صحيفة الاتحاد

دنيا

لورا فيشيا: محمد الصادق الطاهر الأمين

غلاف كتاب لورا فيشيا فاغليري (من المصدر)

غلاف كتاب لورا فيشيا فاغليري (من المصدر)

أحمد مراد (القاهرة)

لورا فيشيا فاغليري، باحثة إيطالية، ولدت سنة 1893، درست التاريخ الإسلامي واللغة العربية وآدابها، عملت أستاذاً للغة العربية وتاريخ الحضارة الإسلامية في جامعة نابولي، وقدمت في هذا الشأن العديد من المؤلفات منها كتاب «قواعد العربية» في جزأين، وكتاب «دفاع عن الإسلام»، والذي صدر باللغة الإيطالية ثم ترجم إلى الإنجليزية، وهو من أكثر الكتب الاستشراقية إنصافاً للإسلام ورسوله.

أعداء الإسلام

وفي شهادتها كما جاء في كتابها «دفاع عن الإسلام»، تقول فاغليري: حاول أقوى أعداء الإسلام - وقد أعماهم الحقد - أن يرموا نبي الله ببعض التهم المفتراة، لقد نسوا أن محمداً كان قبل أن يستهل رسالته موضع الإجلال العظيم من مواطنيه بسبب أمانته وطهارة حياته، ومن عجب أن هؤلاء الناس لا يجشمون أنفسهم عناء التساؤل كيف جاز أن يقوى محمد على تهديد الكاذبين والمرائين في بعض آيات القرآن، لو كان هو قبل ذلك رجلاً كذاباً؟ كيف يجرؤ على التبشير، على الرغم من إهانات مواطنيه، إذا لم يكن ثمة قوى داخلية تحثه - وهو الرجل ذو الفطرة البسيطة - حثاً موصولاً؟ كيف استطاع أن يستهل صراعاً كان يبدو يائساً؟ كيف وفق إلى أن يواصل هذا الصراع أكثر من عشر سنوات في مكة، في نجاح قليل جداً وفي أحزان لا تحصى، إذا لم يكن مؤمناً إيماناً عميقاً بصدق رسالته؟ كيف جاز أن يؤمن به هذا العدد الكبير من المسلمين النبلاء والأذكياء، وأن يؤازروه ويدخلوا الدين الجديد ويشدوا أنفسهم بالتالي إلى مجتمع مؤلف في كثرته من الأرقاء والضعفاء، والفقراء المعدمين إذا لم يلمسوا في كلمته حرارة الصدق؟ ولسنا في حاجة إلى أن نقول أكثر من ذلك، فحتى بين الغربيين يكاد ينعقد الإجماع على أن صدق محمد كان عميقاً وأكيداً.

المبادئ الإلهية

وتضيف: كان محمد المتمسك دائماً بالمبادئ الإلهية شديد التسامح، وبخاصة نحو أتباع الأديان الموحدة، لقد عرف كيف يتذرع بالصبر مع الوثنيين، بالأناة دائماً اعتقاداً منه بأن الزمن سيتم عمله الهادف إلى هدايتهم وإخراجهم من الظلام إلى النور، لقد عرف جيداً أن الله لا بد أن يدخل آخر الأمر إلى القلب البشري، لقد دعا الرسول العربي بصوت ملهم باتصال عميق بربه، دعا عبدة الأوثان وأتباع نصرانية ويهودية محرفتين على أصفى عقيدة توحيدية، وارتضى أن يخوض صراعاً مكشوفاً مع بعض نزعات البشر الرجعية التي تقود المرء إلى أن يشرك بالخالق آلهة أخرى.

زيجات الرسول

وفي نفس الكتاب، فندت فاغليري الشبهات التي أثارها الغرب حول زيجات الرسول، فتقول: إن محمداً طوال سنين الشباب التي تكون فيها الغريزة الجنسية أقوى ما تكون، وعلى الرغم من أنه عاش في مجتمع كمجتمع العرب، حيث كان الزواج، كمؤسسة اجتماعية، مفقوداً أو يكاد، وحيث كان تعدد الزوجات هو القاعدة، وحيث كان الطلاق سهلاً إلى أبعد الحدود، لم يتزوج إلا من امرأة واحدة، هي خديجة التي كانت سنها أعلى من سنه بكثير، وأنه ظل طوال خمس وعشرين سنة زوجها المخلص المحب، ولم يتزوج مرة ثانية، وأكثر من مرة، وبعد أن توفيت خديجة، وبعد أن بلغ الخمسين، لقد كان لكل زواج من زيجاته سبب اجتماعي أو سياسي، ذلك بأنه قصد من خلال النسوة اللاتي تزوجهن إلى تكريم النسوة المتصفات بالتقوى، أو إلى إنشاء علاقات زوجية مع بعض العشائر والقبائل الأخرى ابتغاء طريق جديد لانتشار الإسلام وباستثناء عائشة، تزوج محمد من نسوة لم يكن لا عذارى، ولا شابات، ولا جميلات، فهل كان ذلك شهوانية؟ لقد كان رجلاً لا إلها، التزم دائماً سبيل المساواة الكاملة نحوهن جميعا، ولم يلجأ قط إلى اصطناع حق التفاوت مع أي منهن، لقد تصرف متأسياً بسنة الأنبياء القدامى مثل موسى وغيره، الذين لا يبدو أن أحداً من الناس يعترض على زواجهم المتعدد، فهل يكون مرد ذلك إلى أننا نجهل تفاصيل حياتهم اليومية، على حين نعرف كل شيء عن حياة محمد العائلية؟.

هزيمة الوثنية

وتقول فاغليري: بفضل الإسلام الذي جاء به محمد هزمت الوثنية في مختلف أشكالها، لقد أدرك الإنسان آخر الأمر مكانته الرفيعة، لقد هوى الكهان وحفظة الألغاز المقدسة الزائفون، وسماسرة الخلاص، وجميع أولئك الذين تظاهروا بأنهم وسطاء بين الله والإنسان، والذين اعتقدوا بالتالي أن سلطتهم فوق إرادات الآخرين، لقد هوى هؤلاء كلهم عن عروشهم، إن الإنسان أمسى عبداً لله وحده، وأعلن محمد باسم الإسلام المساواة بين البشر.