الاتحاد

الاقتصادي

العراق خرج من الاقتصاد العربي ولم يعد


القاهرة - علاء العربي:
لم يتغير المشهد العام لمسيرة الاقتصادات العربية بعد مرور عامين على سقوط بغداد، فمازالت الآثار السلبية الاقتصادية لاحتلال العراق مستمرة الى الآن على الأقل للاقتصادات العربية الخدمية سواء المصدرة للعمالة أو السياحية بينما استمر النمو السريع للاقتصادات العربية النفطية التي استفادت من استمرار الفشل في الوصول بالصادرات النفطية العراقية الى المعدل الذي كان عليه قبل جريمة النظام العراقي السابق المتمثلة في غزو الكويت عام ·1990
وقد دفع هذا الفشل أسعار النفط الى الارتفاع بشكل غير مسبوق كسر في أحيان كثيرة حاجز الخمسين دولارا للبرميل مما يعني زيادة النمو الأقتصادي للدول النفطية الى معدلات لم تصل اليها من قبل، قدرتها بعض التقارير الصادرة عن صندوق النقد الدولي ما بين 6 و7 في المئة سنويا· الا ان هذا النمو مرتبط الى حد كبير بمستوى أسعار النفط التي اذا انخفضت فسيؤدي ذلك الى تراجع المعدلات·
وقد دعا تقرير منظمة الشفافية الدولية في مارس الماضي القوات المتعددة الجنسيات بالعراق الى اتخاذ اجراءات صارمة وفورية قبل بدء عمليات إعادة إعمار العراق حيث تسبب غياب الأمن والاستقرار الى تأجيل الكثير منها اضافة الى اوجه الفساد التي تمثلت في اسناد بعض عمليات الاعمار الى شركات اجنبية منها شركة هاليبرتون بعقود مبالغ فيها·
واشارت المنظمة الى ان الشركات الأجنبية التي حصلت على عقود اعمار تجاوزت عشرة ملايين دولار للمشروع الواحد اسندت المشروعات من الباطن لشركات عربية وعراقية بقيمة لا تزيد على ربع مليون دولار مما يعني التسيب في إسناد العقود رغم محدوديتها الى الان· وزاد هذا الواقع مخاوف الاستثمارات العربية من الدخول الى العراق خشية تأثرها بالفساد المنتشر هناك أو تعرضها لخسائر فادحة نتيجة غياب الامن والاستقرار وانتشار حالات الخطف والتي تجاوزت المئة حالة·
سباق التسلح
وتؤكد المؤشرات الاقتصادية المبدئية لمسيرة الاقتصادات العربية خلال العام الماضي انه لم يحدث تحسن ملحوظ في الكثير منها حيث اسفر استمرار الاوضاع المتردية بالعراق والتهديدات المستمرة لعدد من الانظمة السياسية بالمنطقة عن استمرار سباق التسلح بشكل محموم مما أثر سلبا على تنمية المجالات الاقتصادية مثل الصناعة والزراعة والتجارة وتراجع الانفاق العربي عليها بنسبة 15 في المئة خلال العام الماضي حسب تقرير عن منظمة العمل العربية حول 'واقع سوق العمل' والذي اشار الى امكانية ارتفاع اعداد العاطلين بالوطن العربي الى 32 مليون شخص بحلول عام 2010 بزيادة قدرها 20 مليونا على المستوى الحالي طالما ان الجزء الاكبر من الاموال العربية يتم توجيهه لأغراض التسلح على حساب تنمية الاستثمارات المولدة لفرص العمل·
وقد صارت حركة الاستثمارات العربية اكثر ركودا للتخوف من اندلاع اي صراعات عسكرية اخرى بالمنطقة مع التصعيد المستمر ضد بعض الانظمة·
وكشف استطلاع المنتدى الاقتصادي العالمي حول الثقة بمناخ الاعمال بمنطقة الشرق الاوسط عن توقف نحو ثلث الخطط الاستثمارية في المنطقة منذ احتلال العراق· واكد 50 في المئة ممن شملهم الاستطلاع وهم مئة مستثمر عربي وأجنبي - ان القلاقل السياسية وغياب الاستقرار من أهم اسباب تراجع الاستثمارات·
وفي مصر تراجعت الاستثمارات العربية خلال عام 2004 -حسب تقرير البنك المركزي المصري- الى أدنى مستوى لها فلم تتعد الخمسين مليون دولار في حين كانت قد تجاوزت المئتي مليون دولار عام ·2002 وحدث نفس الامر بالنسبة للاستثمارات الاجنبية التي لم تتعد خلال الشهور التسعة الاولى من عام 2004 نحو مئة مليون دولار، وإن كانت قد حققت نفس القيمة خلال الاشهر الستة الماضية حتى نهاية فبراير 2005 إلا انها متدنية اذا قُورنت بما كانت عليه خلال العام قبل الماضي 2003 حيث كان اجمالي الاستثمارات الاجنبية 850 مليون دولار·
وأكد خبراء الاقتصاد المصريون قلة النتائج لكافة المحاولات التي جرت طوال العامين الماضيين لاعادة العلاقات الاقتصادية والاستثمارية لمصر مع العراق فلم يحقق مجلس الأعمال المصري العراقي الذي أقيم باتفاقية بين مصر والحكومة العراقية المؤقتة عن نتائج مرضية كما لم يؤد معرض اعمار العراق الذي عقد بالقاهرة منتصف العام الماضي الى توفير أي فرص استثمارية جدية للمستثمرين المصريين بسبب سيطرة الشركات الأميركية على العقود الضخمة وذات الربحية العالية في حين لم تترك للشركات العربية سوى العقود القليلة الربحية· واستمرار القلاقل السياسية وغياب الاستقرار مما أدى الى عزوف المستثمرين المصريين عن دخول السوق العراقية حيث لم تدخل سوى ثلاث شركات فقط·
وقال جمال الناظر -رئيس جمعية رجال الأعمال المصريين- ان استمرار مناخ التوتر الأمني داخل العراق جعل مخططات زيادة الاستثمارات هناك أمرا محفوفا بالمخاطر خاصة في ظل حالات الاختطاف المتكررة·
وكشف عن تعثر بعض الاتفاقات التي ابرمت مع عدد من رجال الأعمال العراقيين أثناء انعقاد المعرض الأول لمستلزمات اعادة اعمار العراق الذي حضره 312 رجل أعمال عراقيا إضافة الى عدد من وزراء الحكومة المؤقتة، وتنص هذه الاتفاقات على اعداد زيارة لرجال الأعمال العرب للعراق للاطلاع على الفرص الاستثمارية المتاحة والمساهمة في اعادة الاعمار، لكن القلاقل الامنية حالت دون اتمام هذه الزيارات·
وقال ان المجالات الاكثر تأثرا بالوضع العراقي السيىء تتمثل في الصادرات حيث فقد المصدرون المصريون سوقا رائجة لهم مع سقوط بغداد، فقد كان اجمالي التجارة البينية يتعدى المليون دولار معظمها سلع زراعية وصناعية ومعدات انتاج، ومع احتلال العراق توقفت حركة التجارة البينية طوال عام 2003 ثم استعادت بعض حركتها بداية من ابريل من العام الماضي وان لم تتعد 50 الف دولار·
كما تأثرت حركة الاستثمار في مصر سواء بالنسبة للاستثمارات المحلية أو الاجنبية بسبب ارتفاع اسعار النفط مما يعني ارتفاع تكلفة الطاقة المستخدمة في الصناعة وزيادة التكلفة وارتفاع اسعار المنتج النهائي الى حد لا يمكن للمستهلك المحلي قبوله، بالاضافة الى التذبذب الخطير لأسعار العملات في الأسواق الدولية نتيجة انهيار سعر الدولار أمام اليورو جراء الزيادة المتواصلة لتكلفة احتلال العراق مما زاد من عجز الموازنة الاميركية الى 500 مليار دولار ·· كما يؤثر عدم استقرار اسعار صرف العملات الرئيسية على اسعار المواد الخام في الأسواق الدولية وزيادة تكلفة استيرادها·
وقال إن المجالات المصرية التي لم تتأثر بأوضاع العراق أهمها الأنشطة السياحية التي حققت خلال العام الماضي 5 مليارات و200 مليون دولار للمرة الأولى في تاريخ السياحة الى مصر حيث لم تتعد حصيلتها في الأعوام الماضية 3 مليارات دولار كأقصى حد، كما أرتفعت عائدات قناة السويس للمرة الأولى في تاريخها الى 3 مليارات دولار بزيادة 200 مليون دولار على العام الماضي·· وهذا الارتفاع جعل الاقتصاد المصري يحقق بعض التوازن والنمو بنسبة 3,5 في المئة خلال العام المالي 2003/·2004
واشار الى أن هذه الأموال لا تمثل استثمارات مولدة لفرص العمل· فالمؤشرات الحكومية أكدت ان نسبة البطالة لم تكن تتعدى 9,2 في المئة عام 2001 وارتفعت حاليا الى 10 في المئة·
وقال إن تشكيل الحكومة الجديدة بالعراق لن يضع نهاية لدائرة العنف الحالية ولابد من إنهاء حالة الاحتلال مع توفر الثقة بالوجوه المتوقع انضمامها للحكومة مما يؤدي الى استقرار جزئي للأوضاع· والأمر سوف يستغرق وقتا حتى يصل العراق الى الاستقرار المطلوب·
وقال احمد السيد النجار -رئيس تحرير تقرير الاتجاهات الاقتصادية- إن هناك أجواء قاتمة من الفساد في عقود إعادة الاعمار بالعراق وهناك تلاعب بالاموال العراقية وأدى التعثر المقصود للاقتصاد العراقي الى ارتفاع اعداد العاطلين بنسبة 60 في المئة وهي النسبة الاعلى في العالم بالاضافة الى ارتفاع هائل في الاسعار لكافة السلع المستوردة ومعظمها رديء لعدم وجود رقابة كما حدث انهيار لمستوى المعيشة بين العراقيين فرغم ارتفاع دخول موظفي الاجهزة الحكومية بالمقارنة بما كانت عليه في أوقات الحصار فإن القدرة الشرائية متدنية نتيجة ارتفاع الاسعار· واضاف ان الصادرات النفطية العراقية كانت تتراوح بين 1,7 مليون برميل الى 2,2 مليون برميل يوميا قبل الاحتلال والان لا تتعدى 1,5 مليون برميل وتتراجع الى 700 الف برميل في معظم الاحيان·· وتعود قلة الصادرات النفطية الى العمليات العسكرية التي يقوم بها رجال المقاومة ضد خطوط الانابيب التي يمر معظمها في مناطق ذات تجمعات سكانية كبيرة ويجعلها هدفا سهلا·
وأوضح ان هذه الاوضاع دفعت مؤشر اسعار النفط الى الارتفاع في الاسواق العالمية وفشل الافتراض الاميركي بشأن التخطيط لخفض اسعار النفط الى 16 دولارا للبرميل عن طريق رفع سقف الانتاج العراقي الى 6 ملايين برميل خلال 3 سنوات ثم الى 12 مليون برميل بعد عشر سنوات·
وقال النجار إن تأثير أوضاع العراق على الاقتصادات العربية تمثل في توقف التعاقدات بين العراق وعدد من الدول العربية فيما يخص النشاط التجاري وفق برنامج النفط مقابل الغذاء وخسر الاقتصاد العربي أحد الاسواق الرئيسية لمنتجاته اضافة الى تعثر بعض المستثمرين العرب في الحصول على مستحقاتهم بعد سقوط النظام السابق وخسر العرب اقتصادا قويا مثل الاقتصاد العراقي·
وأكد ان العائدات المالية التي تحققت للاقتصادات النفطية من وراء ارتفاع اسعار النفط -رغم ضخامتها- ليست ذات اثر ايجابي حقيقي على التنمية لاستحواذ الانفاق العسكري على جزء كبير من هذه الاموال نتيجة عدم الاستقرار بالمنطقة·
وقال ان مستقبل الاقتصادات العربية مرهون بالاستقرار الامني وإقامة نظام عراقي سليم ولن يصل العراق الى تحقيق هذا الاستقرار بمجرد تشكيل الحكومة الجديدة لأن النظام السياسي المزمع اقامته يعاني الاختلال بسبب استبعاد فئات مهمة من الشعب العراقي·
هروب الاستثمارات
وقال الدكتور مصطفى كامل السيد -مدير مركز بحوث الدول النامية بجامعة القاهرة- ان معاناة الاقتصادات العربية طوال العامين الماضيين تجسدت في بطء معدلات التنمية بالكثير من دول المنطقة وانتشار القلاقل السياسية والامنية واجواء الهيمنة على كافة دول المنطقة واعلان مشروع الشرق الاوسط الكبير وما سيترتب عليه من تغييرات جارية وادى ذلك كله إلى ان الاقتصادات العربية لم تحقق معدلات نمو مدروسة ولم تتراجع في نفس الوقت الى مستويات خطيرة لكن العائدات الكبيرة من ارتفاع اسعار النفط انعكست سلبا على اسعار السلع الاستراتيجية المستوردة مما جعل تأثير هذه العائدات منعدما على النمو الاقتصادي·
وقال ان احتلال العراق ادى إلى ضعف الاستثمارات في المنطقة واتجه الكثير منها الى دول جنوب شرق اسيا التي وفرت مناخا جيدا لها بفضل الاستقرار السياسي والاقتصادي ولهذا فان المستفيد الاوحد من وراء استمرار احتلال العراق هو دول جنوب شرق آسيا·
وأشار إلى ان معدلات البطالة في الدول العربية ارتفعت نتيجة لجمود الاستثمار وعدم تولد فرص عمل جديدة وفي مصر ارتفعت هذه المعدلات بشدة مقابل تراجع حاد للاستثمارات وهو ما ادى الى ثبات الدخل القومي المصري عند حدود 74 مليار دولار في وقت تواجه فيه الحكومة زيادة سنوية في الانفاق العام وتضخم الدين العام المحلي ليقترب من حاجز 500 مليار جنيه وبلغت الديون الخارجية 28,6 مليار دولار بزيادة ملياري دولار على العام المالي 2001/·2002
وأكد ان تولي الحكومة العراقية الجديدة مقاليد الأمور لن يؤدي الى النتائج الايجابية المطلوبة نظرا لاستمرار الاحتلال·
وأكد الدكتور ايهاب نديم -استاذ الاقتصاد بجامعة عين شمس- ان الاقتصادات العربية لن تتجاوز التأثيرات السلبية لاوضاع العراق بمجرد تشكيل الحكومة العراقية الجديدة فالقضية تتعلق بدولة تم تدميرها بالكامل وانتشرت بها اجواء الفساد بشكل خطير مما جعل مصداقية السلطة هناك محل شك ومعظم عقود الاعمار تم اسنادها الى الشركات الاميركية وشابها الفساد الذي كشفه آخر تقرير لمنظمة الشفافية الدولية مما أدى إلى تخلي الدول المانحة عن تقديم كامل المساعدات التي تم الاتفاق عليها خلال مؤتمر بمدريد وقيمتها 35 مليار دولار حيث اقتصرت هذه المساعدات على 6 مليارات دولار فقط· وقال ان اختيار الحكومة العراقية الجديدة بأسلوب ديمقراطي يمكن أن يؤدي الى عودة الاستقرار وتدفق الصادرات العربية الى العراق واحداث نمو سريع للاستثمارات العربية سواء داخل الدول العربية او بالعراق مما يؤدي الى نمو التجارة البينية لتصل إلى عشرين في المئة بدلا من ثمانية في المئة حاليا·
وتوقع ارتفاعا كبيرا للمؤشر العام لكافة البورصات العربية نتيجة زيادة المساهمات الاستثمارية الاجنبية وعودة النشاط للاستثمارات المحلية العربية والتي سيؤثر الرواج التجاري عليها بتحقيق المزيد من الارباح· كما ستعود اسعار النفط الى معدلاتها العادية بواقع 21 دولارا للبرميل وهو السعر الطبيعي الذي استقرت عليه كافة الدراسات الدولية الخاصة بالنفط·

اقرأ أيضا

«موانئ دبي» تفتتح منصة كيجالي اللوجستية