الاتحاد

ثقافة

بين الحرفية والاستعمال المزدوج للغة

أمبرتو إيكو (الصور من المصدر)

أمبرتو إيكو (الصور من المصدر)

محمد نجيم (الرباط)

أصدر الشاعر والروائي والمترجم المغربي محمود عبد الغني كتابه الجديد «معجم المصطلحات الأساسية في الترجمة الأدبية»، وذلك عن دار المتوسط في إيطاليا، وهو يأتي للتأكيد، أولاً على الأهمية البالغة للترجمة في عالم اليوم، وثانياً للوقوف على أمر مفاده أن الترجمة شديدة الصلة بعلوم وحقول معرفية كثيرة، وثالثاً لإبراز المكانة المركزية التي أصبحت للترجمة اليوم في الثقافة العربية الحديثة.
إن عصرنا، يقول المؤلف في تقديم الكتاب، أصبح يكوّن أفكاراً كُبرى عن الترجمة. ويكفي أن نطّلع على المشاعر العامة، والحدوسات الذاتية التي كانت تُقنّنُ في العصور السابقة ومقارنتها مع المادّة العلمية التي أنتجها فلاسفة ولِسَانِيون وأدباء عن الترجمة اليوم، في نهاية القرن العشرين وبداية قرننا هذا، لنتبين دون عناء في تقديم الحجة أن الترجمة هي اللغة التي يتحدثها العالم اليوم، حسب تعبير أمبرتو إيكو. وتنتمي مصطلحات هذا المعجم إلى حقول عديدة: اللسانيات، اللسانيات الاجتماعية، السيميائيات، علم اللغة، البلاغة، تحليل الخطاب، علم النفس، لكنها حين تجتمع هنا، داخل هذه البوتقة، تكون مثلما تجتمع قطع غيار في محرك واحد، فتغدو وظائفها مختلفة تماماً عن وظائفها القديمة، حين تكون وحيدة ومنعزلة. إن الراعي، حين يضيع كبشٌ من قطيعه، يترك القطيع كلّه ويذهب وراء الكبش التائه تاركاً القطيع بكامله. وكثيراً ما تُهت وراء مصطلح شارد، تاركاً مجمل المصطلحات الأخرى، لكن سرعان ما أعود إليها، كما يعود الراعي لقطيعه.
ويرى عبد الغني أن الثقافة العربية الحديثة، مثل ثقافات كل العالم، مليئة بجميع ضروب ومدارات الترجمة: الحرفية، الإبداعية، الشارحة، الوفية، الخائنة... لكن من دون مواجهة نظرية تحسم في نهاية المطاف جولات هذا الوجود شبه الفوضوي. ودون وجود حسم نظري في المصطلحات المتضاربة، ودون ربط منهجي بين استعمالاتها في الحقول الأخرى، وتغيّر ألوانها حين تنتقل إلى حقل الترجمة، فكل شيء في اللغة، والدلالة، والمعنى، والخطاب، والدين، والفلسفة، والنقد الأدبي، والثقافة، والحضارة... يتماسُّ مع الترجمة تماسّاً مُدهشاً. لكن جدّة هذه الإجراءات تلوح في كلّ أفق من هذه الآفاق، ذلك لأن الترجمة حين تتأمّل موادّها، تجدّدها وتجدّد نفسها.
نموذج من المصطلحات المترجمة: Bilinguisme وBilingualism في الأدب تعني «ازدواجية اللّغة» الاستعمال المتوالي أو المتتابع للغتين (أو لعدة لغات) من طرف كاتب سواء في نتاجه منظوراً إليه ككل أو في داخل نصّ مخصوص. وقد استوحى ميخائيل باختين هذه الازدواجية للدّلالة على (الحوارية)، أي استعمال الكلمة في حقل أكثر اتساعاً لا يمتدُّ فقط إلى السّجلّات الاجتماعية للغة الواحدة، وإنّما أيضاً إلى أهلية ثقافية (معرفة علمية واسعة)، وحتى إلى كل شكل من أشكال تعدّد الأصوات التعبيرية (استشهادات، تناص، محاكاة ساخرة، إلخ..).
وقد سجّل الأدباء والكُتّاب مواقف متباينة من الازدواجية اللغوية، بناء على الاستعمال اللغوي البراجماتي، أو الارتباط العاطفي بلغة من اللغات. خصوصاً أن الكتابة بلغة معينة، في مراحل معينة، كانت تحمل ملامح اللغات التي فرضت نفسها على الكُتّاب. ويشهد على ذلك المناطق الفرانكفونية حيث يتماسُّ كُتّاب اللغة الفرنسية مع لغات أخرى.
وقد يحدث أن ينتقل كاتب معين من لغة إلى أخرى في مراحل متتالية (ميلان كونديرا، جوزيف كونراد، رشيد بوجدرة، نابوكوف، عبد الله العروي، كاتب ياسين، داي سيجي... إلخ).
حين نتأمّل واقع الازدواجية اللغوية نقف على ارتباطها الشديد بالترجمة، إذ أن التدخل اللغوي الأول للمترجم يتم من خلال هذه الازدواجية التي تساعد المترجم على منح القارئ نصّاً آخر بعد أن نقل له مخزونه التعبيري وشكله اللغوي.

اقرأ أيضا