الاتحاد

ثقافة

أدب الاستغراب.. ومقاربة الإرهاب (1- 4)

العتبة الأولى:



الثقافة في مرمى الإرهاب..
 

عندما أخذت ستائر المسرح تنحسِر من المنتصف، وجدائل القماش المعتم تتهادى ببطء في الاتجاهين، انفرجت أسارير المساء في أناة عن ركْحِ عرضٍ فسيح بدأت إضاءة خافتة سديمية تلقي عليه مسحة حميمية، لتتحول بسرعة إلى إضاءة ساطعة ناصعة، وسط موجة تصفيق لا عهد لعاصمة الأنوار والثوار بمثلها، فيما الجمهور المتحمس المقبل على مباهج الحياة، منتشٍ بأجواء بداية سهرة ثقافية في مساء جديد سعيد آخر من مساءات مسرح باتاكلان الباريسي الشهير.

وفجأة جرى كل ما كان متوقعاً دفعة واحدة، فقد أطلق فنانو الفرقة الموسيقية الأميركية حناجرهم في عنان السماء وسط الموسيقى الصاخبة، وملأت الحياة المكان وهزت الوجدان بعد هدأة الوقت ولحظات الانتظار الشاحبة، فيما كان الدخان الاصطناعي الأشهب يجلل المسرح ورجال حسنو الصنع يهزون جدائلهم «الهيبية» البوهيمية، وقد ركبت ربات الإبداع والإمتاع رؤوسهم فطفحت الأغاني وتدثر الإيقاع بالسماع.. وشيئاً فشيئاً سرت عدوى الإيقاع في الأسماع فراح الجمهور يتجاوب في ابتهاج وهياج مع الأغاني التي يحفظ سلفاً معظمها عن ظهر قلب، وقد عبَرت إليه كلماتها المحيط الأطلسي، قبل الفرقة بزمن بعيد.

وبسرعة شق صخب? الموسيقى صوتُ صَلْيةِ رصاص، ورأى الجميع شرارات الرماية والدخان الأحمر يجلل المكان، وبعض الموجودين على المسرح يقعون أرضاً، متكوّمين فوق بعضهم بعضاً، ليتوقف نشيج النغم تماماً وتنهار كل الآلات والأشياء على ظلالها.. وبعد برهة وجوم ازداد فجأة تيار التصفيق المحموم، الأيادي العليا تقع على السفلى: تعلك طواحين الهواء. ولفرط براءتهم، ظن أفراد الجمهور في البداية أن صوت الرماية مجرد حيلة إخراجية أراد بها مخرج الأمسية إضفاء طابع أكثر صخباً وإثارة على هذا الحفل الموسيقى غير العادي! ولكن لا، فقد انقطع الشك بالدم والدمع، حين أخذت نيران الغدر تحصد أرواح الأبرياء في صفوف المشاهدين أنفسهم على مقاعد المسرح، وظهرت من الكواليس على الركح أسوأ الكوابيس: أشباح وأمساخ ملثمون يحملون بنادق آلية راحوا يقترفون، في غلظة، واحدة من أبشع وأشنع جرائم العصر بحق الأبرياء العزل في عاصمة الأنوار، وفِي لحظة احتفاء واحتفال ثقافي كبير. فيما ضحاياهم الأبرياء، يتدافعون مذعورين طلباً للنجاة كغرقى «طوف الميدوز»، تتقاذفهم الأشلاء ومِزق الدم وروائح الشواء البشري في مشهد من الجنون والعنف والعبث والدمع والدم والعدم ما خطر على بال صومويل بيكيت في مسرحه، ولا بيكاسو في مرحلته السريالية الزرقاء، ولا حتى أوجين ديلاكروا في فظاعة وفظاظة بعض لوحاته حين تفيض على براويزها مشاهد المذابح والمسالخ والأعراض المنتهكة، وفظائع البؤس والجنون والويل، ووجوه الأطفال تدوسهم حوافر الخيل.

وبسرعة قطعت كل فضائيات العالم برامجها، كالعادة، وراحت أشرطتها السفلية تتلون كالحَرابي بأخبار عاجلة حمراء مثل مؤشرات البورصة، عاجل: هجوم إرهابي على مسرح «باتاكلان» في باريس.. عاجل: الهجوم على المسرح يخلف عشرات الضحايا من المدنيين العزل.. عاجل: هجمات إرهابية أخرى على ملعب كرة قدم ومقاهٍ ومطاعم في باريس.. عاجل: معلومات أولية عن ضلوع شبان متطرفين من أصول مغاربية في هجمات باريس! وبعد سيل الأخبار العاجلة بدأت الفضائيات تستضيف كبار المحللين والخبراء في شؤون التطرف والإرهاب، وبعض المثقفين المتخصصين تحديداً في شؤون الجاليات المغاربية والأوروبية المسلمة. وراحت هذه المجموعة الأخيرة بالذات تركز على خطر ثقافة التطرف المعششة في المنطقة المغاربية، وخطورة عبورها البحر المتوسط إلى فرنسا وأوروبا، لتجد شعوب القارة نفسها مرة أخرى وجهاً لوجه مع تحدي مجيء «البرابرة» وقد عبروا نهر «الريبيكون» لاكتساح روما وتدمير قيم وصروح الحضارة. ووسط هرج الفتن والملاحم، والوجوه الطالعة من القماقم، لم يفوّت بعض مثقفي النزعة الفرانكوفونية المغاربيين فرصة هذه الفجيعة الشنيعة للتحريض على كل ما له علاقة بالثقافة العربية، وما يسمونه هوية «الاستعراب» المستعارة في الفضاء المغاربي المصاقب لأوروبا مباشرة.

ورد آخرون من الضفة الأخرى متهمين ما يعتبرونه هم أيضاً ثقافة «الاستغراب» والاستلاب باعتبارها خطاً خفياً ممكناً من خطوط صناعة التطرف والإرهاب! ووسط تقاذف التهم، ككرة النار، راح كثير من غير العارفين ببعض الخصوصيات الثقافية للمنطقة المغاربية -واستطراداً ثقافة جالياتها المتوطنة وراء العدوة الأوروبية- يتساءلون ابتداءً عن معنى جدل الاستغراب والاستعراب، والحقل الدلالي والثقافي الذي يتنزّلان فيه، في السياق المغاربي تحديداً؟ ليجيب لسان الحال، على السؤال، بأن هذه قصة، بل غصة مريرة، تستحق الآن أن تسرد بكل تفاصيلها، كما ينبغي للقصص الكبرى أن تروى حسب الأصول: بأن نبدأ مع بدايتها، ولا نتتهي إلا مع نهايتها.



العتبة الثانية:
 

استغراب.. بأي معنى؟

لئن كان مفهوم الاستغراب في هذا العنوان لا يحيل ذهنياً إلى الدلالة اللفظية الأولية للفظ الاغتراب بمعنى التغرُّب عن الأوطان فقد يحيل ضمناً إلى معناه دون حاجة إلى استدعاء اللفظ نفسه كآلية تكثيف واحتشاد يستخدم فيها اللفظ دون المعنى، أو العكس. والاغتراب، إذ يحيل إلى أدب المهجر، هو عكس الاغتراب بمعنى الاستلاب، وفي الذهن مثلاً الأدباء الشوام في الأميركتَين، إذ لم يمنعهم بُعد الدار ومشقة المزار، ولا المفارقة المكانية والمغايرة الدينية أحياناً، من الاستمرار في التعلق بثقافة ولغة أرض الأصل والمنبت في الشرق العربي، وظل إبداعهم الأدبي المَهجري عربي اللسان والملمح والوجدان في كل مكان.

كما لا يحيل هذا المفهوم أيضاً إلى نوع من التوسع في الاشتقاق من مفهوم «الاغتراب» L'aliénation بالمعنى الماركسي، الذي يصف، في إسقاطاته السوسيو- ثقافية، حالة الاستلاب والانمساخ والانسلاخ من الذات الثقافية وخلع الهوية، وإن كان هذا أيضاً هو مؤدى المفهوم نفسه، للمفارقة.

وليست في لفظ «الاستغراب» المقصود في هذه المقاربة أيضاً مماثلة أو نسجٌ على منوال مفهوم «الاستغراب» عند المفكر المصري حسن حنفي حين قدم ما سماه نظرية «علم الاستغراب» داعياً المثقفين العرب للتعمق في الدراسات الغربية بهدف تفكيك المركزية الغربية وكشف أوهام الذات المعششة في أذهان كثير من الغربيين. والاستغراب الذي يريده حنفي يمكن اعتباره مقابلاً للاستشراق لدى الغربيين، حين انكبّوا على دراسة ثقافتنا ومنظومتنا القيمية والذهنية، وكان ذلك وسيلة من وسائل سيطرتهم وهيمنتهم على بلداننا العربية، لأن المعرفة قوة، في محصلتها النهائية. وبهذه الكيفية تكون ثنائية الاستشراق- الاستغراب آليتين من آليات المواجهة بيننا وبين الغرب، وهنا مكمن المفارقة في التقاء وافتراق اللفظ والمعنى، مرة أخرى.

والسؤال إذن: بأي معنى تحديداً نستخدم هنا مفهوم الاستغراب؟ إننا نستخدمه بالمعنى الدلالي المعجمي اللغوي، غير المجازي أو المزاجي، لأن من معاني صيغة «استفعل» في اللسان العربي طلب حصول الفعل وتمني حدوثه. والاستغراب بهذا المعنى، في خامته المعجمية، يعني السعي الطوعي، عن إرادة وقصدية، بدرجات قد يزيد الشعور بها أو يقل، للانسلاخ من الذات والهوية، والتماهي، بل التباهي أحياناً بهذا التماهي مع الغرب، والانسحاق والانمحاق فيه، في عملية «مذاوتة» مستعارة ينخرط فيها بعض دعاة الاستغراب من طرف واحد. ولذا فإن المفهوم، بهذا المعنى المعجمي، أو بالأحرى الصرْفي، وصف لحالة، وليس حكماً قيمياً، يحتمل معاني القدح أو المدح، الهجاء أو الثناء!

والحال أن الموقف الصعب من النزوع نحو الاستغراب والغرب في البلدان المغاربية يمتد لتاريخ مديد، ويتمظهر في صور ثنائيات صراع مزمن حول الموقف من العرب والغرب، وهي ثنائيات تستدعي نفسها على هامش ثنائيات عربية أخرى أكثر عمومية كثنائيات الأصالة والمعاصرة والتراث والاستحداث والتقليد والتجديد! ولئن كان دعاة النزوع العربي، أو بالأحرى العروبي، ظل صوتهم هو الأعلى والأقوى في مرحلة النضال التحرري من الاستعمار، فقد صار صوت دعاة التغريب والاستغراب والنفور من كل ما هو عربي، الذين يسمون في الإعلام أحياناً «حزب فرنسا»، هو الأعلى والأقوى منذ العقود الأولى للدول الوطنية! ويعرف عن هؤلاء عادة اتهامهم لذوي الثقافة العربية بـ«الاستعراب» Arabisation، وبأنهم يستوردون من الشرق العربي قيماً وثقافة مفارقين للخصوصيات المحلية المغاربية! ويغدق هؤلاء المستغربون على «المعرّبين»، في كل سجال، طرفاً ضافياً من غليظ الكلام، وأنواع الملام! ومع التمادي في غواية التوصيف وهواية التصنيف ومحاكمة النوايا والطوايا، يمحّضونهم ترسانة قدح وحُطيئة، في مقابل تولُّجهم هم، من وجهة نظر منتقديهم، وسباحتهم دون حرج في سراب الاستغراب، بما هو ابتذال وخطيئة!

ويرى آخرون أيضاً أن إشكال الاستغراب وخطر الاستلاب الثقافي ليس حالة ثقافية مغاربية خاصة، بل هو حالة عربية شبه عامة، والفرق بين بلد عربي وآخر هو في الغالب فرق في الدرجة وليس في النوع، في ظل عمق الرضّة الحضارية والحضور الطاغي في معظم البلدان العربية للغات الأجنبية، الفرنسية والإنجليزية، والتهميش المتزايد للغة العربية، في نظم التنشئة والتعليم ومنظومات الثقافة والإعلام ومعاملات الإدارة العمومية وحتى القطاع الخاص.

وفي القراءة الاستطلاعية الموسعة التالية سنقف على صور مختلفة من جدل الاستغراب و«الاستعراب»، بشيء من التفصيل والتعميم، حسب المقام لا تقصُّداً للتفصيل بمعنى التصميم. ولكن يلزمنا قبل ذلك تسجيل ملاحظة إجرائية، هي أننا سنمارس نوعاً من طرد المتن بعدم تثبيت بعض مصادر المدونة النقدية والمرجعية التي نستند عليها، مع إشارات إلى اقتباسات محددة فقط، لأن المسطرة الإرشادية لتقاليد النشر الصحفي اليومي لا تتيح ترف الإحالة إلى كل المصادر والمراجع، وخاصة أن أغلبيتها فرنسية. وهذا التقليد يروح ضحيته عادة الهامش ومدونة الإحالة خشية الوقوع تحت طائلة الإطناب والإطالة. هذا مع أن هامش الإحالات هو المتن الحقيقي، في الدراسات الأكاديمية والترْجمية، المتجهة وذات الصفة، بطبيعة الحال.



 



العتبة الثالثة
 

المغارب.. الثلاثة!

مع أن كلمة المغارب الواردة في العنوان الفرعي أعلاه قد تحيل ذهنياً إلى بلدان المغرب العربي الخمسة (ليبيا وتونس والجزائر والمغرب وموريتانيا)، إلا أننا نستخدمها هنا بالمفهوم الفرنسي تحديداً الذي يطلق اسم «المغرب» Le Maghreb حصراً على ثلاثة بلدان فقط هي تونس والجزائر والمغرب، وهو مفهوم مواطئ -بالصدفة؟- للمفهوم العربي القديم أيضاً، حيث كانت المغارب ثلاثة فقط، المغرب الأدنى أو إفريقية (تونس)، والأوسط (الجزائر)، والأقصى (المغرب). أما ليبيا فكان إقليم طرابلس عند المؤلفين العرب القدامى يضاف أحياناً إلى إفريقية، وإقليم برقة وفزان ذوا حالة مختلفة، فيما اعتبرت موريتانيا قديماً ضمن أمصار «الغرب» الذي يشملها مع المغرب والأندلس، أو صحراء الملثمين الداخلة فيما وراء مجابات سوس المغرب الأقصى، أو ضمن بلاد التكرور والسودان الغربي، حيناً بحين. ولعل هذا التغير والتحول في التسمية والماهية هو ما يستدعيه عنوان أول رواية موريتانية، «الأسماء المتغيرة» للأديب المعروف أحمد ولد عبد القادر.

على أن هذا السياق المفهومي التاريخي ليس أيضاً هو دافعنا الوحيد لاستبعاد ليبيا وموريتانيا من موضوع هذه القراءة الاستطلاعية، فثمة أيضاً السبب الأدبي الموضوعي، وهو الأهم، فليبيا لم تكن يوماً دولة فرانكوفونية بل كانت مستعمرة إيطالية. وعلى رغم دخول فرنسا لإقليم فزان مع نهاية الحرب العالمية الثانية واندحار النظام الفاشي الإيطالي، فقد كانت فترة هذا الوجود قصيرة جداً لم تتجاوز ست سنوات، ولم تترك أية آثار ثقافية أو لغوية. ولا يعرف عن الليبيين في عهد الدولة الوطنية أيضاً أي تأثر باللغة الإيطالية، ولعل أدباء ليبيين قلة مثل محمد خليفة التليسي وفؤاد الكعبازي هم وحدهم من كان على قدر من الإلمام باللغة الإيطالية، بحكم معاصرتهم لفترة الاستعمار الإيطالي. وقد تبنت الدولة الوطنية الليبية بعد الاستقلال اللغة الإنجليزية كلغة ثانية، إلى أن جاء عهد العقيد القذافي في نهاية الستينيات، فتم التخلي تدريجياً عن اللغات الأجنبية، بل جرى حظرها أحياناً في التعليم والإعلام والفضاء العام.

ومع أن موريتانيا كانت مستعمرة فرنسية، إلا أن فترة الاستعمار فيها لم تتجاوز 55 سنة، وقد أدت قوة المقاومة الثقافية للمدرسة الاستعمارية، وضعف البنيات التحتية للمستعمرة نفسها، إلى خروج فرنسا سنة 1960 دون أن تترك وراءها في موريتانيا أي شريحة متعلمة بالفرنسية أحرى أن تكون ذات إنتاجية أدبية، وقد عُد مجموع المتحصلين على الثانوية العامة بالفرنسية عند الاستقلال أقل من عشرة أشخاص، لا أكثر.

على أن لموريتانيا أيضاً خصوصية أخرى هي أن النزعة الفرانكوفونية فيها ظلت شبه خاصة بالأقلية الزنجية، في مقابل نفور الأغلبية السكانية العربية من الفرنسية التي طغت مع ذلك إدارياً وبيروقراطياً، واتسع انتشارها كثيراً في عهد الدولة الوطنية. وقد حفزت النزعة العروبية -التي تقوى عادة في البلدان الطرَفية- الإنتاجية الأدبية بالعربية حصراً، وخاصة بعد شيوع وصف موريتانيا بـ«بلاد المليون شاعر»! وهو وهْم من أوهام الكهف -بالمعنيين الأفلاطوني والبيكوني معاً- رائج في ذلك البلد. وهو تعبير أطلقه الصحفي العربي الشهير سليم زبال في استطلاع لمجلة «العربي» الكويتية عن بلاد شنقيط (موريتانيا)، نشر في عدد المجلة لشهر أبريل من عام 1967. وبالنتيجة فلا يكاد عدد الكتاب الموريتانيين بالفرنسية من ذوي الحضور والصفة يزيد على عدد أصابع اليد الواحدة، ولعل من أشهرهم الكاتب مبارك ولد بيروك صاحب رواية «طبل الدموع» الصادرة 2015، الفائزة بجائزة «أحمدُ كوروما» الأدبية الفرانكوفونية، كما أن له أيضاً روايات أخرى مثل «ونسيت السماء أن تمطر» 2006، و«قصص من الصحراء» 2009، و«شاعر الأمير» 2013.



 

اقرأ أيضا

فضاءات وأبعاد وأسئلة تحت سقف التجريب.. «فن أبوظبي» جدلية الحياة