صحيفة الاتحاد

الإمارات

طقوس نفسيّة.. وألحان نديّة عذبة

محمد عبدالسميع (الشارقة)

الحياة بطبعها مُحَرِّكَةٌ ومُتَحَرَّكَة، والشاعر إنسان همه التَّخطي والتَّجاوز، إذ إنه يثور أبداً لكي يستكشف ويستشف الآتي، ويجسم الآمال، والطموحات الإنسانية، ويعبر عما يمور ويتفاعل في نفسه من مشاعر وشحنات جاذبة ومعبرة، بأسلوب محبب وقريب من النفس، تَلقى القبول، وتحفز المتلقي على التأمل والتمعن والتفكر.
يلخّص صاحب السموّ الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي طقوسه النفسيّة في عشرة أبيات شعريّة تبدو قطعةً موشّاةً بالنُّور وصوت المطر والأشواق وسجع القصائد ووقت الهدد والمساء الزاهر وسوالف القنص، مثلما يعيش سموّه لحظات الفرح والشجون على أنغام الفروسيّة في ميدان فسيح.
تلك، إذن، خصائص شاعر نبيل فارس يوجّه خطابه إلى من يساجلها دائماً ويعاتبها، إذ ربّما تكون القصيدة أو الدنيا أو تلك التي يبوح لها آل مكتوم في قلائده الوضّاءة بالإبداع، وكون الشاعر يبدأ من النور، فتلك خصيصة نفسيّة تمثّل ما جُبل عليه من وضوح وبساطة لا تنفي علوّ مكانته الإنسانيّة والشعريّة، تلك النفسيّة الواسعة التي تتمدد في طقوس لا يستحسنها غير النابهين وأصحاب الطقس الإبداعيّ الآخذ؛ فمن منّا لا يحبّ شمس الضحى بما تحمله من بزوغ أملٍ جديد، وبعداً واسعاً عالياً، يوحي بالنضارة والامتلاء والوضوح، بل ربّما قصيدة جديدة، أو فكرة مُلهمة جديدة، ينطلق معها الشاعر إلى عوالم نورانيّة اعتادها كلّ صباح؟!.. ومن منّا لا يستوحي من صوت المطر دندنات عاشقة وهي تجري بنسقٍ أخّاذ يستفزّ النفوس الساكنة، ناهيك عن ولع نفسيّة عاشقة محبّة بها مثل نفسيّة صاحب السموّ، التي تنطلق من غير ثقلٍ أو تردد أو تعثّر، وهذا هو وجه الشّبه وما التقطه سموّه من هذا التكوين الْمَطَريّ الذي يحيلنا إلى بداية تكوّن القصيدة لدى سموّه، فأولها رذاذ ينتهي إلى سيل يجري في وديان وأنهار، في جوّ رومانسيّ أخّاذ، ومشهد يعجز عنه كتّاب الدراما والمشهديّات.
يبدو الشاعر آل مكتوم متأثراً بالشاعر العربيّ الكبير «المتنبي» الذي حمل إلينا همّته العالية في قصيدة «الليل والخيل والبيداء تعرفني.. والسيف والرمح والقرطاس والقلم»، غير أنّ آل مكتوم هنا، وعلاوةً على فروسيّته ونُبلِه المشهودة عنه، يأنس بالليل والخيل ميداناً للشعر واستذكار ما يظلّ يكتمه بعيداً عن الناس، وهذه هي نفوس الشعراء الذي يتألمون وربما لا يحس بألمهم غيرهم، خصوصاً وهم يستدعون في هذا الفضاء النفسيّ الرحب آهاتهم وما استودعته الأيام فيهم وبين أضلاعهم من أحزان.
إنّها الأشواق إذ تنادي، وإنّه قلب الشاعر الذي يتدفق عذباً صافياً وربما تتلاطم فيه الأفكار والصور استجابةً لهذه الأشواق بأشجان عالية لا نعرف نحن قرّاء القصيدة ما تراكم في نفس الشاعر المعذّبة حتى يسقطها لنا على الورق أحرفاً من نور نحفظها ونغنيها ونطرب لها، ونظلّ نستذكرها ونتمثّل بها في كلّ وقتٍ وحين.
فالتشكيل البصري، لغة لها دلالتها، واشتغالها داخل النص، من خلال المستويات المتعددة للتشكيل على مستوى الرؤية، واللغة، والرمز. أنْ يشبّه آل مكتوم القصائد بسجع الحمام؛ فتلك قمّة التشبيه في موضوع التشبيه، إذ ينبئ السجع عن ألحان نديّة عذبة وآهات دفينة، جعلت الشعراء يلتقطون معنى «السجع» كخصيصة فنيّة للشعر أو موسيقى الألفاظ في التقائها على حرفٍ واحد، مثلما يعني السجع هنا ما يصدح بها الشاعر من أحزان هي مرآة للحمام الذي يعكس بدوره نفسيّة الشاعر البيضاء النبيلة غير المعقدة، النفسيّة التي تتموّج على ألحانها وتغرّد وحدها، وكثيراً ما خاطب الشعراء الحمام أو «رفّ الحمام»، بل كثيراً ما تداول آل مكتوم صورة الحمام الحزينة في أشعار مغنّاة غاية في الحزن والشجن، ولا أبلغ من «سجع القصايد فرايد جاريات الحان» بما في العبارة الشعريّة من موسيقى في وزنها الموسيقي المنسجم، وفي كونها قصائد منسابة تماماً كالنهر المنساب، تعبر عن (ذات) الشاعر، ورؤيته للحياة.

احبْ

آحبْ شمسْ الضِّحىَ بالنورْ تهديني
وآحـبْ صـوتْ الـمطَرْ إذا جرىَ وديانْ
? ? ?
والـخـيلْ والـلـيلْ وأشـواقٍ تـناديني
وسـجعْ القصايدْ فرايدْ جارياتْ ألحانْ
? ? ?
وآحـبْ وقـتْ الـهدَدْ والـليلْ يضويني
عـلىَ سوالفْ قنَصْ ومزامَطْ وحِلفانْ
? ? ?
هـذا أنـا وَإِنْ سـألتي وشْ يسَلِّيني
بـاقولْ لكْ لي يسلِّي قايدْ الفرسانْ
? ? ?
مـهـرَهْ بـمـيدانْ والـعـاصفْ يـبـاريني
وآحـسْ أنِّـي مَـلَكَتْ الأرضْ والأكوانْ