الاتحاد

دنيا

سامية الزرو الأرض لوني وأعمالي في الفضاء


عمان ـ توفيق عابد:
شقتها متحف فني ثابت تزنِّرها اللوحات والجداريات من الجهات الأربع وحتى أرضيتها ليست من الرخام اللامع النفيس الذي يتباهى به الآخرون، وتنتصب في حديقتها مجموعة مختارة من أعمالها الفنية تقاوم الريح والمطر؛ تسجل بكبرياء مشواراً ثرياً مع الفن التشكيلي·
هذه سامية نديم الزرو الفنانة التشكيلية ابنة جبل النار صاحبة أول منحوتة في الأردن 'العائلة' التي أدخلت قطع التطريز الفلسطيني من التراث على لوحاتها الزيتية لتعبر عن نضال المرأة الريفية، ووضعت بصمات واضحة المعالم على خريطة الفن التشكيلي في فلسطين والأردن مستندة إلى تراث عربي إسلامي بما فيه من جماليات فنية تثير الانبهار والإعجاب·
قبل البدء في تسجيل الحديث قالت لـ 'دنيا الاتحاد': أكره تقليد الفنانين الغربيين وأنتقد بقسوة الذين يتخفون وراءهم تحت ذريعة التجريد، وأؤكد على الدوام أن بيئتنا أغنى وأثرى وأينما ننظر نجد الأفكار متناثرة على قارعة الطريق تنادينا وتثيرنا فالجمال كما ترى موجود حتى في (كومة زبالة)·
ليس للتزيين·
؟ بعد 25 عاماً مع الفن التشكيلي·· ما الرسالة التي نجحت في إيصالها للناس؟
؟؟ الفن ليس سهلا بل يحتاج إلى فكر وإحساس ودراسة وتسجيل مواقف وتعبير صادق، والفنان إذا ما انفعل بحدث أو موقف فإنه يتحدث بنفس اللغة· وبالنسبة لي كفلسطينية مقيمة في الأردن اشعر أننا خسرنا الهوية، وشعب من دون هوية هو شعب ضائع فما بالك إذا خسر الأرض أيضاً· الهوية هي الأرض، والإنسان بلا هوية وأرض لا يمكن أن يعبر بجماليات زخرفية ويبدع لوحات للتزيين فقط· من هنا تجد أن الهوية عنوان لوحاتي وجدارياتي، فالفنان الذي يمتلك قضية يعبر عنها بإحساس، والإحساس يسجل على مدى أيام وأسابيع وفي لحظة من الزمن يترجمها بانفعال معين لونياً، حركياً، خطياً، وهذه الأعمال عادة هي تاريخ وليست لتزيين الصالونات· بمعنى أن رسالة الفنان هي تسجيل التاريخ ولولا وجود فنانين من العصر الحجري لما وصلنا أي شيء عن حضارة العالم القديمة·
أضف إلى ذلك أنني أشعر أو ألمس وجود ادعاءات كثيرة لفنانين ناشئين يحاولون تقليد الغرب في الاتجاهات والفكر، يأخذون من معاناة فنان ما في الغرب ويحصدون النتائج تحت ذريعة التجريد، وفي الحقيقة لا يوجد تجريد في الفن لغاية الآن وما يوجد هو تعبيرية مجردة أو تجريد تعبيري لأن العمل الهادف يحتاج إلى وجود الفنان داخله، ومجرد الخربشات والخطوط والألوان لا تعبر عن شيء· العمل له نقطة ارتكاز وفي لحظة تفجر الطاقة الإبداعية والمخزون الداخلي لدى الفنان ينتقل من العقل الباطن مع أحاسيس أخرى وما عاشه من أحداث إلى سطح ما· فليس من المفروض أن يكون الفنان رساماً أو مصمماً أو خطاطاً بل يختار الخامة حسب متطلبات الفكرة والمفهوم· وأنا شخصيا أختار الرسم عندما أشعر أنني بحاجة للتعبير باللون والمساحات اللونية على سطح مسطح، كما أختار معادن أخرى وأقوم بالتشكيل والتلوين وأضيف لها خامات مختلفة مثل قطع التطريز أو الأقمشة من أجل التعبير الصادق عن موقف معين بحيث تصبح اللوحة ملخصاً لإيحاءات فكر الفنان الذي ينبع من بيئته ومعاناته والأحداث المحيطة به·
؟ تحدثت عن إيحاءات·· ما الذي يثيرك بالضبط لتتولد هذه الإيحاءات؟
؟؟ أي شيء يحرك مشاعري وحالما أعود أتفحص وأربط العلاقات، فعندما أنظر إلى شجرة زيتون أربطها بفكرة زيتونة مقتلعة من أرض وطني فيكون الواقع أقوى بالنسبة لي· إنها عملية ربط واستخلاص وتلخيص وإيجاد لغة خاصة، ولغتي هي أسلوبي في التعبير بأي خامة كانت أو موقف فأنا أعيش في الأردن لكن انتمائي ممتد يمكن أن أعرفه بأنه انتماء عربي·
لوحاتي مفتوحة
؟ لكل لوحة عنوان لكن يلاحظ أنك تشطبين العناوين ·· ماذا وراء ذلك؟
؟؟ كنت في الماضي أضع عناوين لكنني سئمت العناوين لأنها تحصر اللوحة في إطار معين؛ لوحاتي مفتوحة من دون إطارات، أشتغل في فضاء العالم ولا أعمل في الفضاء المحدد ولا أحبذ استعمال أمكنة عرض تجارية ولا أحب أن أكون محصورة بنظام معين؛ أنجز أعمالي في الفضاء وأعبر على قطع خيام أو قماش أو خشب· وأرى أن العمل الفني يجب أن يكون امتدادا ومكملا لما حوله؛ وأرفض أن أعرض داخل 'جاليري' يتحكم أصحابه في أعمالي من حيث الأسعار والإضاءة وأسلوب العرض·
؟ يبدو أن لك وجهة نظر خاصة تجاه أماكن العرض 'الجاليريهات'؟
؟؟ هذا صحيح تماماً فهي فكرة مستوردة من الغرب وعلى مدى التاريخ في العالم العربي كانت الجداريات على الجدران أمام الناس، مثل قصر عمره في الأردن وهناك زخارف جميلة جدا داخل أماكن العبادة الإسلامية والمسيحية لكي تجذب العامة للاستمتاع بجمالياتها، فلا يوجد تلقين في الفن الإسلامي رغم أنه لم يكن كله نتاج فنانين مسلمين بل الفكرة والفلسفة هي الامتداد لكنهم انتقلوا إلى المعمار الجمالي حتى يؤثروا في الشعوب· أنا أؤمن بالامتداد لأنه عمل فني· في معرض لي في بريطانيا قبل فترة وجيزة كتب مدير الأكاديمية للفنون الجميلة في لندن 'هذا الفنان ' اعتبرني رجلا ' يمكن أن يعبر ويرسم بامتداد بلا توقف'·· لقد أحس بهذا لأن كل الأعمال المعروضة من دون 'براويز·
الخيمة·· وأطفال الحجارة·
؟ سمعت أن للخيمة رمزاً معيناً في لوحاتك·· ما صحة ذلك؟
؟؟ بالتأكيد للخيمة رمز وقد استعملتها في فترة معينة وما زلت استعملها في بعض الأحيان فهي عندي موقف، فقد خرج طفل الحجارة من خيمة قدمها الغرب حتى يسكت الشعب الفلسطيني عن اغتصاب أرضه، ولا يمكنني أن أنسى أن اللجوء الفلسطيني بدأ في خيمة· العلاقة إذن واضحة بين الخيام والحجارة، والطفل الذي عاش في خيمة يعبر بالحجر ولا يستورد أسلحة من الخارج لكنهم أجبرونا في الوقت الحالي على استعمال أسلحة أخرى· هؤلاء الأبطال مدافعون عن حريتهم، مقاومون ضد العنف والاقتلاع والحرمان والتشتت·
؟ لمست من حديثك أنك غير راضية عن الحركة التشكيلية في الأردن؟
؟؟ أتكلم كفنانة عربية ومن هنا يمكنني القول إنني غير راضية عن التوجه العربي عموماً على المستوى الفني، حيث يوجد اقتباس من الغرب في اختيار وتحكيم الأعمال، وكلما كان اتجاه الفنان غربيا كان مهما وإذا كان واقعيا نابعا من جذور الأرض والشجر يبتعدون عنه، وهذا لا يعني أنني أحب 'فن الشعارات'· أنا لا أوافق على وجود شعارات قطرية لأن الفن يجب أن يكون تعبيرا 'يخضُّ' المشاهد أينما كان في الوهلة الأولى ويدفعه للإحساس بشمولية في العمل· ولعلها فرصة مواتية لأقول للمقلدين بشكل خاص أن وضع قطعة مطرزة في أي عمل فني تعبر عن المرأة ونضالها أفضل بمئات المرات من استخدام أي فكرة أو خطوط غربية، لأننا في الوطن العربي بلاد ضوء وخير وجمال طبيعي، وينبغي لكل هذا أن يكون واضحا في اللوحة· فهذا محيطي وهو جمالي لونياً وملمسياً وخطياً· نعم·· أنا ضد التقليد بل وأقود معركة ضد تقليد الغرب لأنهم سبب تعاستنا ويبحثون عن الهيمنة بادعاءات ديمقراطية·
وقبل أسبوع تقريبا مثلت العالم العربي في مؤتمر عالمي عقد في البرتغال لتحديد مسار الفنون عامة 'تشكيلية ودراما وموسيقى' لأن الفن مهمش لأسباب سياسية والتعبير الحر يحذف حتى من المناهج؛ فنحن لا نستطيع ممارسة الحرية في الجغرافيا أو الرياضيات لذلك نحتاج إلى إدخال الفن· وهذا نداء أوجهه إلى الدول العربية للتركيز على الفنون البصرية والتشكيلية والموسيقى والدراما لخلق طفل متزن قادر على اتخاذ القرارات وتحويل السياسات في العالم·
هناك مشكلة بحثت بإسهاب في مؤتمر البرتغال هي 'صناع القرار' ففي إحدى المرات سألت رئيس وزراء سابق في الأردن عن الفن فأجاب: الفن ليس أولوية·· حزنت عليه وقلت له: من عقلك بتحكي!
ففي القرى لا يوجد فنانون تشكيليون لتدريس الفنون بل يوجد حرفيون يصنعون الفخار والحياكة ويمكنهم إعطاء إيحاءات معينة للطفل حتى يتجه اتجاها فنيا ولا يبقى ضحية لعدم وجود صف أو مواد أو مدرسين· والاهم أن تكون مناهجنا مفصلة على 'مقاسنا' وميزانيتنا وعطائنا·
؟ كيف تنظرين إلى الجمال كقيمة إنسانية ؟
؟؟ الجمال موجود، وكل شخص يشعر به من زاوية رؤيته، أنا شخصيا أجده حتى في (كومة زبالة) لأن بها مضموناً جمالياً ولكن ليس بمقياس غربي بل على العمق الموجود فيها؛ والجمالية في كل شيء هي العلاقة والربط والمحيط، فالزيتونة على جبل تختلف عن زيتونة في حديقة· ونحن في العالم العربي عندنا فن يعبر عن بيئتنا وهو رائع وجميل ولا أبالغ إذا قلت أن سماءنا تختلف عن سماء بريطانيا· ويجب أن نعبر عن سمائنا وأرضنا وجبالنا وأشجارنا فالفنان في الغرب ميكانيكي همه بيع لوحاته·
لون الأرض
؟ يقال إن الفنان يميل إلى لون معين ·· ترى أي الألوان تثيرك أكثر؟
؟؟ استعمل كل لون حسب الانفعال فإذا كان انفعالي صاخبا أختار الأحمر، ولكن لا يوجد كليشيهات، ولدي القدرة بكل تواضع على استخدام عشرة ألوان معاً فأنا احب جميع الألوان، وإذا نظرت إلى الأزهار مثلا تجد جميع الألوان في تناسق يبهر العيون لكن ألوان الأرض تريحني· هناك قاعدة تقول: أن الأحمر والأزرق لا يلتقيان وهذا غير صحيح البتة بالنسبة لي، وإذا لم تقتنع بهذا الطرح ضع زهرة الشقيقة عند السماء وانظر كيف يصبح المنظر!
؟ ماذا تفعلين الآن ·· هل من جديد؟
؟؟ اشتغل الآن على جدارية لحدائق الحسين في مدينة عمان، وتتكون من '33 ' صورة وهي الآن في الطور الأخير· وتمثل الجدارية الحياة في الأردن في ظل الراحل الملك الحسين وقد دمجت فيها كل فئات الشعب من 'بياع الكعك' إلى الفارس إلى الرياضي إلى الأم والأب والبدوي لأن الناس في الأردن شعب واحد تحت قيادة واحدة، ولم يشارك أي فنان تشكيلي في هذه الجدارية بالذات لكنهم يشاركون في جداريات أخرى·
كما أعمل على جدارية أخرى مستوحاة من الحضارة ' الغسولية ' التي اكتشفت في منطقة الشونة بغور الأردن وقد اتصلت مع منقبين أستراليين وحصلت على المعلومات وعملت 'الاستكشات' وأرسلتها لهم مرة أخرى وأعجبتهم·

اقرأ أيضا