الثلاثاء 16 أغسطس 2022 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة

«إلى الشاعر حسب الشيخ جعفر».. «كان» الكينونة

«إلى الشاعر حسب الشيخ جعفر».. «كان» الكينونة
11 أكتوبر 2018 00:10

المهدي اخريف

بعض من اطلع على «الاسترجاع» الذي كتبته عن مصطفى البوستاني عبر صراحة عن عدم ارتياحه لطريقتي السردية المشبعة بالحنينية، وهناك من لاحظ عن حقّ استخدامي المفرط للغة «كان» وأدواتها وحمولاتها التي لا تضيف جديداً إلى الكتابة، والأدهى من ذلك أنني أكثرتُ من «كان» وموازياتها في سياق إعادة ترتيب جوانب من حيوات لم تنتهِ بعْدُ ومن سِيَر أشخاص هم أحياء في المدينة (مدينة أصيلة): كانت المكتبة، كان مصطفى.. كان سيدي علي.. كان.. كانت.
عَلَّق «أحمد هاشم الريسوني»: لعله داؤنا التكويني الذي لا دواء له.. وعلَّقت «فاطمة»: بل هو الدواء لداء وجودك في راهن منفلت منك على الدوام.
لو كان «عبد الجبار السحيمي» معنا اللحظة لما تردد في اعتبار الظاهرة هذه علامة طبيعية على شيخوخة مبكرة وطبيعية تنجح غالباً في إحكام قبضتها على النفوس..
أما «خليل» فقد فَسَّر استخدامي المفرط لكان وأخواتها بوجود نزوع تفلسفي إبدالي لا واعٍ للسقوط من الزمن في الزمن، لا بالمفهوم السيوراني –نسبة إلى «سيوران» – بل بالمفهوم البنيتوي –نسبة إلى «خيسوس بنيتي» الذي سيأتي الحديث عن فلسفاته مفصّلاً في مقالات قادمة (رحل عن عالمنا منذ عقدين ونصف العقد من الزمن).
بينما رأى «عبد الكريم البسيري» في حالتي هذه، مرضاً شعرياً ضاق بأسوار القصيدة فشقَّ لنفسهمجاريَ أخرى في الكتابة النثرية.
وحده «حسن الوسيني» انفرد برأي عَبَّر عنه في رسالة خاصة وجهها إليَّ منذ أسبوع أقتطف منها هذا المقطع:
«... ويدلّ تواتُر وتَوتُّر استعمالِك لـِ«كان» ومرادفاتها على هوس بالحكي المقتول (لأنه ينقل الحدث من صيغة الراهن الحيِّ إلى الماضي الميت)، وفي الآن نفسه على رغبة في الانفلات الدائم من أسئلة الحاضر واحتمالات التحيين. فأنت بذلك تجعل حقل المتخَيَّلِ معلوماً ومادّةَ المتوقَّع مبذولةً ومأهولةً بـ(... ثمة عبارة غامضة الحروف في الرسالة لم أتمكن من فك معناها...)».

بلية العمر
لا أود الاسترسال في سوق آراء وتعليقات الأصدقاء والأقارب من الكتاب والشعراء، حسبي أن أكاشف الجميع بأن استئثار «كان» هذه ومعادلاتها بكتابتي هي بلية ابتليت بها منذ زمن بعيد وليست بظاهرة حنينية ماضوية طارئة كما قد يظن.
أجل، فمنذ سنواتي الأولى في التعليم الثانوي (في مدينة القصر الكبير شمال المغرب) اعتدتُ في الكتابات الإنشائية المختلفة التحدثَ عن المستقبل بصيغة الماضي، وبموازاة مع ذلك حفلت كتاباتي الخاصة، أعني محاولاتي الأدبية الأولى، بإفراط غير عادي في استعمال «كان» في الشعر والنثر على السواء. وإنني لأتذكر جيداً أن الرسائل الغرامية التي كنتُ أكتبها بدافع التمرُّن الأسلوبي -ربما أكثر مما بدافع العشق- إلى صاحبة «الخال الأسمهاني المحروس» كانت بدورها حافلةً بحضور «كان» هذه، بالرغم من أن الأمر كان يتعلّق بالإفصاح عن تجربة حيّة في صميم الحاضر. ولاشك عندي اليوم في أن الأثر السلبي غير المستساغ لطريقتي في نفس «المعنية بالأمر» كان له الفضل في لامبالاتها بشأني وشأن رسائلي «الغريبة».
أما في المدرسة فقد حظِي أول موضوع إنشائي كتبتُه غداة التحاقي بثانوية «المحمدي» بملاحظة مبرَّزة بالأحمر من لدن أستاذي المرحوم «بوسلهام المحمدي» تنصُّ على استعماليَ «كان» خمس عشرة مرة فيما لا يُجاوز ثلاث صفحات من الدفتر المدرسي، محوِّلا بذلك، وبلا مسوِّغ –تقول الملاحظة– حلم المستقبل إلى جثة باردة؛ إذ بينما كان المطلوب أن أكتب عن المهنة المحلوم بها في المستقبل البعيد بصيغة: «سوف.. وأتمنى..» لجأت أنا إلى الحديث بصيغة الماضي عن مهنة المحاماة. ولم أكن قرأت يومها بعد قصة يحيى حقي في مجموعة «قنديل أم هاشم»: «كن.. كان» تلك التي ينتقل فيها مدرّس ساخط على بؤسه اليومي وبقدرة حالم إلى محامٍ أبأس وأتعس.
أتذكر أن الأستاذ المحمدي نبّهني فيما بعد، غير ما مرة، إلى ضرورة تفادي استخدام «كان» هذه بإفراط، ولَمَّا لَمْ أفعل، أو بالأحرى لم يكن بمستطاعي أن أفعل –ولم أكن من المتواضعين في المادة– عمد غير ما مرة، كنوع من العقاب الرادع، إلى الانتقاص من نقاطي المحصلة في كل محاولة إنشائية وذلك بخصم نصف نقطة عن كل استخدام مكرّر لكان وأخواتها الشقيقات في الدلالة والإعراب. فكادت بليتي بـ«كان» هذه تعصف بجهودي المدرسية لولا حسن طالعي في بقية المواد الدراسية.
وأذكر جيداً بتزامن مع ذلك، تلك الملاحظة الموجعة التي علَّل بها محرر صفحة «أصوات» في جريدة «العلم»، في ركن «ردود ومناقشات» عدم نشر محاولة شعرية لي بعنوان «أغنية الغيمة» بكوني أفرطت في استعمال «كان» بغير داع وزني أو بنائي.
ومع مرور الوقت بات يتكوَّن لديَّ ما يشبه العادة المرضية المتمركزة حول «كان» ومدارِها. كل محاولاتي في التخلص أو على الأقل في تقليص نفوذها كانت تسقط مرغمة في حبائل إغرائها الشيطاني الذي لا يقاوم. ما من فائدة إذن، كتبت ذات يوم بالطبشور الأصفر على حائط قاعة المطالعة في «القسم الداخلي».. «كان» هي الكينونة، ثم جعلتُ من هذه الجملة لازمةً أخطها وأخطّطها في دفاتري بتنويعات حبرية شتى. كان ذلك بالطبع ردَّ فعل وقائياً ضد قلة حيلتي وضد محاولات زملائي وأقراني من التلاميذ الذين سعوا إلى النيل من معنوياتي بالتهكُّم عليّ بالقول وحتى بالكتابة فوق سبورة الحجرة 6 (المهدي «كانْ» ما عندو مكان)غير أن ذلك التوتر الممضَّ الناجم عن عقدة «كان» لم يلبث أن خَفَّ بل واختفى فجأة من دون أن أتذكر متى وكيف. بيد أن «كان» ذاتها لم تختف ولم تَخِفَّ بل على العكس، ظلتْ وحدها حيّةً تمسح اللحظات والأفعال. تعاقبت الأيام وتبدلت الكتابات والمواقع، وهي في المقدمة دوماً تجرُّ الحكايات المختلفة المؤتلفة صوب فلكها الذي لا يقهر. كلُّنا في «خبر كان» واقعون. ما سيكون آيل إلى «كان». أمثلُ حل أن نترك «الأشياء» تَمُرُّ وإِذ نمرُّ نحن معها يجدر بنا أن نُدمنَ ونتقن معاً مراقبة آثار ما يمرّ، لا على نحو ما فعل بروست، بل على نحو ما يستطيع كلُّ واحد منا أن يفعل بطريقته الخاصة في الإنصات للعثة وهي تنخر العظام.

كان يا ما كان
«كان يا ما كان..» ما أحلاها على لسان ذلك الراوي أيام زمان. ذات يوم جرَّب شقيقي بديع الرماد فقاقيع ترجيعاتها الصدوية في واحدة من أكثر نزواته العدميَّةِ عدميةً. أثناء إحدى جولاته الصباحية البحرية توغَّل في «كهف الحمام» حتى لا مزيد، ثم أطلق العنان لصوته المتحشرج المبحوح –بتأثير خشوع غريب- مردِّداً: «كان يا ما كان..» ثلاثاً وستين مرة بتقطيعات صوتية بطيئة متموجة، متكئاً على المَدَّات المتعاقبة لتتوالى في أرجاء الكهف الخالي والأصم الأصداء تلو الأصداء متقاطعةً متعانقةً متصاعدةً متصاديةً متنائيةً متناوحةً كأنها أضغاث أصوات جوقة تلتطم..
ويحكي بديع الرماد أن قشعريرة ناعمةً ومدوّخة عَرَته مثلما تَعْرُوهُ دائماً أيام العزلة في الزاوية الخليلية في أصيلة، بل إن أسراب الحمام التي تُقدَّر بمئات المئات رفرفتْ جميعها مذعورة مولِّيةً. ثم ظلت ترجيعات تلك الأصداء تتناسل وتتمدد حتى بعدما كَفَّ بديع الرماد عن المعاودة ساعاتٍ وساعات إلى أن انطفأتْ رويداً رويداً مع بداية المد البحري الكبير بأمواجها المتلاطمة على مدخل «كهف الحمام»: المستودع الأصم للزمن.
في بلية «كان» هذه، يقدم لنا الشاعر العراقي الكبير حسب الشيخ جعفر مثالاً شعرياً بليغاً: ذلكم هو قصيدته البديعة «نخلة الله» التي يسرني أن أختم بمقطعها الأخير المفعم بحرقة «كان»:
يا نخلة الله الوحيدةَ في الرياحْ
في كل ليل تملئين عليَّ غربتي الطويلةَ بالنواحْ
فأهُبُّ: جئتكِ.. غير أنِّي لا أضُمُّ يَدي وحُبِّي
إلّا على الظلِ الطويلِ، ولا أمُسُّ سوى الترابْ
وأنا وحيدٌ مثل جذعكِ، ظَلَّ يلفحني الغيابْ
وأجِفُّ نجماً شاحباً أو عُودَ عُشبْ.

يا نخلةً في الريحِ كنت أقولُ: يا قلبي الوَلُوعْ
من بعد عامٍ أو يزيدُ أعودُ، تسبِقُني إليْهَا
خطواتي المتعثراتُ، فكلُّ ما شيَّعتُ باقٍ في يديها
فإذا أتيتُ فَأيُّ شيء ظلَّ منكِ؟ وأيُّ شيءٍ في الجُذوعْ؟

كانت ليالي الصيفِ، عندكِ، مثقلاتٍ بالغناءْ.
مثل الغصون المثقلات..
وكنتُ أَدخلُ حين أُغمض مقلتيَّا،
منْ وشوشاتك جَنةً ملتفّةَ الأوراقِ، خَضْراءَ الضياءْ.
وأُفيقُ أسْتبقُ الطيورَ، وفي يديَّا
مما يرشُّ عليك ليلُ الصَّيْفِ ماءْ.

فإذا أتيتُ فأيُّ شيء ظلَّ منكِ؟ سوى الرمادْ
في كوخنا المهجورِ، والريحِ الصفيقةِ في الوهادْ
تلهو بأوراقي
أكانتْ كلُّ أشواقي هباءْ؟

يا نخلةً في الريح، كان يَشُدُّ أعيننا انتظارْ. مترقِّبين مَدَى النهارْ
ونَعُدُّ ما يَصْفَرُّ في وَهْج الظهيرةِ من ثِمَارْ
فإذا تهدَّلتِ الشموسُ عَليك أمطرتِ السماءْ
تَـمَراً توهَّج ملءَ أيدينا الصغيرةِ كالشموعْ
فإذا أتيتُ فأيُّ شيء ظلَّ مِنكِ؟ وأيُّ شيءٍ ظلَّ مِنِّيْ؟

شاب الصغارُ وشابَتِ الدنيا اللعوبَةُ، غير أنِّي
يا نخلةً في الريحِ، كنتُ أقولُ: يا قلبي الولوعْ
فإذا أتيتُ فأيُّ شيءٍ ظلَّ منكِ، وأيُّ شيءٍ في الجذوعْ!

 

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©