صحيفة الاتحاد

الإمارات

الإسلام السياسي يشعل الصراعات ويهدد أمن المجتمعات

دينا مصطفى (أبوظبي)

شهد ملتقى أبوظبي الاستراتيجي الرابع في يومه الثاني والأخير أمس، جلسة مهمة بعنوان، «مستقبل الإسلام السياسي وقضايا التطرف والإرهاب»، حيث رأى المشاركون أن الطرح لكل جماعات الإسلام السياسي واحد، رغم ما يبدو من اختلاف الوسائل بينها. وأكد محمد الحمادي، المدير التنفيذي للتحرير والنشر في «شركة أبوظبي للإعلام»، رئيس تحرير «الاتحاد»، الذي أدار النقاش على فكرة ارتباط الجماعات الإرهابية حول العالم بالإسلام السياسي، وذلك الخيط الرفيع الذي يربط بين صعود الجماعات الإرهابية، مثل داعش وجماعة الإخوان الإرهابية ومليشيات حزب الله، وتصاعد المشاكل والاضطرابات في المنطقة. فجماعة الإسلام السياسي تهدد أمن المجتمعات العربية، وسبب الأزمات في كل العراق واليمن وليبيا وسوريا، وكانت تحمل أفكاراً في الماضي، والآن أصبحت تحمل سلاحاً وبنادق، وتتاجر بالدم.

بدأ الحمادي الجلسة بسؤال الحضور عن مستقبل الإسلام السياسي في المنطقة في ظل ما تمارسه تنظيماته من عنف وتطرف وراديكالية. ورأى الدكتور رضوان السيد أستاذ الدراسات الإسلامية في الجامعة الأميركية في بيروت أن استخدام الدين في السياسة يضر بالدين أكثر من ضرره بالسياسة، وأن بعض الشعبية المتبقية لجماعات الإسلام السياسي تعود بسبب الأفكار التي دأبت على نشرها خلال نصف القرن الماضي. وقال، إن الفكرة المترسخة عند هذه الجماعات أن الإسلام دين ودولة، وبالتالي فهم يضغطون لدخول الانتخابات للوصول إلى الحكم وتنفيذ الشريعة، ومنهم من يحمل السلاح لحماية الإسلام.

انهيار أخلاقي

ورأى السيد أنه مازال هناك للأسف مناصرون له، فقد حاولت إدارة أوباما دعم جماعة الإخوان الإرهابية، ظناً منها أنه الإسلام السياسي المعتدل، فخاب ظنهم عندما اتجه الإخوان بعد ذلك إلى حمل السلاح، وبالتالي اكتشفوا أن مستقبل جماعة الإخوان الإرهابية، مثل مستقبل أي جماعة إرهابية أخرى. فالاتجاهات العالمية التي تنبأت بوقوف الإسلام السياسي في وجه الإسلام الجهادي لم ولن تتحقق. وأضاف أن جماعة الإخوان التي يمثلها على سبيل المثال راشد الغنوشي في تونس ليس لديها أي مانع للتحالف مع أي طرف شيوعي أو قومي من أجل مصلحتها، معتبراً استغلال الدين لتحقيق مآرب سياسية قمة الانهيار الأخلاقي، فالرسول عليه الصلاة والسلام أقام دولة مدنية عند دخول المدينة، فإذا أردنا بقاء الإسلام دين الاعتدال والسماحة يجب عدم إدخاله في السياسة التي تعتمد على المصالح، فالمجتمعات تحتاج إلى الدين المعتدل. وشدد على أن استقرار المجتمعات يعتمد على عدم التصاق النخبة بالدين أو استغلاله لتحقيق أهدافهم فيصبح الدين لعبة في الصراع السياسي ليخرج منه متطرفون ومتعصبون.

وقال السيد، إن الأحزاب المسيحية الديمقراطية في الغرب هي سلطة أخلاقية فالقانون المدني المظلة التي تحكم الجميع. وأكد أن الإرهاب طال العديد من الدول العربية إلا دولاً معدودة، مثل الإمارات ويجب انتهاج نهجها الذي يعتمد على الدولة الوطنية، فالاستقرار الديني يجب فصله عن الدولة حتى يستق، فالدولة الوطنية تعيد الاعتدال إلى الدين. وأرجع النهج العنيف الذي تنتهجه إيران إلى أفكارها الأصولية. وتابع أن ناتج الثورات والانتفاضات في العالم العربي منذ 2011، كان تجنيد آلاف الشباب العربي من سوريا وليبيا والعراق واليمن، وغيرها الذين يظنون أنهم يحمون دينهم، وبالتالي إقامة دول وطنية بمظلة تحمي الجميع هو السبيل الوحيد لاحتواء الأزمة. كما شدد على أهمية تأسيس مؤسسات دينية مستقلة عن السياسة هدفها توضيح مفاهيم الدين الصحيحة، كما يحتاج الشباب في المنطقة، أي قيادات وحكومات تمنحهم الطمأنينة وتحكمهم بالعدل لضمان عدم تجنيدهم وتجنيد هوياتهم على أسس مذهبية طائفية.

فك الارتباط

أما الدكتور عبدالله ولد آباه أستاذ الدراسات الفلسفية والاجتماعية في جامعة نواكشوط، فرأى أن إعلان بعض جماعات الإسلام السياسي فك الارتباط بين الجانب الدعوي والجانب السياسي ليس إلا تعبيراً عن المأزق الذي باتت تعيشه هذه الجماعات، بعد أن فشلت في التأقلم مع المجال السياسي الذي تسعى لدخوله بكل قوة. وقال «إن الهزيمة العسكرية لـ «داعش» جعلتنا بالتأكيد في وضع أفضل، بالإضافة إلى أن الإسلام السياسي أصبح فعلاً في مأزق بعد أن أصبح قوة تدمير للمجتمع داخل أي دولة». وأضاف أنه قبل عدة سنوات كانت هناك تحالفات للقوى السياسية مع الحركات الإسلامية في مصر وتونس وسوريا والآن اكتشفت جميع الأنظمة فشل هذه الحركات وتطرفها.وقال ولد آباه، إن الغرب هو الذي أنشأ الإسلام السياسي والدول الغربية الكبرى هي التي احتضنت جماعة الإسلام السياسي. ورأى أن الظواهر الإرهابية مرتبطة بسياق المجتمع الغربي وجماعات الإسلام الإرهابية هم من فتحوا الباب على أنفسهم باعتناقهم للأفكار المتطرفة التي تكفر المجتمعات وتقتل الأبرياء. وأضاف أن حركات الإسلام السياسي جزء كبير من المشاكل التي يعانيها الوطن العربي، كما أنها تضعف من سرعة تطور المجتمعات وتضر بعلاقاتها بالدول الأخرى. فتجارب الانتقال السياسي هي التي قضت على الوطنية ونحتاج إلى إعادة صياغة للهندسة السياسية لمجتمعاتنا، لأن تجارب الإصلاح السياسي قوضت الدولة الوطنية. فالدولة الحديثة تفترض أن البناء الدستوري في إطار قانوني هو الشكل الوحيد للسلطة السياسية. فالإسلام السياسي أصبح جزءاً كبيراً من كل مشاكل الوطن العربي في ليبيا التي ستقسم من أجل الصراع بين القوى السياسية والجماعات الإسلامية، وهكذا الوضع في لبنان والعراق واليمن، فجماعات الإسلام السياسي تهدد أمن المجتمعات العربية.

وقال ولد آباه، «إن الصراع الطائفي الصاعد في المنطقة بسبب الإسلام السياسي، وضياع الهوية القومية الحقيقية في الصراعات المستمرة منذ أعوام لأن هدفهم الأساسي هو الوصول إلى الحكم. كما أكد أن كل التنظيمات الإرهابية بمختلف أسمائها هدفها الأساسي الوصول إلى الحكم. وما لا يعرفه هؤلاء أنهم لو وصلوا للحكم سيسقطون سقوطاً ذريعاً بسبب عدم وجود نظام ديمقراطي أو قاعدة شعبية لهم مثلما حدث في مصر وسقوط الإخوان بعد عام واحد من وصولهم للسلطة.

تغيير الأيديولوجيات

من جانبه، قال الدكتور مصطفى العاني مدير برنامج دراسات الأمن والإرهاب في مركز الخليج للأبحاث، إن التطرف والإرهاب هما من نتائج الظروف السياسية، فعلى سبيل المثال أدى الغزو السوفييتي إلى تشكيل تنظيم «القاعدة» الإرهابي، بينما أدى المشروع الإيراني لتشكيل المليشيات الشيعية المسلحة، وأدى الاحتلال الأميركي للعراق إلى ظهور «داعش»، فالإرهاب هنا ظاهرة. وقال إن الإسلام السياسي جاء ليملأ فراغا بعد انهيار الفكر القومي والفكر الاشتراكي في المجتمعات العربية. وأكد أن الإسلام السياسي لا يمكن إنهاؤه بسهولة فركناه الأساسيان هما الجهاد والاستشهاد، ولا يمكن محاربته إلا بتغيير الأيديولوجيات الراديكالية المتشددة من العقول. وأكد أن أوروبا لم تنهض إلا بعد فصل الدين عن السياسة ليسود الدين المعتدل.

ورأى أن إرساء العدل في المجتمعات وبناء بيئة ضد الاضطهاد ستضمن عدم ظهور إرهابيين جدد. وأعطى مثالاً أن الثورة في سوريا ظلت لسبعة أشهر بريئة حتى ركبها الإسلام السياسي. وهكذا الحال في مصر، وبدأ معها استخدام العنف. وهكذا الحال في العراق، فعند احتلال العراق لسنين مع الصراع الطائفي اتجهت كل جماعة للعنف لحماية نفسها، وبالتالي الإرهاب ظاهرة، فإذا ما انتهت عوامل هذه الظاهرة انتهت معها.