الاتحاد

دنيا

الفنان البحريني عباس يوسف: بينالي الشارقة السابع يفجِّر الأسئلة الشائكة!


حوار وتصويرـ محمد الحلواجي:
الفنان والناقد التشكيلي البحريني عباس يوسف أحد أبرز الوجوه التشكيلية الخليجية التي تمت دعوتها لحضور فعاليات بينالي الشارقة في دورته السابعة·· ومن هنا جاءت مبادرتنا لحوار هذا الفنان الذي عرف بتجربته الجرافيكية الثنائية مع الفنان عبد الجبار الغضبان، وهي إحدى الثنائيات الفنية العربية القليلة التي تميزت أيضا باقتحام وتأمل الفضاء الشعري والأدبي إلى حد التوهج بالصورة الشعرية ولغتها وإيقاعها، وما تعلنه من رؤى وتخيلات وألغاز كما هو الحال مع تجربتهما الأخيرة مع الشاعر قاسم حداد في العرض التشكيلي الشعري الذي حمل عنوان 'أيقظتني الساحرة'، حسبما رأى الروائي أمين صالح في رصده لعموم التجربة مؤخرا· فما الذي رأته عيون عباس في بينالي الشارقة؟ وما الذي فتح لديه حقا شهية التناول النقدي وطرح العلامات والأسئلة؟ هذا ما نتعرف عليه عن كثب في الفسحة التالية·
بسؤالنا لعباس يوسف عن تقييم بينالي الشارقة على خارطة التشكيل العربي·· وكيف وجد البينالي في دورته الحالية؟ بادر عباس إلى التلميح بضرورة إعادة النظر في صيغة السؤال قائلا: 'في تصوري أولا أن كلمة 'تقييم' تنطوي على تعقيدات كبيرة·· فليس من حقنا مبدئيا تقييم البينالي بعبارات من مثل: 'مستوى جيد·· أو متواضع·· أو ممتاز·· إلخ' بقدر ما يكون هناك واقعا يجب أن يرصد من خلال دهشتنا بإقبال القائمين على البينالي بمثل هذه الخطوة·· حيث أرسى البينالي منذ تأسيسه موقعا رياديا مكنه من الاستمرار في التواصل والعطاء حتى لحظة وصوله للدورة السابعة التي نشهدها حاليا·· وهذا عنصر ايجابي قياسا بالانحدارات المتواصلة التي تصيب المجتمعات العربية في جوانب الحياة الفنية بما فيها جانب اللوحة· فبمجرد أن يتكرس بينالي في دولة خليجية في هذه المنطقة أعتقد أنه يشكل رصيدا يحسب لهذه المنطقة على خارطة الفن العربي بأكملها'·
انقلاب بصري
وينظر عباس بتركيز أكثر لبينالي الشارقة في السنوات الأخيرة فيقول: 'ما لاحظناه على بينالي الشارقة هو ذلك الانقلاب الفجائي الذي حدث منذ الدورة السادسة حتى اليوم·· وهو انقلاب انصب على التعوّد البصري لدى المشاهد والمشارك في البينالي·· فالمتابعون لهذا الحدث بشكل مستمر كانوا يتوقعون أن يستمر بينالي الشارقة في خطه المعروف والقائم على استقطاب جميع صنوف الفنون بمدارسها واتجاهاتها المتعددة كالجرافيك والخط واللوحة المرسومة وفوتوغراف وتجريب وما إلى ذلك·· ولكن ما حدث في الدورتين الأخيرتين شكل كسرا حادا تماما·· وبحدة هذا الكسر ستتولد أسئلة سواء لدى المتابع المتخصص أو المتلقي·· وهي أسئلة تتصل في جوهرها بمدى صوابية هذا الكسر والطريق الذي سيؤدي إليه'·
أما اختيار ثيمة الانتماء كموضوع للبينالي فيثير في رأس عباس يوسف العديد من التساؤلات ليقول: 'إن العنونة بحد ذاتها وثيمة الانتماء تحديدا كما طرحت على أساس أنها محاولة لإيجاد ثقب في هذا الجدار الذي يعزلنا عن العالم·· تجعلني أتساءل: هل ستأخذنا هذه المحاولة إلى بر الأمان؟ ونحن لا نزال اجتماعيا وسياسيا وثقافيا نحبو كمجتمعات في بحر العولمة الجارفة؟ فمن الصعوبة بمكان أن تستوعب مجتمعاتنا العولمة كما هي مطروحة·· فما بالنا بما يحدث اليوم؟ فالبينالي الآن بهذه الشروط وبهذا العنوان يمثل نموذجا·· فهل سيحقق هذا الهدف الذي وُضع من أجله؟ إن طرح ثيمة الانتماء وعرة جدا لجهة مدى استيعابنا أو استيعاب مجتمعنا البسيط لها· فحسب ما هو مطروح الآن نجد أن فكرة الانتماء مطروحة عبر أعمال الفيديو والفن المفاهيمي من خلال التركيب· وهنا يبرز سؤال آخر: ألا يمكن لفكرة الانتماء بمفهومها الشمولي أن تتحقق من خلال اللوحة المحمولة والمرسومة والجرافيك وسواه؟ فالانتماء كما افهمه يتحقق في التواصل الإنساني مع كل أشكال الفنون·· ولا أريد أن يفهم أحد أنني أقصد بأسئلتي الوقوف بضدية مع توجه البينالي·· بل العكس فمن المؤكد أن البينالي سيكسر بعض العناصر·· ولكن ما بعد هذا الكسر المرحلي أو الآني الذي قد يستمر لعشر سنوات·· هل ستترسخ أهدافه؟ هذه هي الإشكالية التي نحن بصددها'·
قلة الحضور والمشاركات العربية كانت مدار شكوى من قبل الكثيرين من زوار بينالي الشارقة وحول هذه الظاهرة يقول عباس يوسف: 'حقيقة أثار استغرابي شحّة الحضور العربي·· فالمشاركة العربية لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة·· وهو ما يثير تساؤل حول مدى حضور مثل هذا النوع من الفن في مجتمعاتنا العربية·· أو لدى الفنان العربي نفسه· وبصورة أخرى هل يعني مشاركة هذا العدد البسيط من الفنانين العرب في البينالي أمام ذلك الكم الهائل من الأجانب هو الدفعة التحريضية الأولى لولوج الفنان العربي وإقحامه في هذا اللون من الفنون؟ بمعنى آخر هل يدلل هذا على عدم ممارسة الفنان العربي لمثل هذه الفنون!؟ أعتقد أن هذا سؤال مهم'·
لغط
ونسأل عباس يوسف عما إذا كانت لديه مقترحات لدورات البينالي المقبلة فيجيب موضحا: 'لا شك أن القائمين على البينالي أحرار في اختيارهم لثيمات وموضوعات البينالي·· ومن الصعوبة بمكان أن نقترح ونطالب بتنفيذ مقترحاتنا في ظل وجود تصور محدد للبينالي·· ولكن لضمان استمرارية البينالي أتصور وجوب التركيز على الابداعات العربية بعيدا عن الشوفينية·· إلى جانب التركيز على إبداعات دول العالم الثالث كدول جنوب شرق آسيا وأمريكا اللاتينية·· وهذا لا يعني أن هذا التصور سيكون مشفوعا بقبول نتيجة استبعاد الأساليب الأخرى من الفنون كالجرافيك واللوحة المحمولة على سبيل المثال·· فحتى لا نتسم بتطرف في المبالغة ينبغي النظر باتزان إلى اللوحة المحمولة·· فالحداثة لا تكمن في اللوحة التجريدية فقط ·· ومن المؤسف أن نشهد فهما ولغطا عاما يطرح أن الحداثة لا تتمثل إلا في التجريب·· وهذه مشكلة'·
وننقل لعباس شكوى أخرى طرحها بعض الفنانين والمهتمين في الكواليس جراء استسهال الكثير من الفنانين الشباب للفن المفاهيمي فيقول: إن سبب الصدمة المتولدة التي تصيب المتابع والمهموم بالفن يأتي بسبب مجموعة من الناس 'تدخل على الخط' بسبب هذا الاستسهال الذي يتيح لأي 'شاب شاطر يشتغل على الكومبيوتر' وليس له علاقة بالتذوق البصري أن يدخل هذا المجال كما لو كان الأمر يتعلق 'بلعبة الأتاري' لينتج عملا يتم طرحه أمام الجمهور·· وأتذكر في أكثر من مناسبة تشكيلية عربية أنه تم إقحام أمثال هؤلاء في معارض تركيبية أو تنصيبية·· فالعملية لا تتعلق بالاستسهال فقط وإنما بسهولة ما بات يُعرف بالمُنتج الفني الذي تحول في نظر البعض إلى مجرد تسلية وفسحة لتزجية الوقت·· ثم يكون لهم وجود في هذا الوسط الفني أو ذاك·· وأنا لا أتكلم هنا عن البينالي الحالي الذي يجب أن يستفيد من جميع الملاحظات من داخل أو خارج البلاد·

اقرأ أيضا