أرشيف دنيا

الاتحاد

مقاطعة منتجات الدول المسيئة للإسلام جهاد مشروع

مع كل حملة جديدة ضد الإسلام أوالإساءة إلى مقدساته ورموزه في بعض من الدول الغربية يثار التساؤل حول الرد المناسب أو الأسلوب الأفضل لمواجهة هذه المواقف. وفى الفترة الأخيرة اندلعت أكثر من أزمة تسببت فيها الأفلام والرسوم والكتابات المسيئة التي لا يمكن اعتبارها مجرد حوادث فردية، وكان آخر هذه الأزمات قرار حظر بناء المآذن في سويسرا.. وإزاء هذه الهجمات عاد الحديث حول جدوى المقاطعة حيث يحذر البعض من تداعيات استخدام المقاطعة وتأثيراتها السلبية على الأمة.
ونفى الدكتور محمد عبدالحليم عمر، الخبير الاقتصادي المعروف، أن تكون المقاطعة خروجا على الإنسانية أو أن تكون دعوة ينادي بها المسلمون فقط، وأكد أنها من أهم الأسلحة السلمية التي تستخدم في الصراع. وقال إن البشرية عرفت المقاطعة على مدى التاريخ وحتى العصر الحديث. فقد استخدمها مشركو مكة بمفهومها الشامل مع الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فيما هو معروف في كتب السيرة بخبر الصحيفة، والتزموا بهذه المقاطعة ثلاث سنوات. وفى العصر الحديث لجأ إليها الزعيم الهندي غاندي في بداية القرن العشرين، حيث نادى بالامتناع عن استخدام أي سلع أو خدمات من إنجلترا التي كانت تحتل الهند ولبى الشعب الهندي دعوته. وعن إمكانية وجدوى استخدام المقاطعة ضد الدول التي تسئ إلى الإسلام ونبيه - صلى الله عليه وسلم - يقول إن حملة المقاطعة أظهرت إمكانية توحد المسلمين في جميع الدول حول قضية ما. ولأول مرة في التاريخ الحديث يهتم الغرب بالمسلمين وبكلمتهم، ففي كثير من المشكلات والقضايا التي تسيء إلى المسلمين عقدت اجتماعات للقمة على مستوى الرؤساء، وصدرت قرارات تشجب هذه التصرفات المسيئة إلى المسلمين، ومع ذلك لم يلتفت الغرب أو المنظمات الدولية لها مما يدل على ذهاب ريح المسلمين بالتعبير القرآني.
جهاد مشروع
ويؤكد أن المقاطعة أظهرت جدوى التحرك الشعبي الكامل ومدى حب المسلمين للرسول الكريم - صلى الله عليه وسلم- وهو ما يدل على صدق الإيمان ورسوخ العقيدة.
ويقول إن المقاطعة التي قامت بها الشعوب الإسلامية بسبب الرسوم المسيئة إلى الرسول- صلى الله عليه وسلم- وحملات التشويه ساهمت في وعي الدول الغربية بخطورة هذه التجاوزات وبدأوا يراجعون مواقفهم من الإسلام والمسلمين، ولأول مرة يقدم الغربيون اعتذارات عن إساءة وجهت للمسلمين ويملأون بها صفحات الجرائد، وعادت ريح المسلمين قوية مؤثرة نظرا لما ساندها من إجماع وتوحد للمسلمين في وجه الحملة المسيئة تحقيقا لقوله تعالى: “وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين “ 46 الأنفال.
وعن المقاصد المشروعة للمقاطعة الاقتصادية، يقول الدكتور حسين شحاتة، أستاذ المحاسبة بجامعة الأزهر، إن الهدف الأساسي من المقاطعة هو إضعاف اقتصاد الدول التي تتعمد الإساءة للإسلام ومقدساته ورموزه وشعوبه ومن يوالونها وتقوية اقتصاد الأمة حتى تكون لها قوة وعزة وكرامة، كما أن من مقاصدها كذلك عقاب هذه الدول على أفعالها التي لا تقبلها القيم الإنسانية السوية التي تحض على احترام الأديان والعيش في سلام بين الأمم والشعوب، والتعبير الصادق عن النصرة لدين الله ولكتابه ولرسوله وللمسلمين عامة وإرسال رسالة قوة عزيزة إلى الدول التي تستهدفنا بأن الأمة الإسلامية بخير ولن تفرط في دينها أو في أرضها.
وأوضح أن المقاطعة تطبيق حقيقي لمفهوم الأخوة في الله، وإشعار المسلم بعزته وبكرامته وبشخصيته وبهويته واختبار قوة إيمانه أمام تحديات التضحية من أجل جعل كلمة الله هي العليا ومقاومة ضغوط الغرائز والشهوات والأهواء.
وعن موقف الشريعة من المقاطعة، يقول: الإسلام دين السلام ويدعو إلى التعاون والتعارف والبر والتقوى بين الناس ويرفض العدوان والتعدي ولا يأمر باستخدام القوة إلا لرد العدوان والدفاع عن النفس، والمقاطعة رفض للعدوان وهى جهاد مشروع ودليل ذلك قوله سبحانه: “والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر... “التوبة 71، والله تعالى ينهانا عن موالاة المعتدين بالود والمحبة والمد بأسباب القوة ومنها القوة الاقتصادية لان ذلك يساهم في زيادة قوة المعتدي، وذلك في قوله عز وجل: “إنما ينهاكم الله عن الذين قاتلوكم في الدين وأخرجوكم من دياركم وظاهروا على إخراجكم أن تولوهم ومن يتولهم فأولئك هم الظالمون” الممتحنة الآية 9.
مزاعم باطلة
وقال إن الزعم بأن المقاطعة الاقتصادية غير ممكنة بسبب المعاهدات والاتفاقيات التي بيننا وبين الغرب، حيث يأمرنا ديننا باحترامها كما أننا لا نستطيع المقاطعة في ظل سياسة الانفتاح الاقتصادي والعولمـة والجات، فهو زعم باطل ومردود عليه بأن هذه الاتفاقيات ليست أقدس عند الأمة من كتاب الله وسنة رسوله -صلى الله عليه وسلم- كما أن الدول الإسلامية مأمورة بأن يكون هناك انفتاح اقتصادي أولا بين دولها، وأن تعقد المعاملات الاقتصادية بينها، وأن مقاصد الشرع ترفض أن يكون تطبيق الاتفاقات فيه مساس بالعقيدة وعزة الأمة وحريتها أو أن تصبح قيدا على تحركات الأمة في سبيل تأمين وجودها.
ويضيف أن المقاطعة الاقتصادية تحقق فوائد كثيرة للأمة أهمها القضاء على البطالة وتحسين جودة السلع الوطنية وخفض أسعارها وزيادة مقدرتها على المنافسة لأنها تؤدى إلى زيادة الإنتاج الوطني في مجال الضروريات والحاجيات كما تقوي العلاقات الاقتصادية بين الدول العربية والإسلامية وترسخ الاعتماد على الذات.
وحذر من تجاهل حقيقة أن الدول الغربية تعمد إلى الممارسات الاحتكارية في علاقتها الاقتصادية مع امتنا، وقال: الغرب هدفه ضرب اقتصاديات الدول الإسلامية، حيث تلجأ مؤسساته العملاقة في البداية إلى الإغراق بتخفيض الأسعار لتبوير المنتجات الوطنية في دولنا وإيقاف إنتاجها ثم بعد ذلك تمارس الاحتكار وترفع الأسعار والإثراء على حسابنا وزيادة فقرنا وتخلفنا.
وأضاف: أن المقاطعة حققت خسائر اقتصادية فادحة للدول التي تسئ للإسلام وهى موقف يثاب المسلم عليه، ويعاقب على تركه ولا يجوز قياس نتائجها بمقاييس مادية ونتجاهل المكاسب المعنوية الروحية، فالذي يضحي بالمال وبالمكاسب الاقتصادية من أجل الثواب من الله هو الرابح في ميزان الإسلام.
سلاح مهم
ويرى الدكتور عبدالحميد الغزالي، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، أن المقاطعة سلاح مهم يجب إحكام استخدامه ضد الدول التي تسيء إلى مقدساتنا وتتعمد تشويه صورة الإسلام أمام العالم. ويؤكد أن تحقيق المقاطعة لأهدافها يتوقف على ترتيب بيتنا من الداخل والعمل على استغلال الموارد الاقتصادية المتاحة بكفاءة وزيادة الإنتاجية بشكل جاد ومستمر والاستغناء عن المعونات التي تقدمها الدول الغربية.
ويقول الدكتور محمد عمارة، المفكر الاسلامي، إن المقاطعة تحرك حضاري تعبر به الأمة عن رفضها للحملات التي تتعمد تشويه صورتها والعدوان على مقدساتها والإساءة إلى رموزها. مؤكدا أنها نوع من الجهاد الذي يمتلكه رجل الشارع العادي باختياره الحر دفاعا عن دينه وقيمه الإسلامية. وحذر من محاولات التهوين من جدوى المقاطعة واستخدامها في مواجهة الدول التي تستهدف الإسلام، وقال: الأمة الإسلامية تعدادها يصل إلى أكثر من مليار ومئتي مليون مسلم وهى تمثل سوقا استهلاكية شديدة التأثير في الاقتصاد العالمي.
وتقول الدكتورة عفاف النجار، الأستاذ بجامعة الأزهر، أن القيم والأعراف الإنسانية ترفض المساس بالمقدسات وازدراء الأديان ومن حق الأمة الإسلامية أن تغضب وتحتج بطريقة حضارية على حملات التشهير المتعمدة والمنظمة التي توجه لدينها ورسوله -صلى الله عليه وسلم.
وأضافت أن الهدف من المقاطعة إشعار مواطني الدول التي تستهدف الإسلام بان الشعوب الإسلامية لن تقبل هذه الفوضى ولديها قدرة على مقاومة العدوان على مقدساتها واللجوء إلى مقاطعة منتجات هذه الدول.

قرار خطير له تأثيرات بالغة الحساسية

عن موقف القانون الدولي من المقاطعة، يقول الدكتور إبراهيم العناني، وكيل لجنة الشؤون العربية والأمن القومي بمجلس الشورى المصري وأستاذ القانون الدولي بجامعة عين شمس، إن فقهاء القانون الدولي اهتموا بهذه القضية باعتبارها إجراء تلجأ إليه سلطات الدولة أو هيئاتها وأفرادها المشتغلون بالتجارة لوقف العلاقات التجارية مع دولة أخرى ومنع التعامل مع رعاياها بقصد الضغط الاقتصادي عليها ردا على ارتكابها أعمالا عدوانية.
وشدد على أهمية التفرقة بين المقاطعة الاقتصادية الرسمية التي تقوم بها الدول والمقاطعة الشعبية التي يدعو إلى تطبيقها الأفراد والمؤسسات غير الرسمية بدافع من شعورهم الوطني والديني. موضحا أن المقاطعة قرار خطير له تأثيرات بالغة الحساسية والدقة ولهذا فهو يحتاج إلى دراسة جيدة وواعية بكل تداعياته قبل اتخاذه حتى لا تكون له تأثيرات ضارة وسلبية على امتنا. فلابد أن نفرق بين السلع المنتجة باستثمارات غربية في دولنا والسلع الواردة من الغرب والولايات المتحدة مباشرة لان السلع المنتجة باستثمارات غربية في دولنا تحقق إضافة لاقتصاد أمتنا ومردودها ايجابي على مستوى تشغيل العمالة وإنتاج السلع التي نحتاج إليها ومقاطعة منتجاتها تضر اقتصادياتنا وتؤدى إلى تشريد العمالة. ويؤكد أن المقاطعة الحقيقية والمجدية تكون بمنع استيراد السلع من الدول التي يثبت تعمدها الإساءة للمقدسات الإسلامية

اقرأ أيضا