الاتحاد

ثقافة

محمد خليفة المبارك لـ«الاتحاد الثقافي»: الهدف الأسمى تعزيز مكانة أبوظبي كعاصمة ثقافية عالمية

محمد خليفة المبارك

محمد خليفة المبارك

أكد معالي محمد خليفة المبارك، رئيس دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي، في حواره مع «الاتحاد»، أن الهدف الأسمى لاستراتيجية أبوظبي الثقافية يتمثل في تعزيز مكانة أبوظبي كعاصمة ثقافية عالمية، تتمتع بجذور عميقة في التراث الثقافي والإبداعي، حيث الثقافة هي الدافع للتنمية الاجتماعية والاقتصادية، مشيراً إلى ما يتطلبه الأمر من تطلع مستمر للرؤى والاستراتيجيات عبر تطوير سياسات القطاع الثقافي، يدعمها تعزيز للدبلوماسية الثقافية، وإعداد برامج التعليم والتوعية الثقافية التي يشكل تأهيل مجموعة من المواقع الأثرية، جزءاً حيوياً من الوعي بالتراث والبيئة التاريخية والتي من شأنها أن توسع نطاق مناقشة القضايا الثقافية الملحة، ومنها الأسواق الفنية، كما تحدث المبارك عن نمو الصالات الفنية خارج «فن أبوظبي»، وأيضاً دخول لاعبين جدد إلى هذه المنطقة مثل المنشآت الفندقية والشركات العقارية. إلى تفاصيل الحوار الثري..

* بداية.. وبالاطلاع على الهدف الثالث من الاستراتيجية الخمسية «تحفيز الإبداع، باعتباره محركاً للتعليم والتغيير الاجتماعي»، ما أهم السياسيات الجديدة التي سيتم تبنيها لإثراء تجربة «البيئة الإبداعية» خاصةً فيما يتعلق بالشباب، في مختلف القطاعات الثقافية والفنية بأشكالها الإبداعية؟
** مما لا شك فيه أن التعابير الفنية تعد انعكاساً للمجتمع والحراك فيه، ومن خلال العمل على تحفيز الإبداع، نساهم في نمو المجتمع وإثراء الحياة اليومية، لذلك تولي استراتيجية أبوظبي الثقافية أهمية خاصة للمكون الإبداعي من خلال تشجيع الممارسات الفنية ودعم نمو المواهب، لا سيما أن الهدف الأسمى لاستراتيجية أبوظبي الثقافية يتمثل في تعزيز مكانة أبوظبي كعاصمة ثقافية عالمية، تتمتع بجذور عميقة في التراث الثقافي والابداعي، حيث الثقافة هي الدافع للتنمية الاجتماعية والاقتصادية.
وحالياً تنظم دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي أكثر من 750 برنامجاً محفزاً على الإبداع، وهي تتضمن مجموعة واسعة من المعارض الفنية الكبرى، والمعارض المجتمعية والتي يصاحبها برنامج حواري يجمع كبار الفنانين بجمهور الفن في إمارة أبوظبي، إلى جانب برامج فنية لمختلف المستويات تصاحب المهرجانات والفعاليات المجتمعية أو ضمن المراكز الثقافية التي نشرف عليها، إلى جانب مسابقات تحفز على التعلم مثل مسابقة القارئ المبدع وغيرها. في الاستراتيجية الثقافية الخمسية، نهدف إلى تقديم 1200 برنامج نوعي للإبداع والتعلم تغطي كل مناطق إمارة أبوظبي.

* ما هي أهم القضايا الثقافية الملحة التي سترتكز عليها الدائرة، فيما يتعلق بالمبادرات المتخصصة، في خطتها الخمسية عبر المؤتمرات والمهرجانات القادمة، سواء بالاحتفاء أو البحث عن حلول عملية كما أشارت الدائرة في مضمون استراتيجيتها؟
** تغطي دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي طيفاً واسعاً من التخصصات والمجالات ذات التخصصات الدقيقة، ومن خلال منظومة البرامج التخصصية السنوية التي نطرحها تتم مناقشة القضايا الملحة في كل مجال بناءً على توصيات الخبراء المشاركين في المؤتمرات أو من خلال رصد فرق العمل التابعة لنا للقضايا أو التحديات التي تتطلب معالجة.
حالياً تطرح دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي العديد من الموضوعات للنقاش والبحث عبر مجموعة كبيرة من المؤتمرات والمنتديات والندوات، وفي كل عام يتم تجديد الطروحات لتغطي موضوعات جديدة لم يتم طرحها من قبل وبمشاركة متحدثين جدد أيضاً.
على سبيل المثال، أتاحت العديد من المشاريع لأبوظبي لعب دور أكبر في تشكيل المشهد الثقافي على الصعيد الدولي، وذلك انطلاقاً من أهمية الدبلوماسية الثقافية في خلق تأثير إيجابي بعيد المدى على مختلف الأطراف، مع القدرة على بناء روابط عميقة بين الأمم والثقافات، مثل الاتفاقية التاريخية مع الحكومة الفرنسية التي أسفرت عن إنشاء «متحف اللوفر أبوظبي»، واستضافة مؤتمر «المحافظة على التراث الثقافي المهدد بالخطر» والذي أدى إلى تشكيل التحالف الدولي لحماية التراث «ألف»، إلى جانب «القمة الثقافية» التي تنظمها دائرة الثقافة والسياحة - أبوظبي سنوياً بالشراكة مع خمسة شركاء ثقافيين يمثلون القطاعات المؤثرة في مجالات الفنون والإعلام والتراث والمتاحف والتكنولوجيا. وتجمع النسخة الرابعة من «القمة الثقافية» العام القادم قادة الثقافة والعقول المبدعة من أرجاء المعمورة، لمناقشة السبل التي يمكن للثقافة أن تلعب من خلالها دوراً محورياً لزيادة الوعي بالقضايا العالمية، وبناء جسور ثقافية تشجع على التغيير الإيجابي.
يشكل التراث المعنوي وآليات جرده وحفظه ونقله للأجيال القادمة محوراً للمؤتمر الخليجي للتراث والتاريخ الشفهي طوال سنوات انعقاده، ومن خلاله تتم مناقشة تجارب ناجحة وآليات مؤثرة في هذا الجانب، وهو أيضاً المحور نفسه الذي يدور حوله مهرجان الحرف والصناعات التقليدية في العين، وكذلك مهرجان التراث البحري الذي سينطلق العام القادم.
أيضاً فيما يتصل بالتراث غير المادي، هناك خطط طموحة لتعزيز مكانته في حياة الناس، من خلال زيادة منصات ممارسة التراث الثقافي غير المادي وتعلمه، فخلال خمس سنوات سيتم افتتاح أربعة بيوت للقهوة يتم من خلالها تقديم تجربة متكاملة لتقاليد إعداد القهوة العربية وتقديمها في مجلس إماراتي تقليدي، إلى جانب بيت الحرفيين في أبوظبي، سيتم افتتاح بيتين في كل من العين وجزيرة دلما تشجيعاً على تعلم فنون الحرف التقليدية وتطويرها، كما أن بيت التراث سيعمل من مقرين في أبوظبي والعين لتوثيق وتعليم فنون الأداء التقليدية.
من جانب آخر، استحدثنا هذا العام ندوة «رواد المشرق - الرحالة الغربيون والجزيرة العربية» التي تجمع المستشرقين في حلقة نقاشية لبحث موضوعات مختلفة حول النتاج الفكري للرحالة. تعد هذه الملتقيات الفكرية مهمة ليس في عمق الحوارات والنقاشات التي تدور فيها، بل أيضاً في مخرجاتها من توصيات وأفكار لحلول مقترحة لمواجهة التحديات.
حالياً نعمل على الانتهاء من وضع اللمسات الأخيرة على مجموعة من المبادرات التي ستضفي المزيد من الضوء على أشكال تعبيرية منطوقة مثل الشعر، وفنون الأداء، إلى جانب أشكال من التراث.

السياسات الثقافية
* آلية الرصد للمتغير الاجتماعي والاقتصادي، تمثل تحولاً لافتاً في الرؤية الثقافية على مستوى الدولة، وتقدم مشروعاً استثنائياً إذا صح التعبير، ولكنها في الوقت نفسه تطرح تساؤلات حول الآلية التي ستتبعها الدائرة لرصد المتغير الاجتماعي من جهة، وما هو المعدل السنوي التقديري إنْ وجد المتوقع للمتغير الاقتصادي عبر عجلة الحراك الثقافي؟
** من خلال أكثر من 20 شراكة للأبحاث الاستراتيجية مع أكاديميات وجامعات مرموقة، طورنا قسماً للسياسات الثقافية، مهمته وضع سياسات للقطاع الثقافي متعدد التخصصات، بما في ذلك التراث غير المادي، ومقتنيات السجل الثقافي الوطني، والبيئة التاريخية، وصالات العرض، واستيراد وتصدير الممتلكات الثقافية، والمتاحف الخاصة، وسياسات الملكية الفكرية.. سيتم إنجاز 85 سياسة خلال السنوات الخمس القادمة. ستسهل السياسات الثقافية من رصد وتحديد وتحليل الآثار الاجتماعية والاقتصادية لهذه السياسات والمشاريع التي نقيمها. وفي هذا الصدد أيضاً يساعد برنامج الإحصاءات الثقافية في أبوظبي في تقديم صورة بانورامية واضحة عن كل مجال، وهو أول برنامج ثقافي شامل من نوعه في المنطقة، إذ يقدم بيانات دقيقة لتقييم أداء القطاع وتحديد آثاره الاجتماعية والاقتصادية والثقافية باستخدام أدوات علمية وإحصائية متطورة. البرنامج يخدم أكثر من 10 آلاف مستخدم، بالإضافة إلى الجهات المختلفة ذات الصلة بمجالات الثقافة والفنون والتراث والإعلام والصناعات الابداعية.

* «صون التراث».. يُشكل المحور الرئيس في الاستراتيجية العامة لدائرة الثقافة والسياحة أبوظبي، ما يجعل الحديث مهماً حول «جزيرة مروح» ومستقبلها الثقافي، فهل يمكن مشاركتنا بالتصور لمدى إمكانية التفاعل معها خلال السنوات المقبلة، بالتوازي مع منجز جزيرة صير بني ياس؟
** ستستمر أعمال الحفريات الأثرية في المستوطنة التي تعود إلى 8 آلاف عام في جزيرة مروح خلال شهري فبراير ومارس القادمين، إذ تقع المستوطنة ضمن محمية المحيط البحري للجزيرة والتي تتضمن مجموعة واسعة من النظم الإيكولوجية البحرية والساحلية المهمة، بما في ذلك أحواض الأعشاب البحرية والشعاب المرجانية وأشجار القرم. ما زلنا ندرس مخططاً لتأهيل الموقع وتجهيزه لاستقبال الزوار، وهذا يتطلب دراسة متأنية نظراً لحساسية الموقع.

فنون الأداء التقليدية
* بيت للتراث لعرض فنون الأداء التقليدية، هل هناك رؤية نحو إنشاء بيت للموسيقى الشعبية مرتبطة بالفن الأدائي؟
سيعمل بيت التراث على تعليم فنون الأداء التقليدية وممارسة تقنيات ومهارات أداء التراث غير المادي، بما في ذلك العيالة والرزفة والتغرودة والعازي والنهام والمنكوس والردحة والونة والطارق. وهي فنون تقليدية بسيطة الإيقاع وترافق معظمها الموسيقى الشعبية وأشكال مختلفة من الغناء.
** فيما يتعلق بالموسيقى الشعبية، خاصة التي تطورت مع تطور المدن وتطور الآلات الموسيقية وتقنيات التسجيل، فإن بيت العود يعمل على تأصيل البحوث التي تتعلق بها، سواء من ناحية التأليف الموسيقي أو الغناء الشعبي، فخريجو قسم الأصوات يقدمون بحوثاً معمقة بالغناء والموسيقى بمختلف أشكالها، وهي كفيلة بتقديم إطار أكاديمي حتى للموسيقى الشعبية. كما أن بيت العود يعلم العزف على آلات موسيقية تقليدية بما فيها الربابة المرتبطة بالتراث البدوي، إلى جانب آلات موسيقية أخرى تعد رئيسة في التخت الشرقي وهي العود والقانون.

* من بين أهم مساهمات الدائرة فيما يتعلق بتوثيق التاريخ الشفاهي، وما نتج عن المؤتمر الخليجي السنوي للتراث والتاريخ، هل هناك توجه ضمن السياسات الجديدة للنظر في البيئة الإبداعية الأدبية المتعلقة بإفرازات معرض أبوظبي الدولي للكتاب؟
** هناك العديد من الأفكار التي نعمل على تطويرها لتصب في خدمة المشهد الأدبي، والذي يشهد تطوراً متنامياً، لاسيما من قبل الكتاب الجدد، إننا نقيم مخرجات مختلف المؤتمرات المتخصصة مثل المؤتمر الخليجي للتراث والتاريخ الشفهي، والذي يقدم في كل عام أوراق عمل مهمة تساهم في إلقاء المزيد من الضوء على تاريخ المنطقة وتراثها الشفهي. كما أن نتائج منتدى أبوظبي للنشر قد كشفت لنا العديد من التحديات التي تواجه قطاع صناعة الكتاب والذي يعد أحد أهم الصناعات التي ندعمها وهي مرتبطة بشكل مباشر بالإبداع الأدبي، ونحن بصدد دراسة هذه التحديات والعمل مع الشركاء على إيجاد حلول لها، وكذلك الأمر مع مؤتمر أبوظبي الدولي للترجمة والذي مكننا من فهم المشكلات التي تواجه آليات الترجمة من لغات مختلفة وإليها، أما معرض أبوظبي الدولي للكتاب فهو يعطينا صورة بانورامية عن كل ما يحدث في المشهد الثقافي، لاسيما البيئة الابداعية، وكل التحولات والمظاهر المتعلقة بالمشهد الثقافي والتي تظهر على السطح خلال معرض أبوظبي الدولي للكتاب، حيث يتم رصدها ودراستها، وتتم معالجتها بأشكال مختلفة، سواء من خلال مبادرات أو ندوات أو بإصدارات أو غيرها.

* «فن أبوظبي» من بين أهم المشاريع الفنية لإثراء البيئة الفنية في الإمارة، هل تتضمن الرؤية الجديدة للمشروعات الفنية خلال السنوات الـ 5 القادمة، توسعاً في مسارات المبادرات الفنية، وهل بإمكان أن تحضر مبادرات داعمة لاستراتيجية النمو وتنويع الاقتصاد عبر أسواق الفن الناشئة في المنطقة؟
** من الملاحظ أن السوق الفني في المنطقة يشهد نمواً مستمراً، ونظراً للتوسع الذي يشهده القطاع من خلال زيادة الطلب على الأعمال الفنية، وزيادة الاهتمام بالمبادرات الفنية، ونمو الصالات الفنية خارج «فن أبوظبي»، وأيضاً دخول لاعبين جدد إلى هذه المنطقة مثل المنشآت الفندقية والشركات العقارية، فإن البنية التحتية لنمو القطاع الفني أصبحت مهيئة أكثر لتحلق بنفسها، خاصة أن البرامج المتعلقة بـ «فن أبوظبي» أصبحت تمتد طول العام، والعديد من البرامج والأعمال الفنية التركيبية تعرض في أماكن عامة في خطوة لإشراك المدينة كلها في الحدث، وأيضاً يؤثر في نمو القطاع تطور المهارات الفنية للعديد من الفنانين الذين احتضنتهم مبادراتنا، فالعديد منهم انتقلوا إلى مراحل متقدمة وأصبح لهم حضور دولي، لاسيما أن «فن أبوظبي» يمكنهم من التواصل مع كبريات صالات العرض الدولية، وهي أحد المخرجات المهمة التي توصلنا إليها خلال السنوات الماضية. كما أننا ندعم ونشجع ثقافة اقتناء الأعمال الفنية من خلال شراكة توعوية بين «فن أبوظبي» و«معرض421» التي أتاحت اقتناء أعمال فنية بأسعار تشجيعية، في خطوة تصاحبها دروس تعلم فنيات وأسرار تقيم الأعمال الفنية وكيفية تثمينها.
حالياً نواصل دعم الفنانين من خلال مختلف المبادرات والمراكز الثقافية، ونلمس العديد من النتائج المذهلة على صعيد التطور الشخصي والمهني للفنانين ونتاجاتهم الفنية. مبادراتنا لن تتوقف، لكن لدعم المشهد الفني وتوفير الأطر الداعمة للفنانين والموهوبين، أصبحت المبادرات الشخصية أو الخاصة متوقعة من المشهد العام الغني بالتصورات الفنية.

اقرأ أيضا