صحيفة الاتحاد

دنيا

هاشم البغدادي: عاشق الخط العربي

مهارة فائقة في رسم اللوحات (الصور من المصدر)

مهارة فائقة في رسم اللوحات (الصور من المصدر)

مجدي عثمان (القاهرة)

في نص إجازته لصاحب الطريقة البغدادية في الخط العربي قال حامد الآمدي: «بسم الله الرحمن الرحيم، ولدي هاشم محمد البغدادي الخطاط، شاهدتُ فيك الصدق والإخلاص والمحبة لهذا الفن الذي لم يندثر ما دام الإسلام باقياً وأعهد فيك أن تكون من أخيارهم وأول الخطاطين في العالم الإسلامي، فلك أُهدي أزكى التحيات لما أنت عليه من تقدم دائم. كُتب في الآستانة سنة 1371 هجرية، التوقيع موسى عزمي المعروف بحامد الآمدي».

الريادة

كان إمام الخطاطين آنذاك التركي حامد الآمدي، حينما التقاه فنان الخط العربي هاشم البغدادي في إسطنبول، قد استحسن خطه وقدر مقامه، وقال إعجاباً بخطه: «نشأ الخط في بغداد وانتهى فيها». قاصداً بذلك أن الخط العربي بدأ بظهور عملاق الخط العربي علي بن هلال المعروف بابن البواب، وانتهى بظهور هاشم البغدادي، وكان ذلك تأكيداً على أن الريادة في فن الخط العربي قد انتقلت إلى العرب على يد البغدادي بعد أن تولاها الأتراك بما يقرب من خمسة قرون، خاصة بعد أن تجاوز «الآمدي» التسعين من عمره، وبات البغدادي أضبط من يكتب الحرف العربي في العالم.

ذكاء وتقليد

ولد هاشم محمد درباس البغدادي المعروف «أبا راقم» في العام 1921 في بغداد في محلة «خان لاوند»، ودرس في كتاتيبها التي عشق من خلالها الخط العربي، حيث كان أصحاب تلك الكتاتيب أو ما يطلق عليهم «الملالي» يهتمون بدرس الخط ويزرعون حبه في نفوس متلقيهم، وكان الأستاذ فيها يومئذ يسمى «المُلا»، وهو الذي يتخذ من المسجد أو من بيته مكاناً للتدريس وتعليم فنون الخط، ومنهم المُلا عارف الشيخلي صاحب المدرسة الأحمدية الذي درس على يديه هاشم البغدادي، وختم القرآن الكريم وأخذ عنه أصول الخط العربي، وبقي ملازماً له يراجعه باستمرار حتى صقل موهبته، وكان يستوعب فن الخط بذكاء يستغربه الجميع، ويقلد خطوط شيخه.

يقلد شيخه

وتأثر به كثيراً حتى إنه اتخذ في بيته منضدة صغيرة ليقلد شيخه حتى في جلسته وهيئته، ثم انتقل ليتعلم على الخطاط الحاج علي صابر، وأخذ عنه فترة قليلة من الزمن، وأيضاً كان خطه من الجودة والإتقان بمرحلة تقارب خط الحاج علي صابر، ولما كان الحاج صابر حاد المزاج، انصرف عنه هاشم، ثم بدأ يراجع على الشيخ المُلا «علي الفضلي»، الذي كان يُدرس علوم القرآن واللغة والعروض وأصول الخط العربي في جامع الفضل، وبقي هاشم يكتب ويتمرن والمُلا «علي» يصلح له ويعجب بخطه ويشجعه ويوجهه، حتى منحه الإجازة بالخط العربي سنة 1943م بعد مسيرة امتدت أكثر من عشرين عاماً.

زيارة القاهرة

زار هاشم البغدادي القاهرة سنة 1945، وانتسب إلى مدرسة تحسين الخطوط الملكية في القاهرة وكان قد عرض عليهم الإجازة وقدم نماذج من خطوطه، فنالت إعجاب أساتذة الخط في المدرسة، فاتخذت إدارتها قراراً بمشاركة هاشم في الامتحان الأخير للصف المنتهي دون دراسة، فحاز على المرتبة الأولى بامتياز، وأجازه الخطاط المصري الشهير «سيد إبراهيم» إجازة خاصة، وكذلك أجازة الخطاط «محمد حسني البابا»، وقد طلبت منه إدارة المدرسة أن يبقى في مصر للتدريس فيها غير أنه رفض وفضل العمل في بغداد.

ولم يكتف هاشم بهذه الشهادات الفنية، ولم تُشبع تعلقه ونهمه في الخط العربي، فسافر إلى تركيا، لمشاهدة الخطوط التي خلفها عظماء الخطاطين الأتراك أيام العثمانيين، والتقى هناك عن قصد بالخطاط العظيم حامد الآمدي، وعرض عليه لوحاته، وكتب عنده، فدُهش الآمدي، وأُعجب بخطوط هاشم، فأجازه مرتين، الأولى سنة 1949 والثانية سنة 1952، وفيهما من الثناء والإشادة الكبيرة ما يوضح قدر هاشم ومكانته الفنية.

التكايا والشواهد

بقي هاشم يتابع سفره إلى تركيا كل عام، حتى اطلع بنفسه على كل الخطوط في المساجد والمتاحف والمكتبات والقصور، وصور الكثير منها، وكان يتجول في أنحاء تركيا، باحثاً عن التكايا والرُبط وشواهد الآثار، حتى عثر على بناية «سبيل خانة» بين جبالها، وصور فيها خطوطها، ثم عرضها على الآمدي، الذي أُعجب بها، ولم يكن يعرف عنها شيئاً من قبل، وأثنى على هاشم، الذي يتفانى في خدمة الخط ويحرص على آثاره كل هذا الحرص، وكان هاشم يعتبر الخطاطين الأتراك مثله الأعلى، ويتأثر بهم، وخاصة الآمدي من المعاصرين، و«راقم» من الأقدمين، وقد سمى ولده راقماً، لما يكنه له من الإعجاب والتقدير، ورغم تأثره بخطوط الأتراك، إلا أنه ظل محافظاً على «القاعدة البغدادية» نتيجة لتأثره الأول بشيخه الملا علي الفضلي، وبذلك استطاع أن يكون الخطاط الوحيد الذي يمزج بين القاعدتين البغدادية والتركية، بصورة محببة وباهرة في آن، من خلال إشاعة الانسجام بدلاً من التنافر، فيضع الحرف تارة على قاعدة بغداد وتارة على قاعدة إسطنبول.

وأعمال هاشم الخطية تزين العديد من جدران ومساجد بغداد،

وقد أشرف بتكليف من وزارة الأوقاف العراقية على طباعة المصحف الشريف في ألمانيا، واستقبله بابا الفاتيكان ومنحه «وسام البابا» تقديراً له على إنجازه كتابة القرآن الكريم.