صحيفة الاتحاد

الملحق الثقافي

الآذان الكبيرة..

د. العادل خضر

تظل سيرة رجل الـ«أف.بي.آي، FBI» (مختصر مكتب التحقيقات الفيدرالي، Federal Bureau of Investigation) الشهير، ومؤسسها الفعلي، ورئيسها الأول جون إدغار هوفر John Edgar Hoover (من غرّة يوليو 1935 إلى 2 مايو 1972، وهو يوم وفاته) محفوفة بالغموض، ومثيرة للاهتمام لارتباطها الوثيق بتاريخ مؤسّسات الحكم بالولايات المتّحدة الأميركيّة وأمنها القومي قبيل الحرب العالميّة الثّانية وأثناء الحرب الباردة.
لفتت هذه السيرة، في السنوات الأخيرة، أنظار الكاتب والمخرج الفرنسي مارك دوغان Marc Dugain، الذي نشر سنة 2005 رواية عنوانها «لعنة إدغار»، «La malédiction d›Edgar»، أخرجت للسينما سنة 2013. وقبل ذلك بسنتين أخرج كلينت إيستوود Clint Eastwood عن الشخصية عينها فيلما بيوغرافيّا عنوانه «ج. إدغار، «J. Edgar»، انطلقت أحداثه من أيّام هوفر الأخيرة لما كلف بعض الأعوان الشبان بكتابة مذكراته. وهي في الجملة تتعلّق بسيرة هذا الرجل المشحونة بالتفاصيل الشخصية المتعارضة. فهو وإن ربته أمه «آنّا ماري» على الاستقامة واحترام القيم التقليدية، وظل يعيش معها في بيت العائلة إلى حين وفاتها سنة 1938، فإن حياته الشخصية لم تخل من بعض الشبهات والشائعات حام جميعها على علاقته المثلية بكلايد تولسون Clyde Tolson، المدير المساعد في «أف.بي.آي، FBI» وذراعه الأيمن، ورفيق دربه طيلة أربعين سنة، ووريثه، دون أن ننسى ميله إلى التنكّر بلباس النساء في بعض الحفلات الخاصة.
فوق الشبهات.. وتحتها
ورغم كل هذه الأراجيف، لم تتأثر سمعة هوفر بشيء من ذلك، فقد ظل على رأس هذه المؤسسة ما يناهز الخمسين سنة عاصر فيها وخدم سبعة رؤساء، من كالفن كوليدج Calvin Coolidge إلى ريتشارد نيكسون Richard Nixon. وكان يستمد نفوذه من موهبته في تكوين الملفات أيام كان يرأس، سنة 1917، فريقاً مختصاً في الاستخبار عن البلد العدو Enemy Aliens Registration تابعاً لوزارة العدل. وإثر نهاية الحرب العالميّة الأولى، عُيّن سنة 1919 مديرا لقسم جديد سمّي «General Intelligence Division» يُعنى بتكوين فهرس عامّ بملفّات خاصّة عن أشخاص ينتمون إلى جماعات متطرّفة، ضمّ بعد بضع سنوات من العمل 450 ألف اسم، منهم ستّون ألف شخص اعتبروا، حسب الملاحظات البيوغرافيّة المضمّنة في ملفاتهم، عناصر بالغة الخطورة. ولمّا أصبح هوفر على رأس «أف.بي.آي، FBI» سنة 1935 شرع في تكوين ملفات خاصة عن الأعوان الذين كانوا يشتغلون معه في المكتب، ثم ملفات سرية في غاية الخصوصية عن الشخصيات السياسية، تتعلق بحياتهم الحميمة وعلاقاتهم الغرامية وخياناتهم الزوجية. وهي ملفات سرية لأنها لم تدرج بصفة رسمية في أرشيف «أف.بي.آي، FBI»، ولكن هوفر كان يستغلها لتقوية نفوذه السياسي. ولم يبق من هذا الميراث السري شيء، لأن كاتبته الوفية هيلين غاندي Helen Gandy قد أتلفت كل الملفات في السنوات التي عقبت مماته، فلم يبق مما كان يُسمّى بـ«نظام هوفر» أثر. وقد اتهم إدغار هوفر مراراً كثيرة باعتدائه على الحياة الخاصة للكثير من الشخصيات البارزة كالزعيم مارتن لوثر كينغ Martin Luther King، والممثلة السينمائية مارلين مونورو Marilyn Monroe، والمغني فراك سيناترا Frank Sinatra، لما تنصت عليهم، على نحو غير شرعي، بزرعه لميكروفونات صغيرة، في مقرّ إقاماتهم المختلفة، كانت تلتقط من أحاديثهم كل كبيرة وصغيرة.
هذا الإنصات غير شرعي، لأنه يجري من غير علم الآخر، ورغم أنفه، ودون إذنه وموافقته. وعندما يجري الإنصات بهذا الأسلوب فإننا، بهذا الصنيع، نُزاول بعلم منا أو دون علم، ثاني أقدم مهنة في تاريخ البشرية، وهي التجسس، أو التخبّر.

أقدم مهنتين في التاريخ
من الشائق أن تجتمع أقدم مهنتين في بعض نصوص التوراة. ففي سفر «يشوع» نجد في مطلع إصحاحه الثاني خبر «رَجُلَيْنِ جَاسُوسَيْنِ» أُرسلا سراً ليستكشفا أرض الميعاد، فسكنا عند امرأة «زَانِيَةٍ اسْمُهَا رَاحَابُ». وقد جاء في مطلعه ما يلي: «فَأَرْسَلَ يَشُوعُ بْنُ نُونٍ مِنْ شِطِّيمَ رَجُلَيْنِ جَاسُوسَيْنِ سِرًّا، قَائِلاً: «اذْهَبَا انْظُرَا الأَرْضَ وَأَرِيحَا». فَذَهَبَا وَدَخَلاَ بَيْتَ امْرَأَةٍ زَانِيَةٍ اسْمُهَا رَاحَابُ وَاضْطَجَعَا هُنَاكَ. فَقِيلَ لِمَلِكِ أَرِيحَا: «هُوَ ذَا قَدْ دَخَلَ إِلَى هُنَا اللَّيْلَةَ رَجُلاَنِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ لِيَتَجَسَّسَا الأَرْضَ». فَأَرْسَلَ مَلِكُ أَرِيحَا إِلَى رَاحَابَ يَقُولُ: «أَخْرِجِي الرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَتَيَا إِلَيْكِ وَدَخَلاَ بَيْتَكِ، لأَنَّهُمَا قَدْ أَتَيَا لِيَتَجَسَّسَا الأَرْضَ كُلَّهَا». فَأَخَذَتِ الْمَرْأَةُ الرَّجُلَيْنِ وَخَبَّأَتْهُمَا وَقَالَتْ: «نَعَمْ جَاءَ إِلَيَّ الرَّجُلاَنِ وَلَمْ أَعْلَمْ مِنْ أَيْنَ هُمَا... »» (الإصحاح 2، 1-4).
كيف ينبغي أن نقرأ هذه الحكاية القديمة؟ تمثّل «رَاحَابَ» الشخصية التي تلاقت فيها المهنتان القديمتان على نحو قلب المرأة إلى عون مزدوج، أو جاسوس يشتغل تارة بنقل أخبار زائفة لتضليل العدو، وطورا بإعانة بعض الجواسيس وحمايتهم ليعودوا سالمين بالأخبار التي يُحتاج إليها في معرفة أرض الأعداء. ويؤكد هذا الدور المزدوج الخَطِر الّذي اضطلعت به «رَاحَابُ» أن مهنة التجسس، إنما هي فن من فنون الحرب. آية ذلك أنّ «سون تزو»، Sun Tzu، أحد حكماء الصين العظام، قد عقد لها في كتابه الشهير القديم «فنّ الحرب»، كامل الفصل الثالث عشر، بعنوان «استخدام الجواسيس» أو «الأعوان السّرّيّين»، ذكر في فقرته الأخيرة أنّ «جيشا من دون جواسيس، إنما هو تماما كرجل بلا عينين ولا أذنين». وقد عرض «سون تزو» في كتابه بتفصيل رائع أصناف التجسس. فميز بينها بدقة، جاعلا لكل صنف عوناً مخصوصاً من الجواسيس كونوا معاً شبكة رائعة التناسق والتنظيم شبيهة بوكالة الاستخبارات اليوم. وقد رتّب «سون تزو» الجواسيس وجعلهم خمسة أصناف، هي: الجواسيس المحليون، يوظفون من القاطنين في الأحياء السكنية، ثم الجواسيس الداخليون من ضباط جيش العدو، والجواسيس المنشقون من جواسيس العدو الذين يمكن الاستفادة من خدماتهم، والجواسيس الهالكون المضللون المكلفون بنقل معلومات زائفة للعدو، والجواسيس المحصنون الباقون على قيد الحياة ليعودوا ومعهم الأخبار من معسكر العدو.

«عيون» العرب المندسّة
تسمّي العرب الجواسيس «العيون»، فتقول: «ونَشر العيون وأرسلها في كل مكان»، أي دسّ الجواسيس والمخبرين. ورغم أنّ لفظ «العيون» يوحي بأنّ فن التجسس هو نشاط بصري في المقام الأول، لأن الخبر ليس كالعيان كما جاء في المأثور العربيّ، فإنّ هذا الفن، أي فن التخبر والتجسس، وتنسم الأخبار، هو في الأصل فن سمعي، ويجري بجارحة الأذن.
ولا يسمح المقام بضرب الأمثلة التي تشي بكثرة أصناف المخبرين. ذلك أن كتب الأخبار في التراث الأدبي العربي تعج بحكايات المتخبرين والجواسيس والعيون. ونجدهم مندسين بصفة خاصة في بلاط الملوك وقصور الأمراء والوزراء، أي في دوائر الملك، حيث يحتدم الصراع، ويصبح كل طرف عينا على الآخر يراقبه ويسمعه. فعين الملك ساهرة لأنّ آذانها صاغية. في هذا السياق نقل القاضي التنّوخي في كتابه «الفرج بعد الشدّة» خبرا ذكر فيه كيف كان المعتضد يتخبر على وزيره القاسم بن عبيد الله، ويعرف ما يجري في قصره. وذلك أنّه ذات يوم، خلا الوزير «مع جواريه، ولبس من ثيابهن المصبغات، وأحضر فواكه كثيرة، وشرب، ولعب، من نصف النهار إلى نصف اللّيل، ونام بقية ليلته، [...] وبكر في اليوم الثاني، فحين وقعت عين المعتضد عليه، قال له: يا قاسم، ما كان عليك لو دعوتنا إلى خلوتك، وألبستنا معك من ثيابك المصبغات». فكاد الوزير «أن يتلف غمًّا لوقوف المعتضد على هذا السر، وكيف رقى إليه». ولما عاد إلى داره أحضر صاحب الخبر وأمره بأن يبحث عمّن كان يخرج أخباره وينقلها إلى المعتضد.
يوحي هذا الخبر بأنّ فن التجسس كان يزاول فقط في القصور والبلاطات الملكية التي كانت تمثل في عهود السيادة الملكية «الآذان الكبيرة». ولأمر ما اعتبر الكاتب الإيطالي إيتالو كالفينو Italo Calvino في بعض الأقاصيص المنشورة في كتابه «تحت شمس الفهد» أن القصر إنّما هو أذن كبيرة تتبادل فيه الهندسة وعلم التشريح الأدوار والوظائف... فليس القصر في النهاية بمتاهاته وأروقته ودهاليزه سوى المنطقة الداخلية من قصر الأذن في كلّ أذن. فـ«القصر هو أذن الملك». وهذا الارتباط بين فن الهندسة وعلم التشريح نجده في هيئة أخرى على بعض تضاريس الطّبيعة. ففي أكتوبر من سنة 1608 حطّ الرسام الإيطالي كرافاجيو Caravaggio الرِّحَال بسيراكوزا بعد هروبه الليلي من سجنه بجزيرة مالطة. فزار من بين ما زار بعض الآثار الإغريقية القريبة من مرفأ صقليّة. وهنالك اكتشف مغارة غريبة بعلو ثلاثة وعشرين متراً، لها شكل شبيه بالأذن البشريّة أطلق عليها اسم «أذن دينيسيوس»، نسبة إلى الطّاغية دينيسيوس السيراكوزي الذي كان، حسب بعض الروايات، يسجن أعداءه في هذه المغارة لما تتمتّع به من مزايا صوتية مكنته من سماع محادثاتهم والاطّلاع على أسرارهم وخططهم الحربية، من فجوة في سقف المغارة.

«أذن دينيسيوس» البشرية
في هذا السّياق، ينبّه جيريمي بنتام صاحب نظريّة البانبتيكون (أو الرؤية الشاملة)، تلك التي درسها فوكو في كتابه «المراقبة والمعاقبة» إلى مغبّة مقارنة «بيت المراقبة» بـ«أذن دينيسيوس». ففي بعض رسائله يذكّر بأنّ موضوع هذا الابتداع الأخير (أي «أذن دينيسيوس») إنما هو معرفة ما يقوله السجناء دون أن يساورهم أي شك، في حين أنّ موضوع مبدأ المراقبة هو عكس ذلك تماما. فهو لا يقتصر على جعل السجناء في حيرة من أمرهم قد أخذتهم الظنون، وإنما إقناعهم بأن كل ما يفعلونه يعرفه الحراس والمراقبون، وإن كان الأمر غير ذلك تماما. فالتفتيش هو موضوع الابتداع الأول (أي «أذن دينيسيوس»)، ويكون الماسك بالسلطة جاسوساً، أما موضوع «بيت المراقبة» فغرضه الوقاية، ويكون صاحب السلطة مرشداً معلّماً. وفي جميع الأحوال كان البانبتيكون بمعاضدة السماع الشامل شبيها بمشروع «أذن دينيسيوس» لأنّه ينهض مثله على المراقبة الدّائمة، إلاّ أنّه يختلف عنه في كونه لا يرمي إلى الاطلاع على أسرار القابعين في السجون، فالاطلاع على الأفئدة هو شأن موكول إلى السماء.
وسواء أكانت هذه الأذن قصراً ملكيّاً أم مغارة «أذن دينيسيوس» أم «بيت المراقبة» فإنها تظل بشرية خالصة محدودة في مدى سمعها وقوّة سماعها. غير أنّها قد انقلبت منذ العقود الأولى من القرن العشرين إلى «آذان كبيرة». وهو تعبير قد ذاع في لغة الصّحف وانتشر، ليعرب عن قلق بدأ يساور الإنسان الحديث منذ نهاية الحرب العالميّة الثّانيّة، ثمّ استفحل في سنوات الحرب الباردة، حتى طغى، وصار الإحساس العام، خاصة في الأنظمة الكليانية، هو أن على كل فرد رقيبا، يحصي عليه أنفاسه، ويلتقط رسائله، ويسمع أخباره. فعبارة «للحيطان آذان» لم تعد مجرد استعارة شائعة قد ابتذلها الاستعمال، وإنما هي عبارة صارت تفهم فهما حرفيّا، وتحمل على الحقيقة لا المجاز. فلئن كان من يسترق السمع هو ذاك الذي يجعل من الآخر الذي يتنصت عليه خفية عدوا بالفعل، فإن فن استراق السمع قد قلب كل الناس بفضل «آذانه الكبيرة» إلى أعداء محتملين، يمكن أن يصبحوا بأدنى شبهة إلى متهمين، ثم إلى أعداء بالفعل يمثلون خطرا يحيق ببعض الدول، أو يتهدد سكان الأرض قاطبة.

تمرد سنودن الأميركي
يكفي أن نستحضر في هذا المقام فيلم «سنودن» بإخراج أوليفير ستون، المستوحى من قصة الأميركي إدوارد جوزاف سنودن Edward Joseph Snowden الشهير. فهذا الموظّف السّابق في «سي آي إيه» (وكالة المخابرات المركزيّة)، ووكالة الأمن القومي الأميركيّة (NSA)، قد كشف الكثير من برامج الرّقابة الشّاملة الأمريكيّة والبريطانيّة. فقد اكتشف في قلب وكالة الاستخبارات الأميركيّة حجم الرقابة السيبرانية الهائل وخطر انتهاكها للدستور الأميركي، بدعم من الشركات الكبرى. كانت «آن سي إيه» تجمّع جبالا من المعلومات، وتتعقب كل أشكال الاتصالات السلكية واللاسلكية على مستوى كوكبي يشمل الأرض قاطبة. حينها قرر سنودن، وهو الذي هاله هذا التدخل السافر في الحياة الخاصة، أن يجمع الأدلة المُدينة ونشرها وإذاعتها معرضا بذلك حريته وحياته الخاصة للخطر. يوم 6 يونيو 2013 غامر صحفيان من صحيفتي «ذو غارديان» The Guardian، و«واشنطن بوست» The Washington Post، والتقيا بسنودن في غرفة بنزل في هونغ كونغ، الذي قدّم لهما معلومات من وكالة الأمن القومي اعتبرت سرية للغاية، تخص التقاط المعلومات والمكالمات الهاتفيّة في الولايات المتحدة الأميركية، ونظام الإنصات في الأنترنت وبرامج المراقبة المختلفة التابعة للحكومتين الأميركية والبريطانية. ولقد صنعت كلّ التصريحات التي أدلى بها سنودن في تلك الغرفة أعظم فضيحة تجسّس في تاريخ الولايات المتّحدة الأميركيّة.
تؤكّد كلّ الأمثلة الّتي عرضناها أنّ جارحة الأذن لم تتغيّر وظيفتها، إلاّ أنّ موضوعها كان يتغيّر باستمرار. وكلّما تغيّر وعظم شأنه واتّسع خطره احتيج إلى سماع متطوّر، و«آذان كبيرة» تتجاوز حدودها البشريّة. آية ذلك أنّ هذه الجارحة قد عرفت اليوم من التطوير التكنولوجي والتسخين (كما يقال في مجال الميديولوجيا) بالرادارات وأجهزة الالتقاط العملاقة ما جعل دائرة الإنصات تتسع فلم تقتصر على سماع فرد واحد، وإنما شملت كل ما يرسله الناس من رسائل راصدة دورانها في العالم. يكفي أن نستحضر جهاز التجسس «إيشلون»، «Echelon»، الذي اخترع سنة 1947 من قبل الولايات المتّحدة وبريطانيا العظمى في سياق الحرب الباردة لاستقبال كلّ ما يبعث في العالم من رسائل حتّى نفهم أنّ رهان التّجسّس قد تغيّر تماما، فأصبح لا يتعلّق بمراقبة العدوّ، وإنّما بالأمن القومي برمّته.
يؤكّد هذا الانقلاب أنّ شكل المراقبة مافتئ يتغيّر كلما تغيّرت المجتمعات، وأنّ لجهاز التجسس تاريخا ينتظر من يكتبه. ويبدو أنّ كتابته قد شُرع فيها بالفعل ولكن بمداخل ومنطلقات مختلفة. فلئن أكّد نيتشه على نحو جينيالوجيّ أنّ الأذن هي عضو الخوف والخشية لم يتطوّر إلاّ في اللّيل وغبش الغابات، والكهوف المظلمة تطوّرا كان محكوما بطريقة الحياة في عصر الخوف الطّويل (فجر، الشّذرة 250)، فإنّ لوظيفة هذا العضو، وهي السماع، شأنا آخر في تصور رولان بارت. ففي مقالته «سماع» الّتي كتبها سنة 1976 رسم بارت مراحل السّماع الكبرى. وهي مراحل قد سطّرت من منظور سيميائي هرمونيطيقي، وتميّزت بوجود ثلاثة أصناف من السّماع: في الصّنف الأوّل كان الكائن الحيّ يرهف سمعه بحثا عن قرائن. وفي هذا المستوى لا شيء يميّز الإنسان عن الحيوان. فالذّئب يسمع ضجّة طريدته، والأرنب صوت مفترسه، والصبي يسمع خطى أمّه وهي تقترب... فهذا النوع الأوّل من السّماع يمكن تسميته «الإنذار». أمّا الصّنف الثّاني من السّماع فهو تفكيك لشفرة. فما نروم التقاطه بالأذن إنّما هو علامات ودلائل. فالسّماع هاهنا مثل القراءة المحكومة ببعض الشّفرات. فما يسمع ليس أمراً «ممكناً» كالفريسة أو الخطر أو خطى الأمّ...، وإنّما هو «سرّ». فالسّماع لا يمكن أن يعي الإنسان بأسراره إلاّ بوساطة شفرة تصلح في الآن نفسه لتشفير ما يُسمع وتفكيك دلالته واكتشاف معناه. فالسّماع مقترن بتأويليّة تنير ما هو معتّم غامض صامت، وتظهر معناه المخفي. أما الصنف الأخير من السماع فهو حديث، لا يرمي إلى سماع ما يُقال ويُرسل بالكلام، وإنّما يعتني بمن يتكلّم ويرسل الكلام. وهو لا ينشأ إلاّ في فضاء تذاوتيّ، أي بين ذاتين، حيث يصبح فعل «أسمع» يعني في الآن نفسه: «اسمعني». فسماع صوت ينشئ بالضّرورة علاقة مع الآخر. فالصّوت الّذي نتعرّف به إلى الآخرين يشير إلى طرائق وجودهم، وأفراحهم وأتراحهم، وأحوالهم وصورة أجسادهم...

بين الانضباط والتحكّم
بيد أنّ الفضل الأكبر يعود إلى ميشال فوكو الّذي كتب تاريخ المراقبة في كتابه العظيم «المراقبة والمعاقبة» في علاقتها بالمجتمعات الانضباطيّة الّتي ظهرت منذ القرنين الثّامن عشر والتّاسع عشر، وبلغت أوجها في القرن العشرين. وقد كشفت بحوث فوكو ما بين أمكنة العزل كالسّجن والمدرسة والعيادة والمعمل من ترابط محكوم ببنية متماثلة هي عُدّة المراقبة وعتادها. وقد أطلق عليها فوكو اسم البانوبتيك. وهي تسمية استوحاها من مشروع جيريمي بنتام، الّذي وصف في بعض رسائل البانبتيكون، «منزل المراقبة» على نحو دقيق، مقترحا أن يشيّد على نحو يضمن درجة عالية من الرّؤية الشّاملة المستمرّة، حتّى تتسنّى مراقبة كلّ فرد في السّجن أو المستشفى أو المدرسة، أو المعمل، دون توقّف ولا تقطّع، وعلى مرأى المراقبين وبصرهم.
ويرى دولوز أنّ بحوث فوكو لم تقتصر على كشف هويّة المجتمعات الانضباطيّة، وإنّما تجاوزتها إلى بيان قصر مدّتها، ذلك أنّ الأنظمة الانضباطيّة الّتي درسها فوكو قد عرفت في القرن العشرين ضروبا مختلفة من الأزمات الّتي عصفت بها. فالمجتمعات الانضباطيّة قد اندثرت منذ الحرب العالميّة الثّانية لتحلّ محلّها مجتمعات أخرى أطلق عليها دولوز اسم «مجتمعات التحكم contrôle». وقد استمدّ دلوز هذه التّسمية من الرّوائي الإنجليزي ويليام بيروز Burroughs، الذي استعملها في روايته الشهيرة «الوليمة العارية» لوصف هذا الوحش الجديد. ولكنّ دولوز لم يقترحها على نحو صريح إلاّ في حوار أجراه مع الفيلسوف الإيطالي طوني نيجري بعنوان «المراقبة والصّيرورة». وقد عرض فيه دولوز الفرضيّة الأساسيّة الّتي بمقتضاها أعلن دخولنا إلى عهد «مجتمعات التّحكّم». ومن أبرز سماتها أنّها لا تشتغل بتقنية العزل على غرار الأنظمة الانضباطيّة، وإنّما بالمراقبة المستمرّة والتّواصل الفوري.
بيد أنّ للمفكّر الفرنسيّ بول فيريليو رأيا آخر. فهو يرى أنّ مشكل التّحكّم لا يتعلّق بالمراقبة، بل بشبكة الطّرقات، وبحرّيّة التّنقّل لا بأوساط العزل. فالشّرطة تعتني بما يجرى في الشّوارع أكثر من اهتمامها بما يدور في السّجون. فموضوع الشّرطة الحقّ هو شبكة الطّرقات والشّوارع. فسلطان الدّولة السّياسيّ الواقعيّ المحسوس يتعلّق بالمدينة، أي بشبكة طرقاتها، هذا إذا سلّمنا بأنّه منذ فجر الثّورة الفرنسيّة صار الخطاب السّياسيّ سلسلة من التّدابير المتعلّقة بحصار المدن والقرى، يتداخل فيها النّظام الاجتماعي برقابة تنقّل البشر ودوران السّلع. فمجتمع التّحكّم عند فيريليو هو مجتمع رقابة التّنقّل، وهو أيضا مراقبة السّكّان داخل مجالهم الحيويّ. هاهنا يقترب فيريليو من بارط في مسألة مراقبة المجال. فلمّا كان المجال يعرّف بأنّه فضاء آمن لأنّه محميّ، فهو حمى، صار من وسائل حماية المجال السّماعَ. فهو (أي السّماع) هذا الانتباه اليَقِظ الّذي يسمح بالتقاط كلّ ما من شأنه أن يحدث البلبلة في نظام الحمى. بل هو طريقة من طرق الدّفاع والتّحسّب من كلّ مفاجأة. كلّ ذلك يحملنا على التّساؤل: من هو الجاسوس؟ أهو ذاك الّذي يراقب الحركات والسّكنات، أم ذاك الّذي يلتقط الرّسائل وينصت إلى الكلمات؟ أليس تاريخ التّجسّس مرتبطا بتاريخ آخر هو صناعة العدوّ؟ أليس العدوّ هو كلّ ما نحتاجه لبناء أمّة متماسكة؟ أو لم يقل بعض فلاسفة السّياسة: «أعطني عدوّاً جيّداً، أصنع لك أمّة جيّدة»؟

FBI تحقيقات وتجسس
مكتب التحقيقات الفدرالي المعروف اختصاراً بالـ(إف.بي.آي) هو وكالة حكومية تابعة لوزارة العدل الأميركية، وتعمل كوكالة استخبارات داخلية وقوة لتطبيق القانون في الدولة. وللوكالة سلطة قضائية على أكثر من 200 جريمة فدرالية. وقد تأسست عام 1908.
يوجد مقر مكتب التحقيق الاتحادي في مبنى جي إدغار هوفر في واشنطن، وله 56 مكتب تحقيق مركزياً منتشرة في المدن البارزة في الولايات المتحدة، وأكثر من 350 مكتب تحقيق محلياً في المدن والمناطق الأقل أهمية، بالإضافة إلى 60 مكتب تحقيق دولياً في القنصليات والسفارات الأميركية حول العالم.
يعود تاريخ تأسس مكتب التحقيق الاتحادي في الأصل إلى سنة 1908 من طرف المدعي العام الأميركي تشارلز بونابرت. حينما قام هذا الأخير بأمر مجموعة من المحققين الفيدراليين المعينين حديثاً بأن يرسلوا تقاريرهم إلى المفتش العام ستانلي فينش بوزارة العدل. وفي عام 1935 تحول اسمه إلى مكتب التحقيق الاتحادي.
ومن وقت مبكر من القرن العشرين، أصبح من حق النائب العام استئجار بعض المحققين الدائمين، وتم إنشاء مكتب المفتش العام، الذي كان يتكون في معظمه من محاسبين، من أجل مراجعة التعاملات المالية للمحاكم الفدرالية.
في مارس 1909 بلغ عدد العاملين في المكتب 34 شخصاً، وخلال سنوات قليلة وصل عدد عملاء المكتب إلى 300 عميل.

مخابرات الفراعنة
يختلف النظر إلى التجسس من شعب إلى آخر، فاليابانيون على سبيل المثال، يعتبرونه خدمة نبيلة. وفي العصر الحديث أصبح جهاز المخابرات ضرورة لا بد منها لأي دولة كي تحمي أمنها ومصالحها.
ولعل هذه الغاية هي التي أوعزت إلى الملك الفرعوني (تحتمس الثالث) بتنظيم أول جهاز منظم للمخابرات عرفه العالم.
فقد طال حصار جيش (تحتمس الثالث) لمدينة (يافا) ولم تستسلم. وخطرت له فكرة إدخال فرقة من جنده إلى المدينة المحاصرة، يشيعون فيها الفوضى والارتباك، ويفتحون ما يمكنهم من أبواب. فأعد 200 جندي داخل أكياس الدقيق، وشحنها على ظهر سفينة اتجهت بالجند وقائدهم إلى ميناء (يافا)، وهناك تمكنوا من دخول المدينة وتسليمها إلى المحاصرين، وبدأ منذ ذلك الوقت تنظيم إدارات المخابرات في مصر والعالم كله.
ويذكر المؤرخون أن سجلات قدماء المصريين تشير إلى قيامهم بأعمال عظيمة في مجال المخابرات، لكنها تعرضت للضعف في بعض العهود، كما حدث في عهد (منفتاح) وإلا لما حدث رحيل اليهود من مصر في غفلة من فرعون.
وقد سجل (تحتمس الثالث) على جدران المعابد والآثار كل أعماله، من بناء المدن، ومخازن الغلال للشعب، وحروبه، أما إنشاء المخابرات فقد أمر بكتابته بخط ثانوي، خجلاً مما فعل.