الاتحاد

دنيا

الحق في الصورة أم عليها؟


د· نصر الدين لعياضي:
كنا في مهمة صحفية بإحدى الدول الإفريقية التي كانت في السابق مستعمرة فرنسية· بعد يومين من وصولنا حاولنا أن ننوع مصادر معلوماتنا وأخبارنا عن هذه الدولة، فنزلنا إلى الشارع لنجس نبض الحياة، ونحتك بالناس في يومياتهم لنقدم صورة متكاملة عنها و عن شعبها· ووقعنا فيما يقع فيه أي سائح يزور هذا البلد لأول مرة: سحر المكان، و تضاريسه الاجتماعية المدهشة · حاولنا أن نعتقل هذه اللحظات ونوثقها، ونأخذ من تفاصيل حياة هذه الدولة أكثر مما تقدمه البطاقات البريدية المفعمة بالنظرة الاستغرابية لما يمثله هذا البلد من اختلاف وتنوع على الصعيدين الاجتماعي والثقافي·
وجدنا شيخا بلغ من العمر عتيا منكبا في الشارع الرئيسي بعاصمة هذه الدولة، ينحت بأدواته البسيطة جدا على الخشب· كان صامتا ينظر إلى ما أنجزه من تماثيل جميلة ذات الأشكال المختلفة، وأنامله النشيطة تؤدي حركات مكررة بشكل آلي وكأنها حفظت عن ظهر قلب ما يجول بمخيلته من أشكال·
اقتربنا منه محيين، وسألنه بلطف عن عمله: كم ينجز من قطعة في اليوم؟ كم يبيع في اليوم؟ ماذا تمثل بالنسبة إليه بعض التماثيل الخشبية وما علاقاتها بالمعتقدات والطقوس الشعبية الأفريقية؟ كان يرد على تساؤلاتنا بهدوء دون أن تتوقف أنامله عن العمل· ربما كان لسان حاله يقول لو توقفت عن العمل للإجابة على تساؤلات كل زائر ما نحت شيئا·
انتفض هذا الشيخ الهادئ من مكانه ووثب على مصورنا الذي أخذ صورة له ولمعروضاته· فأمسك بآلة التصوير يريد احتجازها· خشي المصور أن تتهشم بين يديه الغليظتين فسلمها له· حاولنا أن نتفاوض معه من أجل استعادة الآلة دون جدوى· لقد كان يصرخ في وجه المصور قائلا: من أعطاك الحق في تصويري؟
التف حولنا حشد من الناس المارين بالشارع ومن الباعة المتجولين والمتطفلين· وتعالت الأصوات بلغات لم نفهمها، وحاولنا عبثا أن نخفف من غضب هذا الشيخ· لقد تقدم منا أحد المحتشدين ليخبرنا بأنه يرفض أن يصور في مقر عمله! إذ يعتبر أن تصويره انتهاك لحريته الشخصية!
كدت أن أضحك على سبب هذا الرفض في بلد يحتاج إلى صيانة الحق في الحياة أولا، ثم الحق في الأكل والملبس، وبعدها تأتي بقية الحقوق··· بعد أخذ ورد استطعنا أن نرضي هذا الشيخ ببعض الفرنكات الفرنسية التي ما كان ليقبلها لولا تدخل أحد الحاضرين، وأخذنا آلة التصوير، وعدنا منزعجين ومتوترين إلى الفندق·
تساءلت في سري: ماذا يزعج هذا الشيخ إذا صور ونشرت صورته في وسائل الإعلام؟ أكيد أنها لن تنافس صورة ' كلوديا شيفر' و' مايكل جاكسون' و مارادونا'؟ ربما خشي على بضاعته من الصورة· ألم يدر بأن المؤسسات التجارية تتحايل حتى تلتقط كاميرات وسائل الإعلام سلعها لأنها تعتبرها ضربا من الإعلان المجاني؟
لكن ماذا لو كان هذا الشيخ في مستوى كبار المذيعين ونجوم الفن والطرب والسينما والتلفزيون والرياضة، وعالم المودة، فماذا سيفعل بمصورنا والصحيفة التي كلفته بالمهمة؟
الحكاية كلها صورة
المصور الفوتوغرافي الفرنسي روبير دُوَسنو يملك فلسفة خاصة في حياته المهنية، إذ يعتقد أن الصور الصادقة والفاتنة هي تلك التي تلتقط بالصدفة في تفاصيل الحياة بدون تحضير مسبق · خرج كالعادة هائما على وجهه في شوارع باريس لعله يعثر على مشهد أو منظر فريد فيفوز بتصويره· وبعد أن استنفد طاقته في المشي عرج على المقهى الذي تعود أن يلتقي فيه أصدقاءه بغية الاستراحة ، وإذا به يجد ضالته: فتاة فاتنة الجمال تتناول مشروبا بجانب شخص يكبرها سنا يرنو إليها بنظرة تودد وشراهة· فاستأذنهما المصور وأخذ لهما صورة · ونشرت صورتهما في مجلة ' لوبوان' الفرنسية في إطار ملف حول المقاهي في باريس· لقد سلم المصور هذه الصورة إلى وكالة التصوير التي يشتغل بها· إن الصحف المختلفة تتجه إلى الوكالات المصورة للحصول على ما تحتاجه من صور· بعد أسابيع قليلة نشرت الصورة ذاتها في صحيفة صغيرة تصدر عن الرابطة الفرنسية لمكافحة المشروبات الكحولية، من باب توضيح آثار المشروبات الكحولية على الأشخاص· لقد اغتاظ الشخص الذي كان موضوعا للصورة، وهو بالمناسبة أستاذ الرسم في مؤسسة تعليمية! من استغلال صورته بالشكل المذكور، واشتكى إلى المصور الذي أخذ صورته، فأبلغه هذا الأخير بكل أسف بأنه من المستحيل أن يراقب ويسيطر على كل أشكال توظيف واستغلال كل الصور التي يلتقطها· محنة هذا الأستاذ لم تقف عند هذا الحد، بل تفاقمت بعد أن نقلت إحدى صحف الإثارة الصورة ذاتها من مجلة ' لوبوان' المذكورة بدون إذن، ونشرتها مرفقة بالجملة التالية: ' الدعارة في شون إليزي'! تحول غيظ الأستاذ المذكور إلى غضب بل إلى ثورة ورفع دعوى قضائية على الصحيفة ووكالة التصوير والمصور الفوتوغرافي· وحكمت المحكمة لصالح أستاذ الرسم وألزمت الصحيفة بدفع الغرامة ، ووكالة التصوير بمبلغ مالي مرتفع رغم أن هذه الأخيرة لم تمنح هذه الصورة إلى الصحيفة المذكورة، وأخلي سبيل المصور الفوتوغرافي·
ربما يرى البعض أن ما جرى لهذا الأستاذ ورفيقته أهون مما تعرضت له هذه الفنانة أو تلك الممثلة التي تلاعبت التكنولوجية الرقمية بصورتها فركبت رأسها على جسد امرأة أخرى عارية· وظلت مترددة في رفع دعوى قضائية لاعتقادها بأنها ستزيد الطين بلة!
إن النبش عن النزاعات التي تثار بسبب الصورة يكشف بأنها لا تعد ولا تحصى، بدءا من صور الشحاذين في الأماكن العامة، مرورا بصور المعتقلين والمساجين، وصولا إلى بائعات الهوى على الأرصفة العامة، والمرضى والأموات التي تنشر في الصحف وشاشات التلفزيون بدون حذر، أي لا تمحي من ملامحهم ما يدل على هويتهم·
لعل القليل من القراء يتذكرون النقاش الذي أثير إثر قيام مجلة ' باري ماتش' الفرنسية بنشر آخر صورة لفيلسوف الوجودية :' جون بول سارتر' مسجى فوق سرير الموت بالمستشفى· لقد أخذت له هذه الصورة الوحيدة من شرفة إحدى المنازل المطلة على المستشفى بعد أن حرمت إدارته على الصحافيين والمصورين الفوتوغرافيين الدخول إلى غرفة الفيلسوف الفرنسي بعد أن فارق الحياة·
الحق في الصورة:
يؤكد رجال القانون أن لكل فرد الحق في أن تُحْتَرَم حياته الخاصة أو خصوصيته الشخصية· إن حق الشخص في صورته يضاهي حقه في اسمه، و شرفه وحياته الخاصة· بعبارة أخرى، إن الحقوقيين يرون أن الصورة هي امتداد للشخص·
لم تكن فكرة الشخص والخصوصية الفردية مفهومة بوضوح أو معترف بها قبل الثورة الفرنسية، لأن النظام الاجتماعي الذي كان سائدا في ذلك العهد لم يعترف سوى بالجماعة أو الطبقة أو الفئة الاجتماعية، ولم يهتم أصلا بالحق المدني للفرد· لكن رغم هذا فإن الحق في الصورة لم يدخل التشريعات القانونية إلا في المنتصف الثاني من القرن العشرين·
ويعرف الحق في الصورة ( بأن لكل شخص الحق المطلق والحصري في الصورة التي تؤخذ له، ولاستخداماتها· ويسمح له هذا الحق بالاعتراض على إعادة إنتاجها بدون موافقته الخاصة والصريحة)·
لا يوجد هذا الحق منفصلا عن احترام الحياة الخاصة أو الخصوصية الشخصية· إن تثبيت الحق في الصورة يرتبط أساسا بمكان التصوير· بمعنى أن أخذ صورة لشخص ما يعتبر انتهاكا لخصوصيته ولحياته الشخصية إذا لم يوافق على الصورة التي أُخِذَت له في مكان خاص·
إن الجدل القانوني ينصب، في الغالب، حول تعريف المكان الخاص وتعيينه· فما الحكم الذي يصدر بخصوص الصور التي تُؤخَذ في حفلة تجمع أفراد أسرة ما وأقاربها في فندق؟ إن طبيعة اللقاء تعتبر خاصة، لكن هل الصالة التابعة للفندق تعتبر مكانا خاصا؟
فقضية المكان الذي تم التصوير فيه تثار دائما في المحاكم، عندما ترفع بعض نجمات السينما حقهن في الصور التي أخذت لهن في مسبح بالفنادق·
لكن لا نعتقد أن مكان أخذ الصور هو الجانب الملتبس الوحيد للحق في الصورة· فعلى ضوء التعريف المقدم أعلاه يتساءل البعض، هل أن هذا الحق ينطبق على الفنانين والمغنين والممثلين، والرياضيين، ورجال السياسة والدولة كلهم بدون استثناء؟ ألا يسقط مفهوم ' الشخصية العامة' حق كل هؤلاء في الصورة؟
الكل يعلم أن نجوم الاستعراض والمودة، على سبيل المثال، يعتبرون الصورة رخصة أو سجل التجاري· انهم يشتركون مثل المصورين في العيش من خلال صورهم بمعناها الحقيقي والمجازي· فماذا لو التزم كل طرف بالتشدد في الالتزام بأحكام الحق في الصورة فمن المحتمل ألا يوجد مصورون وفنانون· وقد لا يصبح الفنان ( مغني، موسيقى، عارض أزياء، ممثل، وغيره) حقيقة مرئية·
ما وراء الصورة
يسعى نجوم الاستعراض والمودة إلى التمسك بالحق في الصورة لسببين أساسييّن، لا يخفيان على المشتغلين في حقل الإعلام والاتصال· السبب الأول يتمثل في الوقوف ضد كل من يريد استخدام صورة النجم مجانا، أما السبب الثاني، فإنه يتجسد في رغبة النجم في حماية صورته من تدهور قيمتها التجارية·
لذا يتم التمييز، عمليا، بين أخذ صورة مستعرض الأزياء بهدف إعلامي ونشرها في الجريدة التلفزيونية والصحيفة و استخدام الصورة لأغراض تجارية بعيدة عن الطابع الإخباري· ففي الحالة الأولى إن أخذ صورة له تندرج ضمن طبيعة عمله ويغطيها الراتب أو المقابل المالي الذي يتقاضاه النجم· أي أن مصمم الأزياء يحق له أخذ صور لعارضات أزيائه أثناء عملهن للإعلام والترويج· لكن لا يحق لهذا المصمم أن يسمح لشركة ما باستخدام هذه الصور في إنتاج شريط فيديو حول الموضة'المودة' لغرض تجاري بحت·
تعترف كل دول العالم تقريبا بحق الرياضيين في صورهم باستثناء إسبانيا، لأنها تمكن الرياضي من الحصول على نصيب من العائد المالي لكل استغلال تجاري لصورته·
يؤكد رجال القانون أن عدم رفض الشخص أخذ صورته، ووقوفه مبتسما أمام المصورين لا يعني أبدا الموافقة على توزيع صورته، واستعمالها لأعراض غير تلك التي وافق عليها مبدئيا· بمعنى إذا وافق شخص ما على التقاط صورته في حفل خيري بغرض نشرها في الصحف ووسائل الإعلام المرئية، فلا يحق لهذه الأخيرة أن تسوق هذه الصورة لأغراض غير إعلامية أو إخبارية، وكل اختراق لهذا الاتفاق يؤدي بوسائل الإعلام إلى مساءلة قضائية· كما أن نشر الصور بحجة أن الجميع نشرها أو أنها منشورة في هذه المجلة أو تلك لا ينفع أصلا أمام هيئة القضاء لأن هذه الأخيرة لا تعتبرها حجة قانونية· هذا ناهيك أن مثل هذه الحجة تثير قضية أخرى في غاية الأهمية تتمثل في حق منتج الصورة التي تندرج ضمن حقوق المؤلف، خاصة في هذا الظرف الذي ازداد فيه نهب الصور من شبكة الانترنت· إن الصورة تخضع مثل أي عمل إبداعي أصيل سواء كان أدبيا أو دراميا أو موسيقيا لحقوق المؤلف·
لا تقتصر مختلف التشريعات القانونية الحق في الصورة على الأشخاص فقط، بل تشمل، أيضا، صورة الممتلكات والأغراض الشخصية، رغم أن هذه الممتلكات لا تندرج ضمن أحكام الحياة الشخصية أو الخصوصية الشخصية، بل تنتمي إلى مجال آخر، وهو الحق في الملكية الخاصة· فلا يحق نشر صورة مقر سكن أحد الأشخاص أو زورقه أو كلبه، على سبيل المثال، لأنه يستطيع أن يرفع دعوى قضائية مطالبا فيها بالتعويض المالي عن الضرر المادي أو المعنوي الذي لحق به أو بممتلكاته جراء نشر صورها دون إذنه!
أسئلة الصورة
هل أن مسألة الصورة تنحصر في صاحبها ومنتجها وموزعها فقط؟ الإجابة بكل تأكيد لا· لأن الصورة لا ترتبط بالمسائل الأخلاقية الناجمة عن استغلالها في قضايا تخدش أو تجرح الحياء العام فقط، بل تتعلق بقضايا أخرى كثيرة لا تقل خطورة·
لقد اندفعت مختف القنوات التلفزيونية، بقوة، لنقل الأحداث والوقائع بصور صادمة ومفجعة: رؤوس مفصولة عن جثثها· جثث مشوهة، أشلاء أجساد متناثرة، صور التعذيب الوحشي ضد القصر أو العاجزين أو حتى الأشخاص العزل····
هذه الصور الاستعراضية التي ارتفع ' سعرها' في بورصة وسائل الإعلام المرئية تثير مسألتين أساسيتين: أولها حق الشخص المُصَوَر في صورته· إن جل القوانين والتشريعات تنص على أنه يحق لورثة هذا الشخص، في حالة وفاته، رفع دعوى قضائية على الذين استغلوا صورته، بشكل أو آخر، حيث لم يحترموا حرمة الميت أو القتيل· وثانيها، أن نقل هذه الصور عبر شاشة التلفزيون يعتبر انتهاكا لإحساس ومشاعر المشاهد في بيته، وتعديا عليه!
وفي إطار حصر هذا الحق، يذكر رجال القانون أن العائق الأساسي الذي يقف وراء إنتاج الصور وتسويقها يتمثل في الحصول على موافقة الشخص الكتابية على أخذ صورة له ونشرها وحتى تسويقها· فالأشخاص، عادة، يترددون كثيرا في الموافقة على الاستعمال المحتمل لصورهم، هذا من جهة، ويشتكي الناشرون ووسائل الإعلام من صعوبة العثور على أصحاب الصور التي يريدون إعادة إنتاجها أو إعادة نشرها قصد الحصول على موافقتهم المكتوبة، من جهة أخرى، هذا إضافة إلى ضيق الوقت المسموح به لنشر الصور المطلوبة·
هذه الصعوبة لا تلحق ضررا بالصحف والناشرين ووسائل الإعلام المرئية فقط، بل تمس، أيضا، بالحق في الإعلام· فعدم نشر الصور، بحجة احترام الحق في الصورة، يجبر وسائل الإعلام على عدم الالتزام بحق الجمهور في إعلام كامل· فالإعلام المرئي بدون صور حية يتحول إلى مجرد ثرثرة·
فالمطلوب، في نظر رجال القضاء، يتمثل في تحقيق التوازن بين الحق في الإعلام والحق في الصورة، أي بين متطلبات وسائل الإعلام وبين حقوق الأشخاص، بمعنى لابد من البحث عن آليات تميز بين الحق في الصورة والحق على الصورة· والحق على الصورة يعني ببساطة القياس الموضوعي والمعقول لحجم الأخطار والخسائر المادية والمعنوية التي تكبدها أو يتكبدها الشخص أو ممتلكاته جراء نشر الصور·

اقرأ أيضا