صحيفة الاتحاد

ثقافة

«أمير شاب منكب على الدراسة».. عنوان الشرق المشرق

لوحة «أمير شاب منكب على الدراسة»

لوحة «أمير شاب منكب على الدراسة»

أبوظبي (الاتحاد)

فنون الشرق في متحف اللوفر أبوظبي تبدو وكأنها تقيم في بيتها. هنا، تظهر من الشرق الذي نعيش وطأته، كل القيم والمعاني التي غيّبتها الوقائع السوداء، في اللوفر، هو الشرق الأصيل القار في الأفئدة والعواطف. شرق الحضارة والقيم والعطاء والتلاقي مع الآخر، والبحث عن التقدم والرقي والعلم. كل ذلك يتبدى، أو تختصره لوحة واحدة، من عديد المقتنيات والكنوز التي يقدمها المتحف من شرق المشرق، الذي لا تغلفه الأساطير ولا تخنقه تيارات الدم.
بهذا المعنى يقف الزائر أمام اللوحة التي تحمل عنوان «أمير شاب منكب على الدراسة» للتركي عثمان حمدي باي (أو بك) إسطنبول (1842 – 1910). وهي لوحة ألوان زيتية على قماش (الكانفاس) بمقاييس: 45.5 x73.0 x 118.2 x 13.8 سم.
رسم عثمان حمدي باي اللوحة في إسطنبول سنة 1878، وفيها يظهر شاب مستلقٍ على منصة من الرخام مغطاة بسجادة شرقية وهو يقرأ مخطوطة بيضاء موضوعة على مخدة حمراء.
يحيط بالفتى الأمير خزف عثماني أزرق وسعيفات يعلوها عمود حلزوني ملاصق للجدار وأفريز مزخرف بكتابات كوفية، ومشكاة جدارية تحوي مخطوطتين أخريين وشمعدان مسجد تعلوه شمعة ضخمة.
يرتدي الشاب لباساً قطنياً لونه فستقي، وعلى رأسه عمامة من النسيج الموصلي. وتوحي المخطوطة بالمصحف، أما المخطوطتان فقد ورد عليهما «جلائل المشهور» لمحمد حافظ بن عاش أفندي (ت 1850) وقاموس المحيط للفيروز أبادي (1329 ـ 1414)، وعلى يسار المشكاة ثمة أفريز نقش عليه «وما توفيقي إلا بالله»، وكتب الفنان عثمان حمدي اسمه بالخط نفسه على يمين المشكاة.
وعلى الرغم من أن المنظر في اللوحة يبدو منسوخاً عن مشهد واقعي حصل أمام العين مباشرة، فإن الرسام قام بتجميع وتركيب أجزائه جزءاً جزءاً، حتى اكتملت الصورة بشكلها هذا، وفق مجموعة متباينة من التشكيلات المعمارية والتفاصيل البشرية والفنية الواقعية والتخيلية، الأمر الذي اشتهر فيه كأسلوب فني احترفه، مقدماً العديد من الأعمال بصيغة اعتمد فيها على تمازج حضاري بين الشرق والغرب.
وتعتبر اللوحة أفضل مثال على نمط حمدي بك الفني الذي يمزج بين الأسلوب الغربي في الرسم والموضوع الشرقي، ففي حين عمل عليها مستعيناً بالأسلوب السائد في الغرب آنذاك، أي الأسلوب الواقعي المشغول بتقنية الألوان الزيتية، إلا أنه جسّد في ملامحها معالم الحضارة الشرقية والإسلامية، مشيراً من خلالها إلى انتمائه الثقافي والإنساني بحكم نشأته وحياته في إسطنبول ودراسته فن الرسم في باريس.
يُعد عثمان حمدي بك، مؤسس علم الآثار العثمانية، وقد لعب دوراً أساسياً في الثقافة، والعلوم والفنون التركية في القرن التاسع عشر، كما حوّل مقتنيات متحف الإمبراطورية العثمانية، إلى واحدة من أهم المجموعات الأثرية الرائدة في العالم، والذي سمي فيما بعد بمتاحف «آثار إسطنبول».
وُلد عثمان حمدي بك عام 1842م في إسطنبول لأب يوناني الأصل، وتربى في كنف أحد القادة العثمانيين، وترقى حتى صار ذا مكانة رفيعة في الإمبراطورية العثمانية.
بدأ عثمان حمدي متابعة دروسه الأولى في إسطنبول، ثم درس القانون، وفي عام 1856م، ذهب إلى باريس ليكمل دراسة القانون، لكنه أحب الرسم كثيراً، فبدأ في متابعة دروس الرسم على يد اثنين من عظماء مدرسة الاستشراق، وهما الفنان الكبير جان ليون جيروم، وجوستاف بولونجيه.
وفي عام1867م، قام عثمان حمدي بك بإرسال ثلاثة أعمال له إلى معرض باريس العالمي، بأسماء «استراحة الغجر»، و«الشهم في كمين»، و«وفاة الشهم»، ولا يعرف بالضبط مكانها.
وعندما عاد عثمان حمدي إلى إسطنبول، أسندت إليه مناصب إدارية عديدة منها، الإشراف على تطوير نصوص القانون القديمة، كما أنه أخذ على عاتقه محاربة سرقة وتهريب الآثار التي انتشرت في تلك الفترة، ووضع قوانين صارمة تحارب هذه الظاهرة للقضاء على تهريب الآثار. وهو يُعد مؤسس المتحف التركي المعاصر، وعمل على إدارته 29 عاماً.
وكان أول تركي يبتدع فكرة الحفريات العلمية أثناء إدارته للمتحف، فقد قام بالتنقيب عن الآثار في جبل نمرود، ولاجينا (مولا-ياطان) في صيدا (لبنان)، وكان من بين التحف الأثرية التي وجدت في الحفريات في صيدا، تابوت الإسكندر، الذي يُعد من روائع عالم الآثار، وتُعد من أهم الحفريات الأثرية التي أجريت في عامي 1887م و1888م.
وتناول في رسوماته، صور المرأة التركية المنفتحة المثقفة المجادلة القارئة، وقد استخدم المتعلقات التاريخية كديكور لأعماله التاريخية. لوحته «مدرب السلحفاة»، عام 1906م، و«تاجر السلاح» عام 1908م، من أكثر آثاره ابتكاراً وروعة.