أشرف جمعة (أبوظبي)

تستقبل أشجار النخيل الزوار في بهجة، فتتقلب العيون لترصد الأعمدة المرتفعة في مهابة وشموخ، لتبدأ الرحلة بين جنبات صرح ظلل إمارة أبوظبي بالمعرفة ووهج الفنون، فالمجمع الثقافي الذي يجاور قصر الحصن ويتوسط البنايات الشامخات في قلب العاصمة، هو الملجأ والمكان الأرحب لتعثر الذات على نفسها وتلتقي الوجوه على ظلال الفن وأروقة الجمال، فكل ركن فيه آية شيدتها أيادي الفن وعقول التنوير، ليصبح المجمع الذي تم تأسيسه ليكون المركز الثقافي المتخصص الأول في العام 1981 قبلة المثقفين والتشكيليين وهواة الفنون والمسرح والباحثين عن تنمية مواهبهم في الخط العربي والرسم، فضلاً عن مكتبة أبوظبي للأطفال بطوابقها الثلاث التي تعد نافذة الطفولة على المعرفة والترعرع في أجواء بهيجة مفعمة بالمطالعة والترفيه.

واحة الإلهام
يستلهم المجمع الثقافي تصميمه من قصر الحصن بارتفاعه المتوازن وخطوطه الطولية وحجمه وجماله الطبيعي إلى جانب بعض تفاصيل التصميم، مثل: النوافير والأروقة واللمسات الزخرفية، حيث أصبح المجمع الثقافي واحةً للفنانين والمفكرين والمواطنين على السواء، ومركزاً ينبعث منه الضياء ونور المعرفة ويبث السلام والألفة والجمال، وبات يستحق بجدارة لقب «واحة الإلهام» وحديقة الإثراء الفكري والتعبير الفني والتبادل الثقافي، وبما أن الثقافة الإماراتية الأصيلة تسع الجميع بكرمها وضيافتها، أصبح المجمع الثقافي في غضون فترة وجيزة مكاناً لا ينساه أبداً كل من يجذبه الفن والتأمل الفكري والثقافة، فهو بحق الملاذ الوجداني والاجتماعي لمدينة أبوظبي، كما يمثل هذا المبنى الذي ينتصب بشموخ وإباء، مزيجاً معمارياً بين التراث والحداثة والحفاوة والحضور وبين الماضي والحاضر والمستقبل.

مسرح المدينة
كان أول مسرح أنشئ في المدينة هو ذلك المسرح الذي تأسس في المجمع الثقافي، والذي كان يقدم بعض الفنون الكلاسيكية كالأوبرا والباليه إلى جانب الفنون التقليدية. كما يوفر المسرح الخارجي مكاناً ملائماً لعروض أداء الأطفال، ويستقبل في الفترة الحالية عروضاً عالمية يشارك فيها نخبة من موسيقيين وعازفين ومطربين من مختلف أنحاء العالم، حيث يحرص العديد من الجمهور على التناغم مع هذه العروض فتكتظ قاعة المسرح بالكبار والصغار، تفاعلاً مع أوجه الفنون المختلفة التي تظلل المكان بصوت الفن الذي يرتقي بالروح ويوحد الجمهور على ثقافة السلام والمحبة.

تنويعات فنية
قبل الولوج إلى داخل المجمع الثقافي من الأبواب الخشبية التي تمتزج بتشكيلات الموروث الإماراتي والرسومات الإسلامية، يبرز ركن الاستقبال والذي يحيط به معرض يحتوي على إبداعات الفنانين، فتعج الرفوف بالمزهريات والمجسمات المخصصة للزينة من طيور وأشكال مختلفة، فضلاً عن حقائب مصممة بأسلوب عصري ومقاعد خشبية يظهر فيها تنويعات فنية عميقة، وهذا المعرض يجذب الزوار ويجمعهم على ألوان مختلفة من إبداعات الفنانين الذين يضعون منتجاتهم الفنية في المجمع الثقافي الذي يحوي إبداعاتهم، ويسهم في تعريف الجمهور بهم، ومن ضمن الزائرات إلى هذا المعرض بشاير الهاشمي 19 عاماً التي وجدت لديها بعض الفراغ، فكانت وجهتها من الجامعة التي تدرس فيها إلى المجمع الثقافي، فتوجهت في البداية إلى هذا المعرض، وتذكر أنها شعرت براحة نفسية، وهي تطوف بنظرها في أجواء المكان، بخاصة أن المقتنيات التي شاهدتها لامست أشياء كثيرة بداخلها كونها منسوجة بعناية وتعبر عن روح الفن، لافتة إلى أنها تحرص على زيارة المجمع لتملأ عينيها بالجمال الذي يسكن في كل زاوية فيه، وتشاركها زميلتها في الجامعة عائشة أحمد مراشدة التي أعجبت كثيراً بالآلات الوترية الموجودة في جانب آخر من المعرض، مبينةً أن المجمع الثقافي واحة للفن، والجميع ينشده ويتحرى ظلاله، بحثاً عن الطمأنينة واستغلال لحظات للتفاعل مع الفنون التي يزخر بها هذا المكان الفريد في كل شيء.

لوحات معروضة
عند الدخول من إحدى بوابات المجمع يضج معرض الفنون باللوحات التي تجذب بألوانها الزوار، وفي هذا المكان المفتوح الذي تتناثر فيه اللوحات كانت سلاف مراد، معلمة رياضيات، تتابع بشغف اللوحات المعروضة، وتجول بنظراتها الثاقبة بين الجدران وما شيده الفن في هذا المكان، وتذكر أنها جاءت مع عدد من الطلاب إلى هذا الصرح في رحلة مدرسية، وأنها على الرغم من معرفتها بالمجمع الثقافي وما يزخر به من فنون وثقافة ومعرفة، فإنها تنطر إليه بشغف الفن، وروح مفعمة بالاستمتاع بالجمال الذي ينبض في كل ركن، وترى أن المجمع ملاذ لكل أفراد المجتمع كونه يحمل رسالة تعبر عن السلام والتواؤم الإنساني والحضاري.

الخط العربي
وفي ركن الخط العربي الذي تشع حروفه على اللوحات التي تنسجها الأنامل في براعة، حيث يعمل الخطاط محمد مندي على تعليم العديد من رواد المجمع الثقافي خط النسخ والرقعة والديواني والفارسي والثلث، وجميع أنواع الخطوط التي تعبر عن جمال الفنون العربية والإسلامية، وفي القاعة المخصصة لتعليم الكبار والصغار بينت عائشة محمد أنها تحاول أن ترسم الحروف بشكل صحيح، وفقاً للقواعد المتبعة في هذه الخطوط، وأنها قررت الانضمام إلى هذا الركن لإشباع موهبتها، ومن ثم تعلم هذا الفن بشكل صحيح، بخاصة أن هناك أقلاماً معينة للكتابة وأوراق أيضاً، وأنها تشعر من خلال هذه الدروس المنظمة أنها تخطت الكثير من الحواجز، بخاصة أن المجمع الثقافي يطل بروح مغايرة ويجذب الجمهور كونه يجمع الفنون والثقافات في مكان واحد.

مرسم حر
ويتسم المرسم الحر بأنشطته الكثيرة؛ إذ يقصدها العديد ممن لديهم موهبة الرسم والتشكيل، وتذكر آمال أحمد أنها أرادت أن تنمي موهبتها في الرسم، وعندما توجهت للمرسم الحر في المجمع الثقافي اكتسبت خبرات كثيرة في رسم الطبيعة، وأنها سعيدة لكونها خلال شهر ونصف استطاعت أن تشكل لوحات متميزة، بخاصة أنها تطمح إلى أن تثقل موهبتها في هذا المجال، في ظل وجود نخبة من الرساميين الذين يمتلكون خبرات واسعة في هذا المجال، وأن بوسعها أن ترسم في المستقبل الوجوه من خلال اكتساب الخبرة والتعلم بشكل صحيح.

عروض أدائية وأوركسترا موسيقية
تنظم دائرة الثقافة والسياحة- أبوظبي سلسلة رائعة من الفعاليات الثقافية والعروض الفنية الأسبوع المقبل في المجمّع الثقافي، بما فيها حفل الدبكة العربية على الموسيقى الإلكترونية، ولقاء مع مؤلفة في مكتبة أبوظبي للأطفال، بالإضافة إلى حفل أوركسترا موسيقي. كما يواصل كل من الموسيقار كريستوف إتش مولر والموسيقار إدواردو ماكاروف من فرقة مشروع «غوتان» الشهيرة سعيهما نحو اكتشاف آفاق جديدة في عالم موسيقى «التانغو» ضمن مشروعهما الموسيقي بعنوان «أوركسترا بلازا فرانسيا».

رؤية
تجسيداً لرؤية المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، ناقش المجلس الاستشاري الوطني فكرة المركز الثقافي والمكتبة الوطنية عام 1971، وهو العام الذي شهد إعلان تأسيس الدولة، ونبعت فكرة المجمع الثقافي من الحرص على التعريف بالفن والتراث وتعزيز مشاركة المجتمع في ثقافة الحوار المفتوح، وقد ترسخت الفكرة في الإطار القانوني الأصلي للدولة في ثاني قانون صدر على الإطلاق في الدولة، وهو القانون رقم 2 لسنة 1971، وكانت هذه الفكرة أكثر من مجرد أمنية، حتى أصبح المجمّع الثقافي رمز التقدم والتطور الثقافي - كأول مؤسسة مركزية تستضيف أنشطة ثقافية في الإمارات، وبدأت الرؤية تؤتي ثمارها. وخلال فترة وجيزة، بات المجمّع معروفاً إقليمياً ودولياً بأنشطته الثقافية والأدبية المتنوعة، إضافة إلى الأنشطة المرئية وفنون الأداء.

مكتبة الأطفال
أجواء مختلفة تأخذ الزوار إلى نزهة في أجواء الكتب، من خلال توجه العائلات إلى مكتبة أبوظبي للأطفال التي تحتوي على آلاف الكتب وتشمل ثلاثة طوابق للفئات العمرية المختلفة، وتذكر الطفلة آية محمد السباعي أنها للمرة الأولى تزور المكتبة وأنها شعرت بالانبهار الشديد لكونها تتميز بمساحات واسعة، وأن الأطفال بمختلف أعمارهم يجدون فيها كل ما يرغبون به، حيث توافر الكتب وألعاب الذكاء وتعلم الكثير من المهارات، وأنها اطلعت على كل مكنوناتها ولمحت البهجة في عيون الأطفال الذين يملؤون جنباتها، ويتفاعلون مع كل أنشطتها، وهو ما يجعلها مكاناً آمناً ومتميزاً في قلب العاصمة أبوظبي.

محتوى إبداعي
أوضحت ميشيل هاكويلدر مدير مكتبة أبوظبي للأطفال في المجمع الثقافي، أنها تعد نفسها مواطنة إماراتية عربية، كونها عاشت في الدولة ما يقرب من عشرين عاماً، اطلعت من خلالها على الثقافة المحلية والحياة الحضارية والازدهار الثقافي ومنظومة القيم الاجتماعية والعادات والتقاليد.
ولفتت إلى أن الأرقام التي حققتها المكتبة منذ افتتاحها في معدل نسب الحضور كانت مرتفعة، وأنها أصبحت تجذب الزوار ليس من إمارة أبوظبي فحسب، ولكن من كل إمارات الدولة وحتى من بعض دول الخليج، نظراً للخدمات التي توفرها والورش التي تقدم، وهو ما يسهم في بناء مجتمع متكاتف، فالمكتبة بطابعها الاجتماعي استقطبت الأسر الذين تتزايد أعدادهم في الإجازات الأسبوعية، وهو ما يرسخ لديهم مفاهيم أخرى عن الحياة الاجتماعية في إطار محتوى ثقافي إبداعي تعليمي بإمكانه أن يرفع من قدرات الطفل ويزود مهاراته بشكل لافت، وأنه يجري العمل على زيادة الورش وبعض الأنشطة، نظراً للإقبال الكبير، وأنها سعيدة للنجاحات التي حققتها المكتبة في وقت قصير، بخاصة أن أنشطتها انطلقت في وقت قريب.