الاتحاد

الإمارات

الإمارات ومصر.. الشراكة النموذج

أحمد عبدالعزيز (أبوظبي)

تربط الإمارات ومصر علاقات أخوية وطيدة تمتد لخمسة عقود، كان لها دورها في توحيد مواقف البلدين تجاه القضايا الإقليمية والدولية والتكاتف في مواجهة التحديات والأزمات التي تمر بها المنطقة العربية، وكأنهما جسدان بروح واحدة. وباتت مواقف المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، وحكام الإمارات تجاه جمهورية مصر العربية، تمثل رباطاً داعماً للأخوة بين زعماء البلدين على مدار التاريخ الحديث، علاوة على التقارب الثقافي بين المجتمعين الإماراتي والمصري الذي خلق نسيجاً واحداً لا يمكن أن تفرقه الأحداث. ولعل أحد أهم الشواهد التي تؤكد المكانة المميزة التي تحتلها دولة الإمارات في قلوب المصريين، وجود اسم المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، في مدن وطرق كبرى في مصر مثل حي الشيخ زايد، حيث ترتبط هذه المناطق بمواقف إنسانية عظيمة ووقفات تاريخية للراحل الكبير بدءاً من حرب أكتوبر 1973.
وقد وصفت وزارة الخارجية والتعاون الدولي في تقرير لها، العلاقات الإماراتية المصرية بأنها نموذج يحتذى به في العلاقات العربية العربية سواء من حيث قوتها ومتانتها وقيامها على أسس راسخة من التقدير والاحترام المتبادل والمصالح المشتركة أو من حيث استقرارها ونموها المستمر، أو من حيث ديناميكية هذه العلاقات والتواصل المستمر بين قيادتي البلدين وكبار المسؤولين فيهما.
ويرجع تاريخ العلاقات بين البلدين إلى ما قبل عام 1971 الذي شهد اتحاد الإمارات السبع في دولة واحدة هي دولة الإمارات العربية المتحدة تحت قيادة المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه. وإجمالاً، فإن العلاقات تميزت بالخصوصية والروابط الأخوية الوثيقة بين حكام البلدين مما ينعكس إيجاباً على مجمل العلاقات الثنائية في مساراتها الرسمية على المستويين السياسي والاقتصادي وعلى المستوى الشعبي ثقافياً واجتماعياً وتجارياً. وأهم ما يميز العلاقات السياسية بين البلدين قدرتها على إرساء جذور الصداقة والأخوة القائمة بينهما وتطويرها وفق إطار تحكمه أهداف مشتركة عدة أهمها التضامن والعمل العربي المشترك وبذل الجهود في المحافل الدولية على نبذ العنف وحل الخلافات بالطرق السلمية.

أسس الشراكة
وتستند العلاقات بين البلدين إلى أسس ثابته أهمها الشراكة الاستراتيجية لتحقيق مصالح الشعبين ومواجهة التحديات الإقليمية الراهنة التي تشهدها المنطقة العربية، فضلاً عن تأسيس لجان مشتركة للتشاور السياسي، حيث تم إنشاء لجنة عليا مشتركة برئاسة رئيسي مجلس الوزراء في كلا البلدين، وعقدت الجولة الثالثة من المشاورات السياسية في نوفمبر 2014 بالإمارات، وسبقها انعقاد الدورة الثانية من اللجنة القنصلية المصرية - الإماراتية المشتركة في يناير 2013.

زيارات قيادتي البلدين
في 18 يناير 2015، قام فخامة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي بأول زيارة رسمية لدولة الإمارات منذ تولي منصبه، وعقد خلالها مباحثات رسمية مع صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي «رعاه الله»، وصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة.
وفي أكتوبر 2015، قام الرئيس المصري بزيارة ثانية لدولة الإمارات العربية المتحدة، في مستهل جولة آسيوية شملت الهند والبحرين، حيث تم التباحث حول سبل دعم العلاقات الثنائية فضلاً عن الأوضاع الإقليمية.
وفي المقابل، قام صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، بعدة زيارات لجمهورية مصر العربية، كما ترأس صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم وفداً شارك في القمة الاقتصادية التي عقدت بشرم الشيخ، وافتتاح قناة السويس الجديدة في أغسطس 2015.
وقام الرئيس السيسي بزيارة للإمارات في احتفالات الدولة باليوم الوطني الخامس والأربعين في الثاني من ديسمبر عام 2016.
وقام صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان بزيارتين متتاليتين لجمهورية مصر العربية في شهري أبريل ومايو 2016، حيث أكد سموه خلال الزيارة موقف الإمارات الداعم لمصر والمؤيد لحق شعبها في التنمية والاستقرار والنمو، مشيراً إلى أن مصر تعد ركيزة للاستقرار وصماماً للأمان في منطقة الشرق الأوسط بما تمثله من ثقل سياسي وأمني في المنطقة، وأعقبهما بزيارة في نوفمبر 2016.
كما زار الرئيس عبدالفتاح السيسي الإمارات في مايو 2017 واستقبله صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وبحث الجانبان مستجدات الوضع الإقليمي في ضوء الأزمات التي تشهدها سوريا واليمن وليبيا والتحديات التي تواجه الأمة العربية وعلى رأسها خطر الإرهاب.

التميز الحكومي
ووقعت مؤسسة محمد بن راشد آل مكتوم للمعرفة اتفاقية شراكة مع هيئة تنمية صناعة التكنولوجيا في مصر، بهدف توحيد الجهود بمجالات المعرفة لتنظيم «ملتقى العرب للابتكار» في مصر.
وسبق الاتفاق انعقاد مؤتمر مصر للتميز الحكومي 2018 بدعم من دولة الإمارات وتفعيلاً للشراكة الاستراتيجية وتبادل الخبرات بين البلدين بهدف بناء نموذج إداري عربي والذي شهده أكثر من 2500 مسؤول حكومي في استعراض التجارب الناجحة في التميز بالبلدين.

التنسيق المشترك
وفي عام 2008، تم التوقيع على مذكرتي تفاهم بشأن المشاورات السياسية بين وزارتي الخارجية المصرية والإماراتية وتنص المذكرة على أن يقوم الطرفان بعقد محادثات ومشاورات ثنائية بطريقة منتظمة لمناقشة جميع أوجه العلاقات الثنائية وتبادل وجهات النظر بشأن القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.
وتم الاتفاق في عام 2017، لمزيد من التنسيق المشترك، على تشكيل آلية تشاور سياسي ثنائية تجتمع كل ستة أشهر مرة على مستوى وزراء الخارجية والأخرى تجتمع على مستوى كبار المسؤولين.

الثقافة والتعليم
تولي القيادة الرشيدة في دولة الإمارات على مر تاريخها الثقافة والتعليم أولوية قصوى ولا تزال تهتم بدعم الثقافة والتاريخ والتراث والعلم في مصر، وذلك في إطار حرص البلدين على تعزيز التعاون في تلك المجالات لما تشكله من أهمية قصوى في بناء العقول التي تقود الأمة نحو مستقبل أفضل.
ووضعت الإمارات بصمات في هذين المجالين، وبدءاً من شهر فبراير عام 1990 تبرع المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، بمبلغ 20 مليون دولار لإحياء مكتبة الإسكندرية القديمة، وذلك تعبيراً عن تقديره للشقيقة الكبرى مصر، ودعماً للثقافة والتعليم فيها، وهو النهج الذي مضى فيه قدماً أبناؤه من بعده في مسانداتهم لهذا القطاع في أكثر من مكان اتساقاً مع نهج الإمارات في دعم المؤسسات الثقافية والتعليمية داخل الدولة وخارجها.
وعلى صعيد المكتبات، ففي مارس عام 2014 تم الإعلان عن بدء العمل في مشروع إنشاء مكتبة الأزهر الجديدة بتمويل إماراتي على مساحة 20 ألف متر مربع، وبتقنيات متطورة، ما يسهم في ربط الأزهر الشريف إلكترونياً، إقليمياً وعالمياً، وتوفير أحدث المراجع العلمية التي تتيح للطلاب الاستفادة منها.
وضمت المشروعات الإماراتية التنموية أيضاً تمويل وتشييد 100 مدرسة في 18 محافظة مصرية بموازنة فعلية بلغت 71.2 مليون دولار، وتضم تلك المدارس حوالي 1877 فصلاً دراسياً وتستوعب أكثر من 67 ألف طالب وطالبة.
كما قدمت الإمارات منحة قدرها 50 مليون دولار لترميم متحف الفن الإسلامي بعد تضرره من العمليات الإرهابية التي شهدتها مصر، كما أسهمت المنحة في إعادة إعمار وإمداد متحف الفن الإسلامي وتجهيزه بالكامل للتشغيل مرة أخرى مع تحديث وتطوير جميع الأنظمة الخاصة به.

مواقف وقضايا
تشترك مصر والإمارات في المواقف السياسية تجاه القضايا الإقليمية والعالمية لاسيما محاربة الإرهاب والفكر المتطرف علاوة على المواقف المتشابهة بشأن الأزمات الإقليمية الراهنة في سوريا والعراق وليبيا واليمن، ومواجهة التدخل الخارجي في شؤون بعض الدول العربية.
وتشهد ذاكرة التاريخ بأن مصر كانت من أولى الدول التي أيدت اتحاد دولة الإمارات العربية المتحدة فور إعلانه عام 1971، فيما ساندت الإمارات مصر في حرب 1973 لتحرير الأرض، وسطرت كلمات المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، التي قال فيها: «البترول ليس أغلى من الدم العربي» ذلك الموقف بحروف من نور، هذا وصولاً إلى أن الإمارات كانت من أولى الدول التي دعمت مصر عقب ثورة 30 يونيو وكذلك مساندتها في تنفيذ خريطة الطريق.

دعم إرادة المصريين
شهدت العلاقات الإماراتية - المصرية دفعة قوية عقب ثورة 30 يونيو، إذ أيدت أبوظبي تولي المستشار عدلي منصور رئاسة مصر، وأكدت دعمها الكامل والمستمر للشعب المصري في تنفيذ خريطة الطريق التي أعلنتها القوات المسلحة بمشاركة القوى السياسية والدينية.
وشهدت السنوات الماضية تنسيقاً وثيقاً بين البلدين على الصعيد السياسي ولاسيما حيال القضايا الرئيسة مثل القضية الفلسطينية والعراقية واللبنانية وغيرها.
وتعددت لقاءات قيادتي البلدين ومسؤوليها للتنسيق بشأن المواقف وهو ما أظهر نجاحاً كبيراً في العديد من الملفات التي تحظى باهتمام الجانبين، وكان استثمار تلك العلاقات السياسية المتميزة نصب عيني القيادة في البلدين بهدف الارتقاء بالعلاقات الاقتصادية والثقافية والعلمية بين البلدين.

دور تنموي إماراتي
تقوم الدولة بدور تنموي في مصر، حيث ارتبط صندوق أبوظبي للتنمية الذراع التنموية لأبوظبي مع الحكومة المصرية بعلاقات شراكة استراتيجية بدأت منذ 1974. ومول الصندوق منذ ذلك التاريخ 64 مشروعاً تنموياً بقيمة بلغت أكثر من 4 مليارات درهم من خلال المنح الحكومية والقروض الميسرة التي غطت عدة قطاعات تنموية أساسية أهمها النقل والمواصلات والإسكان والزراعة والري والطاقة والكهرباء والصناعة والتعدين إضافة إلى التعليم والرعاية الصحية.

الإسكان
في قطاع الإسكان، ساهم الصندوق بتمويل آلاف الوحدات السكنية في مصر من خلال منح حكومية وقروض ميسرة، ومن أبرز المشاريع التي مولها الصندوق مشروع مدينة الشيخ زايد، وهو مشروع مدينة متكاملة بقيمة 735 مليون درهم. كما مول الصندوق في عام 1991 مشروع مساكن الفلاحين في الخطارة بالإضافة إلى البنية التحتية المرافقة للمشروع. وفي عام 2000، قام الصندوق بتمويل المشروع الاستراتيجي المهم وهو منشأة ناصر والذي يضم 8500 وحدة سكنية بجميع ما يلزمها من مرافق وخدمات بقيمة 661 مليون درهم.

الزراعة
شملت مشروعات الصندوق مشروعات الزراعة حيث مول مشاريع الاستصلاح للأراضي غرب النوبارية وإعادة توطين أعداد كبيرة من المزارعين وخلق فرص عمل لهم، كما أسهم مشروعا ترعة الحمام بالساحل الشمالي وترعة الشيخ زايد في غرب سيناء في توفير أنظمة ري فعالة لمساحات زراعية شاسعة.
ومول الصندوق مشاريع جنوب الوادي من خلال إنشاء ترعة لري مساحة 100 ألف فدان كجزء من منظومة الري المتكامل ويعتبر حفر قناة الشيخ زايد جزءاً حيوياً من مشروع تنمية جنوب الوادي في منطقة توشكى والتي أسهمت في خلق دلتا جديدة جنوب الصحراء موازية لنهر النيل.
ومول الصندوق في 1975 إنشاء محطة كهرباء أبو قير بقيمة 128 مليون درهم وعمل المشروع على تأمين الطاقة الكهربائية للمصانع في المنطقة الصناعية بالإسكندرية وأبوقير، وتوفير متطلبات المنشآت الصناعية الجديدة.

النقل
في قطاع النقل، أسهم الصندوق في 1974 بتمويل إعادة فتح المرحلة الأولى لقناة السويس ما عزز بشكل كبير الحركة التجارية والكفاءة التشغيلية للقناة، وفي عام 1977 أسهم الصندوق في تطوير قناة السويس (المرحلة الثانية) وجاء مشروع تطوير قناة السويس لاستكمال عملية التوسعة للقناة وتأهيلها بحيث تكون أكثر قدرة وفاعلية على استقبال سفن الشحن العملاقة واختصار المدة الزمنية في عبور القناة.
وعلى صعيد التنمية الاجتماعية، قدم الصندوق في عام 1991 مبلغاً قيمته 184 مليون درهم لدعم صندوق التنمية الاجتماعية، وفي عام 1997 قدم مبلغاً إضافياً بقيمة 37 مليون درهم للمشروع ذاته، حيث يهدف المشروع إلى تمكين المواطنين المصريين من إيجاد فرص عمل مناسبة لهم وتمكن الصندوق من إنشاء أعداد كبيرة من المشاريع والمنشآت الصغيرة والمتوسطة التي أسهمت في إيجاد فرص عمل تتراوح بين 50 و70 ألف فرصة عمل سنوياً.

اقرأ أيضا

محمد بن راشد: مبادرة وطنية لترسيخ التسامح وتكريسه في برامج الحكومة