنين من الفراعنة،لاسيما وأن هناك رأياً للشيخ رشيد رضا يرجح أن فرعون موسى هو منفتاح».

أسرار تحت الرمال
يبدو أن لغز الفرعون الذي عاصر موسى سيبقى إلى الأبد ما لم يتم الكشف عن أدلة لغوية أو أثرية تثبت شخصيته،لاسيما أن ما تم الكشف عنه من آثار مصرية حتى الآن لا يتجاوز 30% من آثار القدماء، وهناك، تحت رمال الصحراء وطمي الدلتا ومياه البحر الأحمر والبحر الأبيض المتوسط، أسرار لم تكشف بعد، ومن يدري، ربما تكشف لنا المياه يوماً عن أسرار فرعون الخروج.