الجمعة 1 يوليو 2022
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
ثقافة
رقص باذخ على أوتار حوار الثقافات
رقص باذخ على أوتار حوار الثقافات
11 أكتوبر 2018 00:10

عادل خزام

التحدث بلغة الموسيقى ربما يكون الجسر الغائب عربياً بالنسبة لحوارنا مع الغرب. وقد يظن كثيرون أن العرب، بموسيقاهم التي لا تزال تعتمد الغناء والتأليف والعزف الميلودي الفردي، غير قادرة على مخاطبة الذائقة الغربية التي اعتادت على المقطوعات الموسيقية السيمفونية والأنغام الهارمونية المركبة، والاكتفاء بالموسيقى الخالصة من غير إضافة الغناء إليها، ولسنوات طويلة، ظلت هذه الهوة (الموسيقية) بين ثقافتين، غير قابلة للردم. وبالأخص حين تراجعت الأغنية الكلاسيكية العربية منذ بداية الثمانينيات من القرن الماضي ورحيل واعتزال أبرز رموزها، وانتشار ظاهرة موسيقى (المقاولات)، إلا فيما ندر مع حالات قليلة ظلت تحافظ على جوهر التجديد والتطوير في الموسيقى العربية، سواء في التلحين الغنائي. أو في التأليف الموسيقي.على النقيض من هذه الظاهرة، حاولت الفنون البصرية تحديداً أن تنقل الذائقة العربية إلى الغرب عبر عدد جيّد من الفنانين الذين عاشوا في هذا الغرب، وقدموا لوحاتهم وأعمالهم الفنية بدرجات متفاوتة، ومثلهم كان نصيب الأدباء العرب الذين عاشوا في باريس ولندن وبرلين، وغيرها من مدن أوروبا وتأسست لهم حصيلة ممتازة من الترجمات. غير أن كل ذلك كان يتم بمجهودات فردية على الأغلب ونتيجة صداقات واهتمامات نابعة من جهات ثقافية غربية على الأغلب، كما أن المؤسسات الثقافية العربية في أوروبا، على ندرتها، لم تكن تملك الجدارة الكافية لتقديم الثقافة العربية بكل وجوهها وأبعادها وتضاريسها.

عائد روحي
في الفترة من 21 إلى 23 سبتمبر الفائت، أقيمت في برلين الدورة الثانية من (أيام الموسيقى العربية)، وهو مهرجان سنوي يُشرف عليه عازف العود الشهير الفنان العراقي نصير شمة. ويقام في أكاديمية إدوارد سعيد، على مسرح «بيير بولتز سال»، حيث شهدت الدورة الأولى عروضاً موسيقية وأمسيات شعرية وبعض العروض السينمائية، وتوسعت هذا العام بإضافة الفنون التشكيلية في محاولة من إدارة المهرجان لتوسيع صيغ المشاركة الثقافية لتشمل جميع أوجه وأطياف الإبداع الإنساني العربي في تجلياته كلها. وبذلك أصبح هذا المهرجان قناة تواصل محورية مع الجمهور الألماني، ورافداً جوهرياً لتغذية الحضور العربي في ألمانيا، وفي أوروبا عموماً.
العائد الروحي من هذه التظاهرة تجلى منذ الليلة الأولى عندما افتتحت الأيام بمعرض فردي للفنان التشكيلي السوري المقيم في ألمانيا ناصر حسين، حيث قدّم مجموعة مختارة من أعماله الأخيرة التي تركز على الإنسان باعتباره ذاتاً تتشكل في عالمٍ من الرغبات والأماني والانعزال. حيث تظهر في جميع اللوحات ملامح لأجساد ووجوه بشرية غير واضحة المعالم وكأنها تهيم في فراغ شاسع من الفراغ الشاحب المنتشر في كل مساحة اللوحة، وكأنما هذا الفراغ هو الوطن الحقيقي. ويعتبر ناصر حسين امتداداً لفنانين سوريين سبقوه إلى برلين أشهرهم بالطبع الفنان السوري الراحل مروان قصّاب باشي الذي عاش لأكثر من خمسين سنة في برلين، وترك أثراً فنياً مهماً في ألمانيا، فناناً ومدرساً للفن وصديقاً للأدباء والفنانين، وأحد المؤثرين الكبار في الثقافة العربية عموماً.
في ليلة الافتتاح تلك، تحدّث نصير شمة إلى جمهور المعرض والمهرجان عن رغبته في تقديم ملامح ثقافية عربية كاملة وعدم الاكتفاء بالموسيقى فقط، وشدّد على نقطة جوهرية هي تقديم صورة جديدة ومختلفة وعصرية للموسيقى العربية بعيداً عن فكرة الإحياء، وكأننا نستخرج شيئاً قديما من المتحف. وبيّن أيضا أن جميع المشاركات من شعر وموسيقى وتشكيل وسينما تم اختيارها بعناية كونها تمثّل أصوات الحداثة، وتضم أبرز المشتغلين فيها في المشرق العربي ومغربه، وأيضاً بعض الفنانين العرب المقيمين في أوروبا.
وقال، «نسعى الآن إلى تقديم برنامج شامل، غير أن الشمولية لا تعني أن نقوم بتمثيل الدول العربية كلها، بل عبر عينة مختارة بعناية تمثّل تجارب مميزة، تستحق أن نسلّط الضوء عليها. في مثل هذه الفترة الحرجة، أشعر أن مسؤوليتنا كمثقفين تصبح أكبر في أن نقدم صورة تعبّر عن روح الثقافة العربية، لا سيما أنه يجري تشويهها من قبل جماعات متطرفة لا تؤمن بالحياة».

عدوان ودرويش والرومي
على المسرح الرئيسي الدائري في أكاديمية إدوارد سعيد، شاركتُ باعتباري ممثلاً للإمارات والخليج بقراءة قصيدة كنوع من التمهيد الافتتاحي لتبدأ بعدها الأمسية الموسيقية الأولى التي أحياها الفنان الفلسطيني منعم عدوان، بصحبة مجموعة من العازفين، قدم فيها مجموعة واسعة من أعماله، أبرزها قصائد قام بتلحينها لكل من جلال الدين الرومي ومحمود درويش. وتعتبر تجربة هذا الفنان مغايرة بشكل كامل في توجهاتها وأبعادها، حيث تمتاز موسيقاه بروح أصيلة مع مسحة من الصوفية العالية الظاهرة في توليد النغم العربي ومزجه قليلاً ببعض التجديد الغربي في أسلوب العزف. تضاف إليه بالطبع القدرات العالية التي يمتلكها في فن الأداء، وحنجرته الذهبية، وذكائه الموسيقي العالي الذي صقله بالدراسة الأكاديمية في باريس التي يعيش فيها حالياً. وقد تفاعل الجمهور الألماني بشكل عالٍ مع حفل هذا الفنان الذي يرى أن الموسيقى العربية تمتلك أبعاداً جمالية تجعلها أغلى حتى من الذهب لو عرفنا كيف نوظفها في حوارنا الثقافي مع العالم.
في صبيحة اليوم الثاني، تم عرض عشرة أفلام قصيرة من مهرجان «3 دقائق في 3 أيام» (3 Minutes 3 Days) الذي يديره المخرج حكمت البيضاني في بغداد. ويسرد كل فيلم قصة متكاملة في ثلاث دقائق فقط. ثم في فترة الظهيرة تم عرض فيلم «لندن غدًا» (London Tomorrow)، للمخرج نمر راشد، والذي يتناول رحلة فتى وحيد عالق في كاليه يحاول العبور إلى بريطانيا. ثم في المساء تقدّم الشاعر الفلسطيني الرائع غسّان زقطان ليقرأ قليلاً من شعره مفتتحاً بأروع الكلمات والصور الحفل الموسيقي الذي أحياه طلبة بيت العود في أبوظبي وجميعهم من المنتسبين في تعلّم العزف على آلة القانون وتتراوح أعمارهم ما بين ين 12 - 16 سنة. بقيادة المدرب الفنان بسام عبدالستّار. وقدمت هذه الأمسية الملفتة وعداً بأمل جميل ينتظر هؤلاء العازفين الذين يتعاملون مع واحدة من أصعب الآلات الموسيقية. وقد شُغف الجمهور الألماني الذي ملأ القاعات حتى آخرها بهذا الحفل. وبالأخص حين عزفت المجموعة أغنية كلاسيكية من التراث الألماني.

الشعراء ونصير شمة
في اليوم الثالث، جاء دور الشعر، حيث تناوب الشعراء عادل خزام (الإمارات) غسان زقطان (فلسطين) رشا عمران (سوريا) وياسر الزيات (مصر) في قراءة أحدث نصوصهم الشعرية مع بعض الترجمات المكتوبة. ومثلت هذه الأصوات الشعر العربي الحديث بكل ما يحمله من استدعاء لحالة الذات في بحثها عن الضوء الكامن في القلب، والذات المتشظية في سؤال الحقيقة التي تظل تنفلت كلما اقتربنا من القبض على سرابها.
توّج المهرجان بحفل نصير شمّه مع مرافقيه، وهم الإسبانيان كارلوس بنيانا (غيتار)، وميغيل إنخل (إيقاع غربي -درمز)، والباكستانيان أشرف شريف خان (سيتار)، وشهباز حسين (إيقاع شرقي). وفيها صدحت الموسيقى بلغة روحية عالية عندما اختلطت نغمات الآلات الوترية العود والسيتار والغيتار مع الإيقاعات في مزيج مذهل رفع من حرارة المهرجان حتى الذروة. وفي الحفل، برزت الإمكانات الهائلة لآلة العود باعتباره الأب الأول لكل من الغيتار والسيتار، وبرع نصير في ابتكار التنويعات والمعزوفات وترك مساحة بين كل عازف وآخر لتقديم صولوهات منفردة قبل أن تعود المجموعة لتلتحم في تصاعد النغم عند الخاتمة. عزف نصير من مؤلفاته، وعرج قليلاً على بعض أشهر المعزوفات المستوحاة من تراث الموسيقى العربية مضيفاً إليها بعضاً من روحه وطريقته في العزف، وهو ما بث شحنة عالية من الضوء في أرجاء المسرح كله.
نجحت أيام الموسيقى العربية في برلين في استقطاب الجمهور حتى امتلأت الكراسي عن آخرها. وحتى امتدّ التصفيق طويلاً. وهو نجاح ينبغي أن يكرّس ويكبر من أجل اتساع نهر الحوار ليظل يغذي أشجار الجمال كلها.

مسؤولية

نسعى إلى تقديم برنامج شامل، غير أن الشمولية لا تعني أن نقوم بتمثيل الدول العربية كلها، بل عبر عينة مختارة بعناية تمثّل تجارب مميزة تستحق أن نسلّط الضوء عليها. في مثل هذه الفترة الحرجة، أشعر أن مسؤوليتنا كمثقفين تصبح أكبر في أن نقدم صورة تعبّر عن روح الثقافة العربية، لا سيما أنه يجري تشويهها من قبل جماعات متطرفة لا تؤمن بالحياة.

نصير شمة

 

 

 

 

جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الاتحاد 2022©