صحيفة الاتحاد

ثقافة

ماذا بعد افتتاح اللوفر أبوظبي؟

من مقتنيات المتحف (أرشيفية)

من مقتنيات المتحف (أرشيفية)

الآن وبعد الحفاوة البالغة التي استقبل بها العالم متحف اللوفر أبوظبي، وبدء تدفق الزوار أسفل قبة «شعاع النور» المذهلة، ما نحن فاعلون بهذا المتحف العالمي الاستثنائي؟ أو ما هو الدور الذي سيلعبه متحف بهذا الحجم على الصعيد المحلي؟ وما هي التأثيرات التي سيتركها على واقع ثقافات العالم الحالية، أوواقع الإنسانية المعاصر؟
أعيد اقتباس مقولة صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة حينما قال: «كل ما نفعله اليوم من أجل مستقبل أفضل»، وأعتقد أن المستقبل سيكون أكثر إشراقاً بعد افتتاح اللوفر أبوظبي، فهو هدية ثمينة من الإمارات إلى العالم، إذ تنعكس على سطح مرآته تلك الروابط العميقة بين البشر عبر العصور، ترابط خفي وواضح في الوقت نفسه، بسيط ومعقد على مستويات مختلفة، ويتكرر في فصول المتحف الاثني عشر، زمناً بعد زمن، وعبر القارات والجغرافيا والحدود والسياسة والأعراق والانتماءات والفروقات الاجتماعية. هو ربما ذلك الأثر القديم نفسه التي رسمه الإنسان الأول في باطن الكهوف ليدلل على وجوده، وهو الأثر نفسه الذي نعمل على تجسيده اليوم في العصر الذائب في تشكلات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، لنقول نحن هنا.
مع إتاحة كنوز متحف اللوفر أبوظبي للعامة تدخل دولة الإمارات العربية المتحدة مرحلة محورية من الإسهام في المجتمع الدولي، فلطالما كانت سياسة الدولة قائمة على التحاور مع الآخر، وتقبل الثقافات الأخرى، والدعوة إلى السلام والتسامح وتجنب النزاعات، بل وقيادة مبادرات التهدئة والوفاق. ووجود النسخة العالمية الوحيدة من أعرق متحف في العالم على أرضها، وتقديم المقتنيات التي تعود إلى ثقافات متنوعة في سياق متزامن يعمق من الجهود التي تبذلها الدولة للوعي بأن السلام هو الضامن الوحيد لازدهار الحضارات، خاصة أن أسباب الحروب والنزاعات والأطماع تظهر واهية أمام الإمكانات التي يوفرها الاستقرار؛ إمكانات البناء والتطوير، وتحقيق الرخاء هي حتماً أكثر تأثيراً في البشرية.
إن تركيز السرد المتحفي للوفر أبوظبي على المشتركات الإنسانية عبر الزمن كان مقصوداً منذ بداية إبرام الاتفاقية مع الجمهورية الفرنسية، لترسيخ رسالة السلام التي تحملها الإمارات إلى العالم، ولفتاً إلى التجربة الاتحادية التي جمعت قبائل متفرقة تحت راية دولة حديثة مشغولة بالإنسان ورفاهه، وعلى أرضها يتعايش شعوب العالم في وفاق، ويتشاركون في بناء نهضة البلاد.
ويلعب متحف أطفال اللوفر أبوظبي دوراً توعوياً مهماً لتفعيل دور المتحف في التعليم، فمساحة التعلم والتجريب والمعايشة والابتكار كبيرة في هذا المتحف الموجه للأطفال من عمر 6 إلى 12 عاماً، مع إتاحة مجموعة جذابة من الأعمال والمقتنيات التي تتوافق مع السرد العام لمتحف اللوفر أبوظبي، وذلك لتنمية قدرات التذوق الفني والملاحظة والتحليل والمقارنة والنقد، وهي مهارات أساسية لتطوير التفكير والخروج على السائد، وفهم الآخر واستيعاب التنوع الإنساني وتقبله.
لقد بدأنا نلمس حاليا نتائج توجه أبوظبي نحو تنويع اقتصادها عبر تنمية اقتصاد المعرفة، وتعد المتاحف العالمية في القطاع الثقافي بجزيرة السعديات أحد تمثلات هذا التوجه، وهو أحد المشاريع التي تتكامل مع المبادرات والمشاريع الثقافية الأخرى التي يتم تأصيلها في مجالات الفنون والتراث والنشر الأدبي والفكري ودعم المواهب، وهي جهود تفتح أبواباً واسعة لتطوير تخصصات ثقافية تتطلب خبرات خاصة ومهارات نوعية بدأت تأخذ طريقها نحو الاحتراف، فالكادر الوطني الذي يعمل في متحف اللوفر أبوظبي بلغ نسبة 50%، ويعكس ذلك اهتمام أبناء البلد بالعلوم المتحفية وما يتصل بها مثل اهتمامهم بالعلوم العلمية، ونتوقع أن يزداد هذا الاهتمام أكثر الآن مع فتح متحف اللوفر أبوظبي أبوابه للجميع، بمن فيهم الباحثين والدارسين لتعلم المزيد عن مجموعة مقتنيات المتحف، الأمر الذي نتوقع منه الخروج بنتائج علمية وتاريخية جديدة بسبب الطرق المختلفة في التفكير وفق المقارنات التي يتيحها السرد المتحفي للوفر أبوظبي، والأسئلة التي تطرح نفسها في السياق السردي.
ومع افتتاح متحف اللوفر أبوظبي، تأكد عاصمتنا الحبيبة على دورها التاريخي كهمزة وصل بين الحضارات، ففي الأمس البعيد كانت أبوظبي محطة مهمة على طريق الحرير عبر القارات، تصب فيها تجارة العالم وثقافاته التي يحملها عابرو هذا الطريق شرقاً وغرباً، فهي الآن المحطة التي يتوقف عندها الباحثون عن المعرفة والفنون والتراث، وهي حتما أفضل مكان تتحاور فيه العقول، فهنا في أبوظبي كل ثقافة لها أثر.