الاقتصادي

الاتحاد

الصناعات الجديدة ترفع الطلب على المعادن النادرة

رجل يعاين سيارة جديدة حيث رفعت صناعة السيارات الصديقة للبيئة الطلب على المعادن النادرة

رجل يعاين سيارة جديدة حيث رفعت صناعة السيارات الصديقة للبيئة الطلب على المعادن النادرة

عندما يتحدث مارك سميث عن أهم موجودات شركته، تشعر أنك عدت إلى صفوف الكيمياء أيام الدراسة الثانوية، عدد من العناصر والمعادن منها سيريوم ولنثانوم وبراسيو ديميوم ونيوداميوم، يصفها رئيس شركة موليكورب مينرالز (للمعادن) المتمركزة في ولاية دينفر الأميركية، تشمل مواد طبيعية محتوية على عناصر نادرة وغير مشهورة في الجدول الدوري (الذي يحتوي على جميع العناصر ابتداء بالهليوم والهيدروجين، مروراً بالكروم والحديد والكربون والسليكون وانتهاء بالذهب وعناصر ثقيلة عددها جميعاً 103 عناصر مرتبة ترتيباً دورياً).
في ذلك، يقول مارك سميث: "من الصعب أن نشرح للمستثمرين ما نفعله". ومع ذلك، فإن هذه المعادن النادرة والعناصر المغمورة لا تقل أهمية عن النحاس والألمونيوم للاقتصاد العالمي، ومن الكوبلت المستخدم في بطاريات الهواتف المحمولة إلى نيوداميوم المستخدم في سيارات تويوتا يرايوس الهجين تدخل المعادن النادرة في كافة مناحي الحياة العصرية، وخاصة في الصناعات الجديدة المرتبطة بالتكنولوجيا والطاقة النظيفة، بحسب جي داربي أحد المسؤولين في جمعية المعادن النادرة المتمركزة في لندن.
فالسيارات على سبيل المثال، كانت تصنع في بداية القرن العشرين من خمس مواد أولية تقريباً، هي: الخشب والمطاط والصلب والزجاج والنحاس، ولكن اليوم وبحسب تقارير علمية، فإن السيارات العادية قد تحتوي على 39 معدناً مختلفا في كافة مكوناتها منها عدد من المعادن النادرة أو المعزولة، وهذا الطلب الزائد على تلك المعادن رفع أسعارها إلى ثلاثة أمثال أو أكثر خلال السنوات الخمس الفائتة.
ومع سيطرة الصين على كثير من المعروض من هذه المعادن، ومع تنامي احتياجات صناعات الصين، بدأ صناع السياسات والشركات في الغرب يخشون من عدم توفر هذه المعادن مستقبلا، وقد خلص مجلس البحوث القومي الأميركي بعد دراسته للسوق عام 2007، إلى أن الاعتماد على مصادر أجنبية ربما يعرض مجموعة من الصناعات الأميركية لمخاطر سياسية واقتصادية وغيرها من المخاطر.
والنتيجة هي أن مواد أولية مغمورة مثل تيربيوم وسيماريوم وروثذثيوم بدأت تزيد أهميتها حين استخدمت في تأمين الطاقة والغذاء، وأضحت المعادن النادرة في الصين لها نفس أهمية النفط في الشرق الأوسط.
ونظراً لقلة كميات هذه المعادن، فحتى الشائعات عن تغيرات بسيطة في المعروض أو المطلوب منها يمكن أن يرفع أسعارها بنسبة 1000 في المئة من أسعارها.
ولكن نظراً لتوجه الأسعار نحو الصعود عموماً تواجه الصين احتمال أن تفقد سيطرتها الكلية على تلك المعادن، لأن زيادة الأسعار تجعل إنتاج الدول الأخرى من تلك المعادن أكثر جدوى اقتصاديا عن ذي قبل، وكان منجم ماونتن باس الأميركي التابع لشركة موليكورب قد أغلق عام 2002، حين تدنت الأسعار بشدة بسبب أن إنتاج الصين أغرق السوق، أما الآن فمن الممكن أن يعاد فتح هذا المنجم بحسب سميث.
كما أن نمو التقنيات الخضراء مثل طواحين الرياح يتوقع أن يزيد نشاط سوق المعادن النادرة، إذ زادت الاستخدامات البيئية للمعادن النادرة زيادة ملموسة خلال الأعوام الثلاثين الماضية بحسب وكالة البحوث الجيولوجية الأميركية، كما تفيد شركة التعدين الكندية افالون رير ميتالز بأن 25 في المئة من التقنيات الجديدة تعتمد على المعادن النادرة والعناصر المغمورة.
ويعزى وصف هذه المعادن والعناصر بالنادرة أو المغمورة في المقام الأول إلى عدم معرفتها أكثر من ندرتها، فبعضها مثل المنجنيز تعتبر شائعة شيوع المعادن العادية مثل النيكل أو شيوع المعادن النفيسة مثل الذهب، ولكن وحسب تقارير وكالة البحوث الجيولوجية الأميركية على عكس المعادن العادية والنفيسة الشائعة، نجد أن المعادن النادرة والمغمورة مشتتة ومتناثرة إلى أن إنتاجها لا يكون عملياً، إلا في بعض المناطق التي توجد بها بنسب كافية.
ولذلك، فإن معظم إمدادات تلك المعادن النادرة يأتي من عدد قليل جداً من المناجم، فمثلاً يعتبر منجم بايان أويو في اقليم منغوليا الداخلية في الصين أكبر مناجم العالم لهذه المعادن النادرة يتبعه منجم ماوتن باس ثم ماوت ويلد في أستراليا، ومنجم ماوت ويلد مثله مثل منجم سميث مغلق حاليا، إلا أنه من المرجح إعادة تشغيله أيضاً.
إذاً في عالم تقبل فيه بكين بشراهة على السلع، فالصين أيضاً تعتبر المورد الرئيسي، إن لم تكن الوحيد لعدد من تلك المعادن النادرة أو غير الشائعة، وعلى وجه الخصوص تشكل الصين المورد الرئيسي لعناصر نادرة، وهي قائمة مؤلفة من 17 عنصراً من عناصر الجدول الدوري، والتي تتسارع زيادة الطلب عليها.
وخلال السنوات القليلة الماضية تفاعل تفوق الصين في هذا المجال مع القيود التي فرضتها بكين على صادراتها بسبب تزايد الطلب المحلي على إثارة المخاوف والقلق من إمدادات تلك المعادن النادرة في الأجل الطويل، وتعاظمت المخاوف من سيطرة الصين جراء شائعات ترددت العام الفائت أن بكين على وشك فرض مزيد من القيود على حصص صادراتها من المعادن النادرة.
ومع ذلك، ثبت بطلان هذه الشائعات، إذ زادت بكين حصص صادراتها إلى 16300 طن من المعادن النادرة ذات الأهمية الاستراتيجية في النصف الأول من 2009 بزيادة 8 في المئة عن نفس الفترة من العام السابق.
وكانت وانج كايفالج نائبة مدير عام وزارة الصناعة الصينية قد أخبرت مؤتمرا صناعيا العام الماضي بأن بكين لن تتخذ أي قرارات اعتباطية وأن جميع القرارات ستكون متناغمة مع التطورات العلمية وأن الصين لن تغلق الأبواب.
مثل تلك التطمينات لا تعتبر كافية لتخفيف قلق ساسة أميركيين مثل مايك كوفمان النائب بالكونجرس الذي طالب بتشريع جديد للحد من اعتماد أميركا على الإمداد الخارجية من المعادن النادرة.
غير أن المزيد من الشركات الغربية نقل إنتاجه إلى الصين تفاديا لحدود الحصص، إذ لا تسري القيود إلا على الخامات وليس المنتجات النهائية الصنع مثل البطاريات.
ويقول بعض المراقبين إن الصين لا تقيد الصادرات ضمن حرب موارد، ولكنها تسعى الى استقطاب صناعة ذات قيمة مضافة بغية الاستفادة من تواجد الشركات الأجنبية.
كما ان للصين سببين آخرين لتشديد قبضتها، السبب الأول هو محاولة تقليص عمليات التعدين الملوثة غير القانونية وغير الآمنة في كافة السلع، والمفارقة هنا هي أن عمليات استخراج معادن نادرة، مهمة لعدد من التقنيات الخضراء، تنطوي على الإضرار بالبيئة، والسبب الآخر أن الأسعار لم تزد بالقدر الذي كان يطمح إليه العاملون في المناجم الصينية، إذ يعتقد صناع السياسات في الصين أن تقييد المعروض سيرفع الأسعار.
ومقارنة مع العناصر النادرة لا تحظى المعادن المغمورة في الصين بنفس الاهتمام، وذلك يعزى الى أن بعض هذه المعادن مثل التيتانيوم والرينيوم والليثيوم لا تسيطر الصين على إمداداتها في الوقت الذي تنتج فيه دول مثل شيلي والولايات المتحدة والكونغو واستراليا وروسيا كميات كبيرة منها، ولذا فإن العناصر النادرة هي التي تحظى باهتمام المستثمرين خلال العامين الماضيين، بالإضافة إلى أن شركات التعدين تحذر من تناقص هذه العناصر.
غير أن صناع السياسات لا يزالون قلقين، فاليابان عاكفة على تجميع مخزونات بعض المعادن المغمورة، بينما تدرس المفوضية الأوروبية قائمة المعادن المغمورة المهمة وينتظر في هذا العام أن تصدر بيانا تذكر فيه اجراءات التعامل مع هذه المعادن من حيث تجميع مخزوناتها وتداولها.
ولذلك تقوم بعض الشركات التي تلزمها معادن مغمورة وعناصر نادرة بدعم عمليات التنقيب والانتاج بهدف تنويع قاعدة إمدادها والسيطرة على اسعار تلك المعادن، فعلى سبيل المثال، أعلنت تويوتا تسوشو التابعة لشركة تويوتا لصناعة السيارات اليابانية مؤخرا عن اتفاقية مع شركة اوروكوبر الاسترالية لتطوير مناجم الليثيوم في الأرجنتين، لأن هذا المعدن يلزم استخدامه في بطاريات السيارات الهجين.
وهناك عديد من التجار لايزالون يشكون في الأمر ويقولون إن القلق السياسي عما يسمى "معادن حرجة" لا أساس له من الصحة، وهم لا يتوقعون نقصاً في هذه المعادن أشد من نقص السلع الشائعة مثل خام الحديد.
يذكر أنه سبق للولايات المتحدة في ستينات القرن الماضي أن اعتبرت القصدير معدنا حرجا وراحت تجمع مخزوناته، خشية أن تسيطر دول شيوعية على أهم الدول المنتجة للتصدير التي تشمل اندونيسيا وتايلند وماليزيا، ووصل مخزون القصدير في اميركا ذروته عام 2791 إلى 250 ألف طن ما كان يفوق احتياجات العالم أجمع السنوية من هذا المعدن آنذاك، ثم قضت الحكومة الأميركية الثلاثين عاما اللاحقة تحاول التخلص منه دون الإضرار بالسوق.
ويخشى حالياً من أن ترتكب حكومات نفس الخطأ مرة أخرى في مساعيها لتقييد الاعتماد على الصين، بأن تجمع مخزونات كبرى من مواد وتحرم غيرها منها دون مبرر الأمر الذي ينجم عنه أزمة نقص المادة في منطقة وفائضها في منطقة أخرى.

«عن فايننشيال تايمز»

اقرأ أيضا

«راكز»: باقات لتسهيل تأسيس الأعمال