صحيفة الاتحاد

ثقافة

اللوفر أبوظبي أفق التمثلات الإنسانية بلا حدود

محمد خليفة المبارك

محمد خليفة المبارك

ماذا يمكننا أن نفهم من انبثاق العديد من أنماط الفنون والتقاليد والطقوس الاجتماعية من حضارات متزامنة لكن تفصلها مساحات شاسعة في فترة مبكرة من تاريخ البشرية؟ كيف أقيمت تلك الصلات بين الصين واليونان مثلاً أو الهند واليونان في وقت كانت فيه الجغرافيا أكثر قسوة مما نعرف اليوم، ووسائل النقل كانت بدائية إذا لم تكن مستحيلة؟. وكيف استطاع الفنانون والحرفيون أن ينسخوا عن بعضهم أو يستلهموا نفس الأساليب دون الاطلاع على الثقافات الأخرى؟

إني أتحدث عن زمن ما قبل التاريخ، حيث لم تكن العجلة قد اخترعت بعد، والكتابة أيضاً لم تكن قد تطورت، وبالتالي لم تكن الصلات مفتوحة بين القارات ليتم التأثير الثقافي. إن تحليل هذه الظاهرة وإخضاعها للمنطق يأخذنا إلى خلاصة جوهر الإنسانية التي غيبها تاريخ طويل من الحروب والنزاعات والأفكار الأحادية، هذا الجوهر الذي يتجسد في التعابير بمختلف أشكالها، والتي تنبع من مصادر إلهام واحدة؛ من عمق الذات الإنسانية التي تتأثر بمحيطها بنفس القدر أين ما تكون.
يمكن تأمل التأثيرات المشتركة للحضارات بشكل واضح بالمقاربة التي يتيحها أسلوب عرض مقتنيات متحف اللوفر أبوظبي، وهو أسلوب سردي مبتكر يعيد التذكير بما يجمع الإنسانية ويلغي الفوارق التي تقسم الحضارات وفق الجغرافيا أو النسق الثقافي الواحد، حيث لا يمكن إنكار ذلك الخط الرفيع من التواؤم والتوافق في الفنون التي رافقت البلاط والأمراء والملوك من الصين إلى اليونان خلال الألف الثاني قبل الميلاد، ذلك الشغف بتفاصيل الفخامة يبدو أنه قد بدء منذ وقت مبكر جداً عند الجميع على الأرجح عبر القارات، حتى قبل أن ندرك سمات الطابع الملكي الذي تبلور في عصور لاحقة.
يتجلى ذلك في مقتنيات معروضة تحت قبة اللوفر أبوظبي المذهلة، والمتمثلة في مجموعة فريدة من الأواني التي كان يستخدمها الأمراء على موائدهم الاحتفالية من الصين إلى الإغريق إلى مصر، في أوقات تمتعت بها تلك الممالك بالاستقرار ورفاهية العيش، بينما تظهر أنماط أسلوبية متجانسة في مجموعة تماثيل دينية من روما والهند تأثر بالنحت اليوناني القديم بشكل متوازٍ.
تضم مجموعة الأواني جرة من العصر الميني الحديث (1500-1450 ق.م) عليها زخارف نباتية مستوحاة من الحياة الزراعية في جزيرة كريت، ومن عصر نهاية المماليك المتناحرة في الصين (475-221 ق.م) يظهر على برميل أو دنّ «فنج-هو» زخارف شبيهة، كلا الإناءين يعدان دليلاً على تحول الحضارتين التي صنع فيهما الإناءان، فقد تحولا من الاستخدام الطقسي الأصلي إلى ما يسمى بالمراسم الاجتماعية، فقد شاع استخدام مثل هذه الأواني ذات الطابع الإغريقي كعربون للأحلاف الاجتماعية في السياق الثقافي الأوسع، وليس على نطاق البلاط فقط، وذلك في ثقافات أخرى أيضاً مثل الاترسكيين في إيطاليا والسلتيين في أوروبا وكذلك على أوانٍ من طراز «زو» الصيني. اللغة الرمزية على هذه المقتنيات تكاد تكون واحدة، فهي تنزع إلى التعبير عن التحضر وتعكس رفاه المجتمع. فالأواني المعدنية المرتبطة بالفخامة والثراء يعتقد أن ظهورها ارتبط مع انتشار الأسلحة البرونزية وبداية ترويض الحصان واستخدام العربة، وهي مؤشرات للتحضر الذي يتبع الاستقرار وإقامة المدينة التي يحميها المحاربون.
وخارج أسوار البلاط، تظهر تمثلات نمط فني من ثقافة مختلفة على ثلاثة تماثيل دينية قادمة من قارتين مختلفتين، فما بين تمثال «التوغة» الروماني أو الخطيب المنحوت من المرمر في أواخر القرن الأول تقريباً في إيطاليا، إلى تمثال «بوذاسف» من غاندهارا (باكستان حالياً) والمنحوت من حجر السجيل في القرن الثاني أو الثالث، وصولا إلى الرأس الإمبراطوري الروماني المنحوت من البرونز والذهب في روما بأواخر القرن الثاني، تظهر تأثيرات أسلوبية تكاد تكون متطابقة من الفن اليوناني، ولا يقتصر ذلك على ملامح الوجه فقط بل في ثنيات الأثواب والشعر والتعبير الجسدي، في تمثل إنساني عميق لرؤية فنية واحدة.

سيكون علينا التفكر ملياً في واقع الإنسانية اليوم والمستقبل الذي نتطلع إليه، هل نريد لسيرة الدم أن تستمر أم لدينا القدرة على استبدالها بسيرة جديدة نستثمر فيها الطاقات الخلاقة لواقع أكثر رخاء ونماء؟

على الإنسانية أن تجيب!