الاتحاد

خيال وحقيقة


منى، فتاة في ريعان شبابها ما زالت بمشوارها الدراسي كانت معتادة ان تذهب للتسوق مع والدتها كل نهاية اسبوع وفي احدى المرات من يوم الاربعاء صادفت شابا لا يكاد يفارقها وغدا كالظل لها ولأمها أينما ذهبتا ذهب خلفهما·
قاربت الساعة على الحادية عشرة ليلاً فصعدت الفتاة برفقة أمها بسيارة الأجرة ولحق بهما ذلك الشاب بسيارته نزلت منى من السيارة برفقة والدتها وكان ذلك الشاب يختلس النظر اليهما من بعيد وعرف مكان اقامتهما·
في اليوم التالي كان الانتظار هو أمل ذلك الشاب فهو لا يعلم أهي طالبة مدرسة أم طالبة جامعية أم انها تعمل؟ وكم كانت المفاجأة عندما رآها بالمريول الأزرق تمشي وكأنها ملاك عيناها لا تفارقان الارض ومرت الأيام والشهور حتى شعرت الفتاة بوجود هذا الشاب وفي يوم من الأيام لحق بها وتجرأ ودخل المبنى وصعد معها بالمصعد وسلمها مغلفاً قد يختصر الوقت ويوصل لها مبتغاه· فرحت الفتاة ولكنها لم تظهر له ذلك ولم تنتظر حتى ترتاح حتى فتحت المغلف وقرأت ما فيه من كلمات معززة برقم هاتفه·
كانت وحيدة في كل شيء حتى كلامها لا يتعد العشرين كلمة باليوم، صديقاتها قليلات انتظر الشاب أسبوعين حتى لاح الأمل من جديد له ونبض الحب بقلبه حقيقة لا خيال·
كان صوتها ناعماً كالحرير كله أنوثة وحنان وعطف تبادلا الحديث اسمي مؤيد ابلغ من العمر سبعة وعشرين عاماً أعمل، فأجابت وأنا منى سبعة عشر عاماً، طالبة، طال الحديث حتى بلغ ساعات الفجر الأولى وذهب كل منهما الى نومه يحمل أحلاماً ويحتضن السعادة في أول يوم وقد طرأ تغيير جذري على حياتها منذ ذاك اليوم حتى ان أهلها قد استغربوا وتفاجأ كل من عرفها من ذلك فصارت تتكلم وتأكل وتمزح ولا تجلس بغرفتها وحيدة·
بعد أسبوع كان اللقاء الأول وتعددت اللقاءات وكادت العلاقة ان تفشل بسبب تدخل البعض لإفسادها من صديقاتها ولكن الشاب سارع بخطوة جريئة وقوية مفاتحا امها بموضوع علاقتهما وكسر كل الحواجز وهزم كل العوازل·
تأجل موضوع الارتباط الرسمي بسبب دراستها وكبرت العلاقة الى ان أصبح كلاهما لا يطيق العيش بعيداً عن الآخر ولو للحظات وعلى الأقل بسماع الصوت·
أكملت دراستها وارتبط بهذا الشاب رسمياً وحدد موعد الزفاف بعد السنة الثانية من الجامعة· رن الهاتف ليلاً وطال الحديث حتى الصباح على أمل اللقاء والخروج سوياً للتسوق ذهب اليها صباحا يرن جرس المنزل لا مجيب فسارع الى الهاتف لا مجيب ايضاً·
لعلها مشغولة بشيء ما أو انها تستحم فدخل المنزل ودخل الى غرفتها فوجدها ممددة على السرير، فضحك وقال أيتها الفاتنة أما زلتِ كسولة هيا انهضي ظناً منه انها تمازحه، نظر الى وجنتيها فكانتا بلون الموت وعيناها مغمضتان والجسد بارد والحياة معدومة فحملها بين يديه وهزها لكن دون جدوى لقد كان ملك الموت قد ذهب واخذ أمانة رب العالمين·
صرخ الشاب صرخة وحملها بين يديه الى المستشفى لكن دون جدوى فالكل يمسك به ولكنه لم يصدق، تاه بين أروقة المستشفى يناديها بأعلى صوته وارتمى مغشياً عليه·
بعد يومين حملها بين يديه من ثلاجة الموتى ووضعها على المغسلة·
افتقدها، اخلص لها حتى بعد موتها، أحبها بجنون حتى بعد دفنها، سكن بجوار قبرها أياماً، عاد الى بيته صفر اليدين يحمل هموماً واحزاناً أورثتها له الحياة بسرعة وقسوة واقسم انه لن ينساها فحبها قد احتسى منه الدماء واكتوت به الروح وعجزت عن وصفه الكلمات·
أحمد وحيد حجازي
أبوظبي

اقرأ أيضا