السبت 1 ابريل 2023 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم

تمرين أخير على الموت

تمرين أخير على الموت
20 يوليو 2011 19:35
الأعمال الكاملة للشاعر قاسم حداد (البحرين 1948) مناسَبة لرؤية ـ ورصد ـ تطور الوعي بالكتابة الشعرية من خلال انتهاج الحداثة مبكرا بكدٍّ شخصي يؤشر إلى موقف المثقف العضوي ـ المتسلح برؤية متكاملة سياسيا وفكريا وثقافيا واجتماعيا ـ ورفضه لواقعه ومحيطه. وبذا كانت قصائد قاسم حداد منذ ديوانه الأول “البشارة” (1970) مواجهة مستمرة مع ثوابت لا يتصالح معها حتى في أكثر نقاط التقاء الذات بنفسها، وتوسيع مدى المواجهة لتخص المصير الإنساني وتأمل الموت كحقيقة أزلية. سوف أبدأ الاحتكاك النصي بشعر قاسم حداد باقتباس ما كتبه نثرا أشبه بالشعر في التعريف بنفسه ضمن سيرته الذاتية في موقعه الشخصي: “هذا شخص لا يهدأ في مكان ولا يستوعبه شكل الحياة، مثل مجنون أعمى يبحث في غرفة مظلمة عن شمس ليست موجودة. لا يطمئن لجهة ولا يستقر في إقليم وليس له ثقة في ما يكتب. يسمي ما ينجزه من كتابة: التمرين الأخير على موت في حياة لا تحتمل. فهو في كل يوم وأمام أية تجربة جديدة يبدو كأنه يكتب للمرة الأولى والأخيرة في آن واحد. جسد يرتعش مثل طفل مذعور مقبل على الوحش”. يؤكد الشاعر مفهومه للكتابة كتمرين أخير على الموت في حياة مرفوضة (لا تُحتمل) منطلقا بالاحتكام لوعيه من سبب نفسي (عدم الاحتمال) لا من فقدان العدل كسبب مباشر طالما كرره في أعماله الأولى، وحضر فيها الموت أيضا، ولكن كنبوءة تموزية تؤشر للقيامة من بعد (“القيامة” عنوان ديوان قاسم الخامس 1980) وسنلاحظ أن للموت في شعر قاسم حداد وجودا خاصاً ومكانة موضوعية تصل لدرجة المهيمنة النصية التي تحرك وتشغّل تمددات النص وتوسعاته حتى خارج الذات، وفي صوت الجماعة الذي كان أول مراحل تجربته الشعرية حيث الذات متشكلة بضمير الأنا الجماعية التي تصادر صوته، وتكون بديلا عنه تحت لافتات التغيير والسير نحو الحلم. وهو ما تضمنته دواوين قاسم حداد المبكرة كـ “البشارة” و”خروج رأس الحسين من المدن الخائنة” الذي يعد مصادمة مباشرة مع الظرف السياسي القائم، وتحريضا على التغيير باستخدام رمز الرأس الذي يسافر عبر مدن كثيرة، تتنكر له وتنام عن هواجسه، وتخافه ميتا مقطوعا كما خذلته حيا ثائرا، وبعبارة المفتتح (لو ترك القطا لنام) المنسوبة لصاحب الرأس تغدو مهمة الرمز تحريضية كما وصفنا، لتندرج ضمن استخدام آخرين من شعراء ومسرحيين لواقعة مقتل الحسين ومغزى ثورته، وهذا مثلا ما وجدناه في عمله السيري الغَيري “أخبار مجنون ليلى” فالشاعر موجود في قلب العمل ومفردات سيرة قيس الملتمة من شظايا أخباره وما نسب إليه، وما تفوهت أو قامت به ليلى. ولكن عمله الشعري “قبر قاسم” بأجزائه الثلاثة أو الكتب كما يسميها (المكابدات، قبر قاسم، جنة الأخطاء) يمثل اقترابا أشد من تجربة الموت وتمثيلها شخصيا أي عبر تخيل ميتة خاصة يكابدها الشاعر بعد حياة لا تُحتمل، فيكون في فضاء خيال يعمل بطاقة مضاعفة لتصور لحظة الموت وما بعدها، فيذهب إلى أمكنة قادمة في رحلة الموت، ويخلط الأزمنة ليطل على جنات وأمكنة وأوقات وشخصيات ومواقف تؤطرها السيرة الشعرية التي صارت في هذا العمل ذاتية خالصة، تحيل تسمياتها ووصفها لاستذكار معراج المعري في “رسالة الغفران” واجواء الجنة والنار والأعراف، وهنا سيلتقي قاسم حداد بجنّات متفاوتة إحداها للاخطاء، وأخرى للفوضى، وثالثة للكتب التي تستشرف لساكنيها (قرائها) ما سيرون في القيامة القادمة: (كأننا في جنة الكتب، نقرأ كلامها: “في القيامة، عندما تجتازون الموت الأول، تفتح أمامكم أبواب الموت الثاني، فكل من ارتكب خطيئة المكابرة في حضرة الحب، أو معصية الجسد في ليل الشهوة، تجوز عليه شهادة الغائب، ويكون عليه أن ينال فهرس العذاب كانت تقول، ونحن نتوارى في أجساد مرتعشة، أرواحنا تكاد أن تذهب، كمن يسمع شيئاً ويرى سواه) حركات الوجود يمثل تقسيم العمل إلى ثلاثة كتب ترميزا وإعلاناً عما تضم الرحلة من مراحل ليست هذه المرة جنة وجحيما وأعرافاً، بل (مكابدات) ستؤدي (للقبر)؛ لتستقر في (جنة الأخطاء) التي تحمل تناقضها المقصود كونها مكانا بشريا صنعه الخيال معترفاً ببشرية الكائن، وما تنطوي عليه حياته من سمات إنسانية أفصح عنها المقتبس السابق، كالخطيئة والمعصية والعذاب الذي سيعصف بالاجساد، فيما الارواح تكاد أن تذهب مضطربة مرتبكة (كمن يسمع شيئا ويرى سواه) وهي كلها أجواء قيامة متصلة الحدوث من حياة مرفوضة تعني الموت وتمثيله في الكتاب الثاني قبرا أخذ العمل كله اسمه عنوانا له، وكأنه عنوان الرحلة ذاتها، وهي في تقسمها الثلاثي تعني أيضاً حركات الحياة الثلاث: الميلاد والموت والقيامة، لذا جاء الإيقاع مناسباً للفكرة التي تتخفى وراء نصوص العمل، فالكتاب الأول مكابدات ومعاناة تمثل ما ينال الإنسان من ألم في حياة قصيرة كأسطر الكتاب التي هي كعمر الإنسان نفسه مرقمة من 1 إلى 160 وحيث بنية الاقتصاد والتركيز والجمل الشعرية القصيرة، فثمة نصوص من بيت واحد، بينما قلَّ عدد النصوص الطويلة أو ذات الامتداد المقطعي. تتميز نصوص الكتاب الثاني بالطول، ونجد فيها عرضا لمواقف الموت وذكر القبر وصولا إلى جنة الأخطاء ذات الفضاء الخيالي القريب في بعض أجزائه من الفانتازيا، وفي الكتاب الثالث يتردد الحب بمفرداته وتداعياته في ثنايا الرحلة الخيالية المؤطرة بتوقعات وتهيؤات، تشرك القارئ وتستفز ذاكرته؛ ليستدعي نصوصا وطقوسا وتعازيم ومرائي تشكل كلها صورة موكب قادم، يصبح في بعض النصوص (كجمرة الفقدان التي نثبتها ملحقة بهذه الدراسة) موكباً جماعياً بدليل نحوي هو ضمير الجماعة المتكلمة (نا) التي تسند إليها الأفعال كلها في النص، فتزيد رهبة الموت وسطوته حيث يفز طير الروح ميتا، حين تنهال جمرة بشرية خفية هي نار المعرفة التي حرص عليها الإنسان وعانى من أجلها، و(الجمرة) التي يبدأ بها النص تخبو في آخره، حيث لا نار ستمدحنا، كما يتخلى عنصر آخر من عناصر التكوين الأربعة هو الماء الذي لا يملك أن يرثينا في نهاية الرحلة/ النص. ويلفت في خطاب الموت في شعر قاسم حداد رؤيته التي يتماهى فيها الشاعر مع النص، ويكون الموت مشتركا بينهما كقوله في إحدى شذرات المكابدات: آن للشخص أن يمنح النص ما يشتهي، آن للروح أن تنتهي وفي مقطع آخر: نقلتُ روحي من النص للحاشية، وهيّأتـُها لاحتمال الغيابْ، كأن الكتابْ، سيمنحني ناره الفاشية. ونلاحظ من موجهات القراءة عنونة أكثر من قصيدة بالفقد والفقدان، وكأن الإنسان يضيع حياته بنفسه، حين يتشهى موته ويراه، كما قال الشاعر في نصه الهام عن سيرته الذاتية (إنني أكتب الشعر لأنني خائف وفي خطر دائم. الشعر فقط يحميني من العالم. أنت لا تعرف ذلك، لأنك لن تشعر بفقد شيئ مفقود). ولعل هذا يفسر أسلوبيا احتشاد النص بالأسئلة وابتداء مقاطعه بـ(هل). وفي ثنايا هذه المرثية الاستباقية يتحرر الشاعر من وهم الشكل، فتأتي النصوص موزونة وقصائد نثر، قصيرة مكثفة وطويلة، جسدية وروحية، يتجاذبها هاجس الفقد ويؤطرها خيال وجد في مهارة الشاعر وحريته الأسلوبية حرية التمثيل والتصوير والوصف، بلغةٍ يمتاز الشاعر بالحرص عليها، وهي ذات وجهين: تبدو هادئة رصينة في ظاهرها، لكنها تقيم في باطنها عالما من التمثيلات المتمردة والجريئة والفائقة الهيجان. ماذا سيبقى عندما تنهال جمرتنا الخفية في هواء الليل ماذا يختفي فينا، وهذا ماؤنا الدموي يستعصي، وطير الروح ينتظر احتمالاً واحداً للموت. ? ? ? هل نمشي على ليل الحديد لجنّةٍ تهوي ونمدح بالمراثي، ربما ينهار أسرانا على تذكارهم ونؤجل الأسلاف. هل نمنا طويلاً كي نجرب موتنا فيَنالنا، ... ويؤلف الأشياء. ماذا ينتهي فينا ويبدأ، عندما تبقى بقايانا على باب المساء وتصطفينا شهوة المكبوت، ماذا سنقرأ في المرايا، هل نؤثث سورة الفتوى بتفسيرٍ يكافؤنا على الأخطاء. لو كنا عرفنا جمرة الفقدان، وهي علامة الشكوى، ستمدح موتنا.. متنا. ? ? ? هنا يأس سينقذنا من الأحلام، نهذي في جحيمٍ غير مكتمل ٍ لكي نسهو عن المكبوت والرغبوت. لو نار ستوقظ ماءنا... كنا تمادينا لئلا ننتهي. يا منتهانا هل سرى ترياقنا فينا فأدركنا مرارتنا وأوشكنا على ندمٍ فقدنا منحنى أحلامنا في الوهم، قلنا شعرنا كي يفضح المعنى ويغفر أجمل الأخطاء، لو قلب لنا أغفى على كراسة الأسماء كنا ننثني شغفاً، فنشهق في اندلاع الحب يذبحنا ويلهو في شظايانا. بكينا مرةً للحب، لم نكمل أغانينا. بكينا حسرةً، وتماهت الذكرى مع النسيان، لو كنا مزجنا ليل قتلانا بماء النوم لم نهمل قصائدنا على ماضٍ لنا. متنا قليلاً وانتهينا في البداية، لم نؤجل سرنا كنا انتحرنا قبل قتلانا وأخطأنا كما نهوى، فلا ماء سيرثينا ولا نار ستمدحنا
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2023©