الاتحاد

عربي ودولي

مطالبة ترامب بتشديد الضغوط على قطر لوقف تمويل الإرهاب

دينا محمود (لندن)

قبل يومٍ واحد من انطلاق المحادثات المقررة غداً الثلاثاء بين مسؤولين أميركيين بارزين ووفدٍ قطريٍ وُصِف بأنه الأرفع مستوى من نوعه الذي يزور واشنطن منذ اندلاع أزمة مقاطعة قطر من الدول الأربع الداعية لمكافحة الإرهاب (السعودية والإمارات والبحرين ومصر) في يونيو الماضي، أكدت صحيفة «ذا هيل» الأميركية المرموقة أن بوسع إدارة الرئيس دونالد ترامب الاضطلاع بدور وساطة بين الدوحة والدول الأربع، وألمحت إلى ضرورة أن تمارس واشنطن ضغوطاً أكبر على نظام أمير قطر تميم بن حمد لحمله على وقف تمويل التنظيمات الإرهابية والمتطرفة في الشرق الأوسط.
وأبرزت «ذا هيل» في مقالٍ للمحلل السياسي البارز ساشا توبيريك، تصريحاتٍ لوزير الخزانة الأميركي ستيفن منوتشين، شدد فيها بشكلٍ ضمني على ضرورة إجبار قطر، على اتخاذ خطواتٍ عملية على هذا الصعيد، قائلا «إن واشنطن والدوحة سيزيدان تعاونهما على نحوٍ كبير.. لضمان أن تكون قطر بيئةً مُعاديةً لتمويل الإرهاب» (في إشارة على ما يبدو إلى الأموال الطائلة التي ينفقها النظام القطري على التنظيمات الإرهابية في مختلف أنحاء المنطقة).
وفي ما بدا شروطاً وضعها كاتب المقال لإنجاح أي وساطةٍ أميركية محتملة في الأزمة التي تدنو من دخول شهرها التاسع، قال توبيريك إنه بوسع إدارة ترامب أن تجري مفاوضات في هذه الحالة لبلورة تدابير خاصة بمكافحة غسل الأموال، وكذلك تمويل الإرهاب، وهي الإجراءات التي تسعى الإدارة الأميركية لإرغام النظام الحاكم في الدوحة على اتخاذها وتفعيلها، منذ إعلان «الرباعي العربي» تدابيره الصارمة ضد هذا النظام في يونيو الماضي، بما شمل قطع العلاقات الدبلوماسية وإغلاق المنافذ البرية والبحرية والجوية.
وبعدما أشار إلى الجهود الإقليمية التي بُذلت طيلة الشهور الماضية دون جدوى لتسوية الأزمة من خلال إقناع حكام قطر بالامتثال للمطالب المطروحة عليهم، اعتبر المقال أن الولايات المتحدة هي الدولة الوحيدة التي تحظى بالمصداقية في المنطقة، للقيام بدور وساطة بهدف الوصول إلى حل. وأشار إلى أن إدارة ترامب ستضطر إلى التدخل في هذا الشأن عاجلاً أم آجلاً.
وجاء نشر المقال قبيل بدء اجتماعات ما يُعرف بالحوار الاستراتيجي الأميركي القطري، والذي سينطلق غداً الثلاثاء في مقر وزارة الخارجية الأميركية بواشنطن، برئاسة وزيري الخارجية والدفاع الأميركيين ريكس تيلرسون وجيمس ماتيس ونظيريهما القطريين محمد بن عبد الرحمن آل ثاني وخالد العطية على الترتيب.
وربط الكاتب بين زيارة الوفد القطري، الذي يضم كذلك وزيري المالية علي شريف العمادي والاقتصاد والتجارة أحمد بن جاسم آل ثاني، والجهود التي تبذلها إدارة ترامب للضغط على النظام الحاكم في الدوحة لإنهاء علاقاته المشبوهة بالتنظيمات الإرهابية والمتشددة على الصعيد الإقليمي، قائلاً إن محادثات ذلك الوفد ستأتي استمراراً للحوار الأميركي القطري في مجال مكافحة الإرهاب الذي عُقِدَ في نوفمبر الماضي، وكان الأول من نوعه.
وطرح توبيريك وهو باحثٌ بارز في مركز العلاقات عبر الأطلسي بمعهد بول نيتز للدراسات الدولية المتقدمة في جامعة جون هوبكينز في واشنطن، تصوراً عاماً للحل الذي يرى أن بمقدور الولايات المتحدة بلورته للأزمة القطرية، موضحاً أن الوساطة المحتملة من جانب إدارة ترامب تنطوي على إمكانية توفير استراتيجية خروج كريمة. وأشار الكاتب هنا بطبيعة الحال إلى إيجاد حلٍ قد يحفظ ماء وجه النظام القطري، الذي يتشبث بموقف مكابر ومعاند للتخلي عن سياساته المُزعزعة للاستقرار، على الرغم من الخسائر الفادحة التي تلحقها به عزلته المتفاقمة.
واستعرض الكاتب ما أُجْبِرت عليه قطر على مدار الشهور القليلة، من الانهماك في محاولاتٍ محمومة لإيجاد بدائل اقتصادية وتجارية في مسعى مستميت لتقليص هذه الأضرار الجسيمة، مُشيراً في هذا الصدد إلى أن النظام الحاكم هناك بدأ يحاول تعزيز تبادلاته التجارية مع دول الشرق الأقصى وأوروبا وكذلك الولايات المتحدة. كما أبرز في هذا الشأن اضطرار السلطات الحاكمة في الدوحة لاستيراد ماشيةٍ حية بالطائرات، لسد العجز الهائل الذي تعاني منه في ذلك المجال.
المعروف أن البيانات الرسمية القطرية سبق وأن أفادت بأن قرابة 58% من الواردات الإجمالية لهذا البلد جاءت في عام 2016 - وهو العام السابق مباشرة لبدء المقاطعة - من دول «الرباعي»، مما يعني أن تواصل العزلة الراهنة وتفاقمها يؤديان إلى حرمان السوق في قطر من وارداتٍ الأهمية. وفاقم من تلك الأضرار إغلاق الحدود السعودية، التي كانت تشكل معبراً لمعظم واردات الدوحة من الغذاء ومنتجات الألبان ومواد البناء، بجانب توقف خدمات الشحن من الإمارات إلى الموانئ القطرية.
وأقر المحلل السياسي المرموق بصعوبة رأب الصدع الذي تشهده منطقة الخليج العربي حالياً بفعل العناد القطري، واصفاً العلاقات القائمة في الوقت الراهن بين الدوحة من جهة وباقي الدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي من جهة أخرى بـ«المُحطمة». وقال في هذا الصدد إن إصلاح هذه الروابط وإعادة ترميمها «ليس بالأمر السهل، ذلك إن تسنى هذا من الأصل»، ما يفيد بإمكانية استمرار المقاطعة الحالية لقطر لسنواتٍ طويلة.
رغم ذلك، أكد توبيريك أن الأولوية القصوى في ظل هذه الظروف، لا بد أن تُولى للسعي إلى نزع فتيل التوترات في الخليج وإعادة إطلاق التعاون العسكري والاستخباراتي بين دوله للقضاء على تنظيم «داعش» الإرهابي، مُحذراً من أن «نجاح إدارة ترامب في القضاء على هذا التنظيم في العراق، وسوريا بشكلٍ شبه كاملٍ تقريباً يمكن أن يتعرض للخطر، بفعل الأزمة الخليجية الحالية»، التي شدد الكاتب الأميركي على أنها لا تصب بالقطع في صالح الأمن القومي.
وفي دعوةٍ صريحةٍ لتشديد الضغوط التي يتعرض لها النظام القطري من أجل إرغامه على إنهاء دعمه للتطرف والإرهاب وإيوائه لشخصياتٍ إرهابية تدعو للعنف والكراهية، قال توبيريك إن بمقدور الإدارة الأميركية أن تعمل في غمار اضطلاعها بدور الوساطة المقترح في الأزمة القطرية، على العمل مع المنطقة بأسرها (أي منطقة الخليج) في مجال محاربة أشكالٍ مختلفة من التطرف»، مؤكداً في الوقت نفسه ضرورة أن تسعى واشنطن إلى تعزيز التعاون وتبادل المعلومات الاستخباراتية في منطقة الخليج كذلك.
وأضاف أن أي خطوات ستُتخذ على صعيد جعل قطر «بيئة مناوئة لأنشطة تمويل الإرهاب»، ستُبنى على مذكرة التفاهم التي توصلت إليها الولايات المتحدة مع النظام الحاكم في الدوحة في يوليو الماضي حول محاربة الإرهاب ومكافحة تمويله، والتي بدا أن نظام تميم اضطر إلى التوقيع عليها في إطار محاولاته لكسب الدعم الدولي وتضليل الرأي العام العالمي بشأن صلاته بالجماعات المتطرفة والإرهابية. وأبرز حقيقة أن قطر أصبحت بتوقيعها هذه المذكرة، الدولة الخليجية الأولى التي تُقْدِمُ على خطوة من هذا القبيل (في تلميحٍ منه إلى أن هذا البلد هو الوحيد في المنطقة الضالع في أنشطة تخريبية هدامة)، ما أدى لدفع الدولة الأكبر في العالم إلى محاولة احتواء خطره عبر إجباره على توقيع تلك المذكرة.
لكن الكاتب لم يتطرق في مقاله إلى الجدل المُثار على الساحة الداخلية الأميركية، بشأن سبل تطبيق مذكرة التفاهم الموقعة مع قطر وتفعيلها، والذي بلغ حد مطالبة شخصيات أميركية بارزة ونواب في الكونجرس لإدارة ترامب، بإبداء مزيدٍ من الشفافية في هذا الشأن، مُستنكرين إبقاء بنود المذكرة سرية دون مبررٍ واضح. وفي هذا الإطار، وجه نوابٌ من الحزبين الجمهوري والديمقراطي رسالةً إلى الإدارة الأميركية أواخر العام الماضي، طالبوا فيها بانتهاج سياساتٍ أكثر صرامة مع الدوحة، وكشف الخطوات التي اتخذتها السلطات الحاكمة هناك لـ»ردع الإرهاب» على أرض الواقع.
وفي السياق نفسه، حرص دينيس روس - الدبلوماسي الأميركي المخضرم والمساعد السابق للرئيس باراك أوباما - على المطالبة في مقال نشرته «ذا هيل» أيضاً الشهر الماضي، بضرورة «التطبيق الكامل» لمذكرة التفاهم مع قطر. واقترح في مقاله أن يتبنى الكونجرس تشريعاً يطالب وزارة الخارجية الأميركية برفع تقارير له، حول الإجراءات التي اتُخِذت في هذا الشأن والتي تُظهِر أن الدوحة تفي بالتزاماتها بمقتضى المذكرة. ودعا إلى ضرورة أن يحدد البيت الأبيض «السلوكيات القطرية غير المقبولة» التي يتعين على الدوحة تغييرها، مُشدداً على أن ذلك يعني ضرورة التيقن من أن قطر كفت عن اللعب على الوجهين عبر «دعمنا بطرقٍ عملية - خاصةً من خلال قاعدة العديد - وذلك في وقتٍ تواصل فيه تقديم الدعم المالي للإيديولوجية الإسلامية المتطرفة، ومنحها منبراً يضفي عليها المشروعية» في إيماءةٍ لا تخفى إلى قناة «الجزيرة» التي تحتفي بأبواق الحض على العنف والكراهية.

اقرأ أيضا

انتخابات البرلمان الأوروبي تنتقل إلى لاتفيا ومالطا وسلوفاكيا