دنيا

الاتحاد

الزراعة الحضرية.. ضغوط غذائية في مدن الاستدامة (الجزء الأول)

لطالما كان الاعتماد على الريف في إنتاج الغذاء لسكان المدن، أمراً بديهياً، يجعل الزراعة من أجل إنتاج الغذاء دوراً أصيلاً لفلاحي القرية، فهل تتغير المعادلة في الاتجاه المعاكس، وتصبح المدن المزدحمة بالسكان والكتل الإسمنتية منتجة للخضروات والفاكهة داخل مبانيها الشاهقة وشققها السكنية ونوافذها وحتى حدائقها المنزلية؟ الإجابة نعم.

صحيح أن الريف بمفهومه التقليدي وحقوله الكبيرة المصدر الأول للإنتاج الزراعي بما يتضمنه من دورات محصولية في مواسم محددة تراعي المناخ وطبيعة التربة وكميات المياه المتاحة. لكن في ظل تنامي الهجرة من الريف إلى الحضر، ومع تعرض الإنتاج الزراعي في الريف لضغوط جمة اجتماعية واقتصادية، ناهيك عن عدم الاهتمام بمعايير الاستدامة في الإنتاج الزراعي التقليدي..بات الحديث عن الزراعة الحضرية التي تراعي هذه المعايير يلقى قبولاً لدى بلدان كثيرة في العالم.

منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» عرّفت الزراعة الحضرية بأنها «إنتاج المحاصيل وتربية الحيوانات من مساحات صغيرة ومن قطع الأراضي الفارغة وحدائق المنازل الخلفية وشرفات المنازل داخل المدينة». ولدى «الفاو» قناعة بأنه بمقدور هذا النوع من الزراعة تقديم مساهمة كبيرة في الأمن الغذائي الأسري خصوصاً في أوقات الأزمات، خاصة أن سكان الحضر محدودي الدخل ينفقون ما بين 40% و60% من دخلهم على الغذاء سنوياً.. المرونة التي توفرها الزراعة الحضرية كنمط لإنتاج الغذاء تنسجم أيضاً مع التوقعات الخاصة بتأثير التغير المناخي على الإنتاج الزراعي، فالبشرية الآن أمام تحدي يتمثل في ضمان الأمن الغذائي بمعنى توفير أغذية سليمة- في مواجهة التغير المناخي..تحد ينبغي على المعنيين بصناعة الغذاء والعلماء المتخصصين في مجال الزراعة مواجهته.

الزراعة..دواعي الابتكار:

وبما أن سكان الحضر في العالم تجاوز عددهم نصف العدد الإجمالي لسكان الأرض البالغ 7 مليارات نسمة، وفي ظل تنبؤات بأن تقفز النسبة إلى 70 في المئة بحلول 2050..ومع استمرار تصاعد وتيرة الهجرة من الريف إلى المدن، ما أدى إلى سرعة نمو سكان الحضر، حيث كانت هناك 10مدن كبرى فقط في عام 1990، ارتفع العدد اليوم إلى ما يقارب ثلاثة أمثال وأصبح هناك 28 مدينة كبيرة في العالم الآن، يصبح الإنتاج الزراعي داخل المدن واقعياً، كونه يلبي الطلب المتزايد على الغذاء الناجم عن زيادة السكان، وثمة توقعات مفادها أن إنتاج الغذاء يجب أن ينمو، خلال العقود المقبلة، بنسبة 60 في المئة، لمواجهة زيادة السكان.. وبدلاً من أن ينتظر سكان المدينة خضراواتهم وفاكهتهم الطازجة من الريف، بات بمقدورهم إنتاجها، إذا توافرت لديهم الرغبة في الحصول على منتجات صحية طازجة بتكلفة أقل وببصمة كربونية أقل، وتحقق بعضاً من أسس الاقتصاد الأخضر، الذي تقل فيه انبعاثات الكربون وتزداد فيه كفاءة استهلاك الموارد والطاقة، ويتم خلاله الحفاظ على التنوع البيولوجي. أي يمكن اعتبار الزراعة الحضرية إحدى وسائل تلبية احتياجات المجتمعات الحضرية. وبالنسبة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، توجد مؤشرات تدفع نحو الابتكار في المجال الزراعي وتوسيع الخيارات المتاحة أمام الناس في الحصول على الغذاء، بالتوازي مع الاستخدام الرشيد للموارد من مياه وطاقة، فمن المتوقع أن ينخفض توافر المياه العذبة في منطقة الشرق الأدنى وشمال أفريقيا بنسبة 50 في المئة بحلول عام 2050، ولا تزال الزراعة توفر فرص عمل لنحو 38 في المئة من سكان المنطقة، ونقص التغذية المزمن يصيب 11.2 في المئة من سكان الشرق الأوسط. كما أن زيادة سكان المنطقة تستوجب زيادة الإنتاج الزراعي بنسبة 70? بحلول عام 2050 لتلبية الطلب المستقبلي.

من «الموئل الأول إلى الثالث»:

وتجدر الإشارة إلى أن أول مؤتمر دولي للأمم المتحدة يعترف صراحة بتحدي التوسع الحضري عُقد عام 1976 في فانكوفر، كندا. وأطلق عليه «الموئل الأول»، وفي 19 ديسمبر 1977 تم تأسيس لجنة الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، وهي هيئة حكومية دولية، وكذلك مركز الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، والمشار إليها حسب ما هو شائع بالموئل، وهي بمثابة أمانة تنفيذية للجنة.

في 1996 عقدت الأمم المتحدة المؤتمر الثاني للمدن، المعروف ب«الموئل الثاني»، في إسطنبول بتركيا، لتقييم مستوى التقدم على مدار عِقدين منذ «الموئل 1» في فانكوفر ولوضع أهداف حديثة من أجل الألفية الجديدة. وقد جاءت الوثيقة السياسية المتصدرة جدول أعمال الموئل، والتي تبنتها 171 دولة وخرجت بها (قمة الأمم المتحدة للمدن) لتحتوي على 100 إلتزام و600 توصية.

ومن الضروري الإشارة إلى أن الوثيقة الختامية لمؤتمر الأمم المتحدة المعني بالإسكان والتنمية الحضرية المستدامة المعروف بـ«الموئل الثالث»Habitat III قد تضمنت في البند رقم 95 عبارة مهمة تتعلق بدعم «الزراعة الحضرية»، نصُها يقول:(سندعم الزراعة والفلاحة في المناطق الحضرية فضلاً عن أنماط الاستهلاك والإنتاج المحلية المستدامة التي تتسم بالمسؤولية والتفاعلات الاجتماعية عن طريق شبكات من الأسواق المحلية وشبكات تجارية مواتية ويسهل الوصول إليها بوصفها خياراً للمساهمة في الاستدامة والأمن الغذائي).

تحديات «شرق أوسطية»:

وإذا كنا نعيش في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، فإن مواكبة الابتكارات في المجال الزراعي ينبغي أن تكون هدفاً مستقراً ليس فقط لدى الحكومات وصانعي السياسات، بل أيضاً للمجتمعات المحلية والمبادرات الفردية، خاصة أن الأمر يتعلق بالأمن الغذائي، وهو ما يتضح عبر المبادرات التي تقودها منظمة الأغذية والزراعة في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، مثل مبادرة بناء القدرة على الصمود لتحسين الأمن الغذائي، وتتضمن المبادرة بناء قدرة الأسر على استباق التأثيرات السلبية للأزمات التي يتسبب فيها الإنسان والصدمات الطبيعية، ويركز القسم الأكبر من عمل المبادرة على مصر والعراق والأردن ولبنان وموريتانيا والسعودية والسودان وسوريا والإمارات واليمن. كما أن تنامي النزاعات في المنطقة يدفع باتجاه الاهتمام بمقاربات جديدة للإنتاج الزراعي، والتفكير خارج المربع في هذا القطاع الاستراتيجي، حيث 33 مليون شخص في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا يعانون- حسب تقارير «الفاو» من نقص التغذية، ويحصل الإقليم على 50 في المئة من احتياجاته الغذائية من خلال الاستيراد، وفي الوقت نفسه، يهدر 37 في المئة من المواد الغذائية الصالحة للأكل كل عام. على سبيل المثال في سوريا يحتاج 6.3 مليون شخص إلى مساعدات غذائية وزراعية مستدامة. ويعاني 10.6 مليون شخص في اليمن من انعدام الأمن الغذائي، 5 ملايين منهم يعانون من بشكل حاد من انعدام الأمن الغذائي، وفي العراق 23 يعاني في المئة من نقص التغذية. وفي قطاع غزة يعاني معظم السكان البالغ عددهم 1.8 مليون نسمة من انعدام الأمن الغذائي.

فوائد الزراعة الحضرية:

ببساطة لو نجحت أسرة في الحصول على ما تستهلكه من خضراوات من داخل المنزل سواء من حديقة صغيرة أو من سطح العقار، أو من شرفة المنزل، فإنها بذلك تحد من استهلاك الطاقة، لأنها وفرت تكلفة نقل هذه الخضروات من المزرعة النائية إلى سوق المدنية ثم إلى المنزل، ووفرت بذلك ما يتم هدره من طاقة أثناء توزيع المنتج وتخزينه وتبريده..وقللت فرص تعرضه لملوثات عبر سلسلة النقل والتوزيع والتبريد، وجميعها خطوات تستهلك طاقة متمثلة في وقود أحفوري في النقل والتوزيع أو في طاقة كهربائية عند التخزين. ويتسع نطاق الفائدة ليطال الجانب الاقتصادي من خلال تقليص كلفة الغذاء على الأُسر، وتوفير فرص عمل وتفعيل دور المرأة في الإنتاج، وقد تلعب الزراعة الحضرية دوراً اجتماعياً كونها تعزز الروابط بين السكان وتخلق مصلحة مشتركة بينهم تتمثل في الحصول على غذاء صحي معلوم المصدر وبأقل تكلفة وفي أقصر فترة زمنية ممكنة..

البداية من «دوشي»:

فكرة الزراعة الحضرية روّج لها المهندس الهندي R T Doshi في سبعينيات القرن الماضي، الرجل كان مؤمنا بمنهج المهاتما غاندي المتمثل في الاعتماد على النفس..فكرة بدأت «ثورية»، فهي قابلة للتطبيق في الأماكن الصغيرة، مثل شرفات المنازل والبلكونات، وحتى على جدران المباني، ولا تتطلب استثمارات رأسمالية كبيرة أو ساعات عمل طويلة. ويتميز عمله الزراعي بأنه عضوي خالص وموجه في الأساس للاستهلاك المنزلي.



Doshi الحائز على وسام «بادما شري» رابع أعلى وسام وجائزة مدنية تكريمية في جمهورية الهند- بعد وسام «بهارات راتنا»، و«بادما بوشان» و«بادما فيبهوشان»- لدوره في تطوير الزراعة وإرساء نمط الزراعة الحضرية، كان قد اعتمد على مواد متوفرة في البيئة المحلية كمخلفات قصب السكر وأكياس بلاستيك وإطارات، وركّز على استخدام مخلفات المطابخ كسماد عضوي لا يتسبب في مشكلات صحية أو أضرار بيئية. المهندس الهندي اعتمد على أدوات بسيطة متوفرة في المجتمع المحلي وباستخدام كميات مياه أقل. ولدى Doshi قناعة بأن الطاقة الشمسية يمكن أن تحل محل التربة في المدن، بالإضافة إلى أنه يوصي بفكرة الزرع المتسلسل، أو زراعة النباتات على فترات منتظمة وبكميات صغيرة بدلاً من زراعتها مرة واحدة وبكميات كبيرة. وقد زرع أنواعًا مختلفة من الفواكه، مثل المانجو والتين والجوافة والموز وأعواد قصب السكر في شرفته التي تبلغ مساحتها 1,200 قدم مربع أي (110 م2) في ضاحية باندرا. وقامت فكرة المهندس الهندي على جعل الأسرة مكتفية ذاتيًا من احتياجاتها الغذائية بمعدل إنتاج 5 كيلو جرام من الفواكه والخضراوات يومياً على مدى 300 يوم في السنة.

دوافع متنوعة:

الفكرة بدأت فردية، وبدلاً من أن يكون الهدف من وراء (الزراعة المنزلية)- وهي المفهوم الأكثر شيوعاً في مجتمعاتنا- «تجميلياً» بالدرجة الأولى، كما في الحدائق المنزلية، أو زراعة الزهور ونباتات الزينة، فإن الزراعة الحضرية تتعلق بإنتاج خضراوات وفاكهة لتلبية احتياجات غذائية بالأساس في المجتمع المحلي، علماً بأن دوافع اللجوء لهذا النوع من الزراعة تتنوع، فعلى سبيل المثال سكان غزة يضطرون لزراعة «سطوح منازلهم» كمتنفس لهم بعد تجريف أراضيهم على يد الاحتلال الإسرائيلي، إضافة إلى التوسع الحضري على حساب الأراضي القابلة للزراعة.

وفي سوريا يتجه سكان بعض المناطق المتضررة من الوضع الأمني الراهن في هذا البلد العربي، إلى الزراعة داخل المنزل لضمان الحصول على الحد الأدنى من الخضراوات. وفي مصر والأردن وتونس قد تكون الزراعة الحضرية وسيلة لتحسين مستوى دخل الأفراد وتحقيق مستوى أعلى من الأمن الغذائي في المدن المزدحمة، وربما توفير فرص عمل لبعض العاطلين عن العمل. وفي كوبا وفنزويلا لعبت الزراعة الحضرية دوراً في مواجهة الظروف الاقتصادية.

وفي دول أميركا اللاتينية مثل بيرو وفنزويلا يتم توفير الطعام لملايين من سكان المدن من خلال زراعة سطوح المنازل وأفنية المدارس وحتى داخل المكاتب. وفي كوبا، ساهمت الزراعة الحضرية عام 1999 في إنتاج 65? من إجمالي محصول الأرز في البلاد ، و46 في المئة من حصيلة إنتاجها من الخضراوات.

لم يقتصر دور الزراعة الحضرية على منطق الاكتفاء الذاتي لتلبية احتياجات محلية ضاغطة، بل تم توسيع نطاق العمل بها لتأخذ منحى تجاري كما في بعض المزارع الحضرية في الولايات المتحدة وبريطانيا وهولندا وألمانيا.

تجربة سنغافورة:

وبسكانها البالغ عددهم 5 ملايين نسمة ومساحتها التي لا تتجاوز 715 كيلو متر مربع، ومع طفرتها الحضرية التي انطلقت منذ مطلع تسعينيات القرن الماضي، تسعى سنغافورة إلى احتواء ضيق المساحة بالتوسع الرأسي وتدشين مجمعات سكنية شاهقة الارتفاع قادرة على إيواء عدد كبير من السكان، ما جعلها تتجه نحو الزراعة الحضرية، بوسائلها المتنوعة كزراعة سطوح البنايات والتوسع في المزارع العمودية من أجل توفير الغذاء للسكان، خاصة أن سنغافورة تنتج محلياً 7 في المئة فقط من غذائها، ومعظم احتياجاتها من الخضر والفاكهة يتم تلبيتها عبر الاستيراد من دول آسيوية مجاورة مثل ماليزيا وتايلاند والفلبين، وأيضاً من مناطق نائية كأستراليا وشيلي ونيوزيلندا. وفي سنغافورة توجد شركة «سكاي جرين» التي نشأت عام 2012، وتُعد أول من ابتكر نظام الزراعة العمودية منخفضة الكربون التي تعمل بنظام هيدروليكي، ويقول «جاك إن جي» مدير عام الشركة إن سنغافورة لديها اقتصاد قوي يتمثل في ناتج محلي إجمالي يبلغ 239 مليار دولار، لكن هذه الأموال لا قيمة لها من دون وجود الغذاء، ما يدفع باتجاه استغلال المهارات الهندسية في مساعدة مزارعي سنغافورة على إنتاج المزيد من الغذاء. ولدى «سكاي جربنز» نظام للزراعة العمودية يتضمن أعمدة من الألمونيوم بارتفاع 9 أمتار وكل عمود يحمل 38 طابقاً مجهزة بأحواض لزراعة الخضروات. والمفترض أن تتم مراعاة الاستدامة في هذا النظام، من خلال إعادة تدوير المياه المستخدمة في ري النباتات، وكل منصة زراعية تستهلك 60 وات من الكهرباء يومياً أي ما يعادل استهلاك لمبة واحدة. ونظام المنصات الزراعية الذي طورته «سكاي جرينز» قابل للاستدارة دورة كاملة كل 8 ساعات كي يتسنى للنباتات الحصول على ما تحتاجه من ضوء سواء من أشعة الشمس المباشرة، أو من خلال إضاءة كهربائية. المنصات الزراعية مناسبة لأسطح البنايات وأيضاً لشرفات المنازل، ومن السهل على ربات البيوت أو كبار السن والموظفين المتقاعدين تشغيل النظام، وتنتج «سكاي جرينز» أنواعاً من الخضروات يتم حصد محصولها كل 28 يوماً. وتخطط المزرعة لإنتاج طنين من الخضروات يومياً.. تطوير هذه المزرعة كان ثمرة تعاون بين «سكاي جرينز» كشركة خاصة محلية متخصصة في الزراعة العمودية وكجهة حكومية هي هيئة الزراعة والغذاء والبيطرة في سنغافورة من أجل ترويج تقنيات الزراعة الحضرية بحيث تكون صديقة للبيئة.

ومع وجود أنظمة زراعية يمكن تشغيلها داخل المدينة أي على سطوح المنازل أو في المساحات الشاغرة داخل العقارات أو حتى حدائق المنازل والمناطق الخالية بالمكاتب ستكون الزراعة مهنة أكثر جاذبية للشباب والخريجين، خاصة أن الزراعة التقليدية يعتبرها البعض مهمة شاقة أو يصعب تحقيق أرباح من خلالها.



أكبر مزرعة حضرية في أوروبا:

في لاهاي بهولندا توجد أكبر مزرعة حضرية في أوروبا، فالمبنى الذي كان مخصصاً منذ خمسينيات القرن الماضي لشركة فيليبس، أصبح الآن مخضراً، ليتحول إلى أكبر مزرعة حضرية في القارة العجوز. سطح المبنى تبلغ مساحته 1200 قدم مربع وتمت زراعته بالطماطم والخضراوات، وفي الدور السادس مم المبنى توجد مزرعة لإنتاج نوع من أسماك البلطي. المزرعة تحمل اسم Urban Farmers تطمح إلى توفير الخضروات والأسماك لقرابة 900 عائلة محلية وأيضاً توريد 500 سمكة بلطي أسبوعياً و50 طن من الخضروات سنوياً.. هذا النوع من المزارع يُلبي حاجة ملحة للسكان المحليين وهي الحصول على غذاء بجودة عالية ومن مصدر محلي معروف وشفاف. وبالنسبة لمدينة لاهاي الهولندية فإن 15?من مبانيها خال من السكان والشركات، ويمكن الاستفادة من هذه المباني في تدشين مزارع حضرية، قد تزداد أهميتها في المستقبل وستوفر إنتاجا زراعيا يمكن تسويقه على نطاق تجاري، وضمن هذا الإطار، يرى «ديكسون ديسبوميير» عالم الأحياء وأستاذ علم البيئة والصحة العامة بجامعة كولومبيا أن«المزارع الحضرية ستكون واحدة من بين وسائل تغذية العالم في القرن الحادي والعشرين». الآن توجد مزارع حضرية في برلين ولندن، وفي هذه الأخيرة تم تحويل الملاجئ الخاصة بحماية المدنيين من الغارات الجوية إبان الحرب العالمية الثانية إلى مزارع قادرة على إنتاج محاصيل تعرض في الأسواق أو يتم توصيلها إلى المنازل..والسؤال: هل يمكن تفعيل هذا النوع من المزارع في الشرق الأوسط التي تستورد بعض دوله 90 في المئة من احتياجاتها الغذائية. وحسب «جان إيلكو جانسيما» الباحث بجامعة «فاجنينجن» الهولندية والمتخصص في العلاقات الريفية- الحضرية، فإن المزارع الحضرية التجارية قادرة على الاستمرار والنمو في هولندا وغيرها من الدول الأوروبية بسبب المكاسب المتعلقة بتعزيز الصحة العقلية في المدن، ويتوقع «جان» أنه خلال ال 100 عام المقبلة ستصبح المزارع الحضرية مشهداً عادياً داخل المدن مثلها مثل الحدائق العامة.

مدن عامرة بالغذاء:

وحسب «إيفان ناستاسيجيفتش» الأستاذ بمعهد «سلامة اللحوم والتقنية» في صربيا، فإن مستقبل الزراعة الحضرية في المدن المستدامة- التي تراعي الاعتبارات البيئية من خلال تقليل استهلاك المياه والطاقة والحد من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون والميثان وتلبية احتياجات الحاضر دون التضحية بقدرة الأجيال المقبلة على تلبية احتياجاتها الخاصة- يكمن في ضمان وجود مدينة عامرة بالغذاء في العديد من المواقع كالحدائق العامة وحدائق المدارس وحدائق المكاتب وأسطح المنازل والزراعة العمودية، وحقائق دور رعاية المسنين والسجون وما بها من حدائق. ويقترح تطوير تشريعات جديدة لتنظيم الزراعة في المناطق الحضرية لضمان تحسين الأمن الغذائي ومن ثم تحسين نوعية حياة المواطنين. وتحسين الاقتصاد المحلي، وتطوير قدرة المدن على التعامل المرن مع التغير المناخي.

وإذا تم التأكد من سلامة المدخلات المستخدمة في الزراعة الحضرية من الناحية الصحية، من خلال تفعيل معايير صارمة في إنتاج الخضروات والفاكهة داخل المدن وفق مفهوم الزراعة الحضرية Urban Farming، فإن تطوير هذا القطاع ينبغي أن يكون هدفاً تشترك في تحقيقه المؤسسات المعنية بالزراعة والبيئة والتنمية الحضرية، على أن يحظى بتحفيز مجتمعي من خلال المؤسسات التعليمية ووسائل الإعلام.

وقبل أن تكون الزراعة الحضرية مساراً منطقياً موازياً للزراعة التقليدية، فإن التحول نحو الاقتصاد الأخضر، ومواكبة الجهود العالمية الرامية لكبح التغير المناخي، يدفع نحو تبني الزراعة الحضرية كونها تقلل من ارتفاع درجة حرارة المدن وتحد من الانبعاثات الكربونية، خاصة أن مدن العالم مسؤولة- حسب تقرير صادر عن برنامج الأمم المتحدة للبيئة 75 في المئة من استهلاك الطاقة و75 في المئة من انبعاثات الكربون مصدرها المدن. فزراعة سطوح الأبراج، أو نشر الزراعة العمودية في ناطحات السحاب كما في التجربة اليابانية، اتجاه جديد سيغير تدريجياً من مفهوم الإنتاج الزراعي المتعارف عليه، وربما يقلب معايير البناء في المدن رأساً على عقب، ليصبح تأهيل الأبنية السكنية منذ تدشينها للإنتاج الزراعي ملمحاً ثابتاً في مدن جديدة قائمة على الاستدامة، أو حتى في مدن عتيقة تروم تطوير بنيتها الحضرية وتأهيلها لمكافحة التغير المناخي وزيادة قدرتها على إنتاج الغذاء.



مزارع الأسطح.. سلة غذاء قادمة:



ويقول الدكتور أسامة البحيري أستاذ البساتين بجامعة عين شمس: «إنه يمكن الاعتماد على الزراعة الحضرية في المجتمعات التي تعاني شح المياه وفقر التربة وارتفاع درجات الحرارة كرافد لتلبية بعض الاحتياجات الغذائية لسكان المدن المزدحمة، فمن خلال هذا النوع من الزراعة يمكن إنتاج خضراوات تستخدم طازجة وبدون طهي والتي تستخدم بصفة دورية. وهذا التوجه موجود بالفعل على الصعيد العالمي، ولكن يختلف الهدف من منطقة إلى أخرى ففي بعض الأماكن يستخدم كشكل جمالي، وأيضاً لأسباب بيئية، أو كمصدر لإمداد المجتمع بالغذاء»، وهذا النوع من الزراعة- حسب البحيري- قادم لا محالة لأسباب أهمها اتساع نطاق المناطق الحضرية وتنامي الحاجة إلى استخدام الخضر الطازجة الخالية من المبيدات، ناهيك عن الأهداف ذات الصلة بحماية البيئة.

منطق الزراعة النظيفة:

ولدى البحيري قناعة بأن الحديث عن (الزراعة النظيفة) مربط الفرس في سياسات الإنتاج الزراعي بمستويات تجارية أو لأسباب تتعلق بالاكتفاء الذاتي. وهو يرى أنه لا يمكن إطلاق الزراعة العضوية على منتجات الزراعات الحضرية حيث إنها تفتقد شرطاً مهماً من شروط الزراعة العضوية وهي أن تكون الزراعة في الأرض حيث إن الزراعة العضوية تشتمل على فلسفه العودة إلى الأرض بالإضافة إلى الزراعة النظيفة، ولكن ما يهم المستهلك أنها نظيفة أي خالية من المبيدات وكذلك في المحاصيل الورقية خاليه من النترات وهو ما يمكن التحكم فيه من خلال نظم الزراعة الحضرية، ومن الناحية العملية لا يمكن الاعتماد على الزراعة العضوية فقط كمصدر لتغذية الإنسان في العالم.

ومن المهم أن يصبح الإنتاج الزراعي في مدن المستقبل مرتبطاً بالاستدامة أولاً وأخيراً بحيث يضمن الحفاظ على الموارد كالطاقة والمياه ويعتمد في تقنياته على تقليص بصمة الكربون وتوفير حد أدنى من الأمن الغذائي بتكلفة أقل، ومكاسب اجتماعية أكثر، وضمن هذا الإطار يرى البحيري أن طرق الزراعة الحضرية تعد من وسائل رفع كفاءة استخدام الموارد الأرضية كالطاقة والماء وكذلك فإنها تستهلك ثاني أكسيد الكربون وتبث الأوكسجين ذلك لأن النبات هو الكائن الوحيد على سطح الأرض الذي يستهلك ثاني أكسيد الكربون وينتج الأوكسجين أي عكس ما تفعله باقي الكائنات. ويمكن للزراعة الحضرية أن تكون مصدر أمان لتوفير الغذاء الطازج لقاطني الحضر وهو ما لا يتوفر في العديد من هذه المناطق.

وعن إمكانية استنساخ تجربة اليابان في (الزراعة الحضرية العضوية)، يرى «البحيري» أن الزراعة الحضرية لا يمكن اعتمادها كزراعة عضوية، فالشرط الأساسي للزراعة العضوية هو وجود تربة طبيعية. ولكن يمكن توفير إنتاج يقارب مستوى جودة وأمان الزراعات العضوية. الزراعة الحضرية (سواء زراعة الأسطح والأبراج السكنية والزراعة العمودية عموماً وزراعة الحدائق المنزلية والبلكونات)، وسيلة للحد من الاحتباس الحراري وكبح جماح التغير المناخي، وتحقيق بعض أهداف الاستدامة 2030 وعددها 17 هدفاً. منها محاربة الجوع والتغير المناخي. وعن هذه الجزئية يؤكد «البحيري» أن الأسطح الخضراء تلعب دوراً في تخفيف الاحتباس الحراري العالمي من خلال ثلاث طرق رئيسة:



الأولى من خلال تنقية الهواء في المدينة أثناء عملية التمثيل الضوئي، حيث تقوم النباتات بتحويل ثاني أكسيد الكربون CO2 والماء والطاقة الشمسية إلى الأوكسجين والجلوكوز، وبالتالي الحد من انبعاثات CO2 في الغلاف الجوي.

الطريقة الثانية: السطوح الخضراء يمكن أن تقلل من انبعاثات غازات الاحتباس الحراري من خلال تناقص الطلب على تبريد الهواء في المباني حيث إنها تخفض درجة حرارة المبنى مما يقلل حاجتنا إلى أجهزة تكييف الهواء.

الطريقة الثالثة: من خلال الحد من «تأثير الجزيرة الدافئة».

أولاً، تنقية الهواء في المدينة، حيث تلعب النباتات دوراً حاسماً في بقاء الحياة على كوكبنا. فمن خلال عملية التمثيل الضوئي، التي تجري داخل الأوراق الخضراء- حيث يتم تحويل ثاني أكسيد الكربون والماء وأشعة الشمس إلى الأوكسجين والجلوكوز- تقوم النباتات بتزويد الإنسان والحيوانات بالأوكسجين والغذاء، بينما تقوم الحيوانات بدورها بإنتاج ثاني أكسيد الكربون، والسماد المطلوب للنباتات.

وقد أظهرت الدراسات أن شجرة الزان الناضجة (80-100 سنة)، وقطرها 15 متر ينتج عنها ظلال نحو 170 متر مربع تكون مساحة الأوراق بها نحو 1600 متر مربع وتنتج 1.71 كجم من الأوكسجين و1.6 كجم من السكر كل ساعة (وتستهلك 2.4 كجم من ثاني أكسيد الكربون، 96 كجم من المياه، 25.5 (كيلو جول) من الطاقة الحرارية (كمية طاقة الشمس المتجمعة داخل الشجرة لإتمام عملية البناء الضوئي). هذا المستوى من الإنتاج يساوي كمية الأوكسجين التي يحتاجها 10 أشخاص كل ساعة.

من المهم عند اختيار النباتات مراعاة مساحة الأوراق الخضراء وسمك الجذع الذي يقوم بعملية التمثيل الضوئي. على سبيل المثال، تنتج 25 متراً مربعاً من الأوراق الخضراء 27 جراماً من الأوكسجين كل ساعة خلال النهار، وهو ما يعادل كمية الأوكسجين التي يحتاجها الإنسان لنفس الفترة الزمنية. ومع ذلك يجب ملاحظة آثار الطبيعة، فمثلاً أثناء الليل حيث لا توجد شمس، وفي فصل الشتاء (لا توجد الأوراق الخضراء إذا تم استخدام نباتات متساقطة الأوراق) فإن 150 متراً مربعاً من الأوراق الخضراء سيلزم لتحقيق التوازن بين الاستهلاك البشري من الأوكسجين لمدة سنة واحدة.

ومن المعلوم فإن: متراً مربعاً من العشب لديه بارتفاع 3-5 سم يعطي مساحة أوراق من 6-10متر مربع.
متر مربع واحد من المرج الطبيعي لديه أوراق مساحة تصل إلى 225متراً مربعاً.
 متر مربع واحد من النجيل غير المقصوص يعطي مساحة 100متر مربع من الأوراق علماً بأن 1.5م2 تلبي الاحتياجات السنوية للأوكسجين لشخص واحد.
وللمقارنة، يمكن إنتاج احتياجات شخص واحد من الأوكسجين من خلال: شجرة واحد لها ظل بقطر 5متر.
متر ونصف مربع من النجيل الأخضر بارتفاع 4 سم.
صوبة منزرعة كثيفة بمساحة 20 متراً مربعاً.
من 30 إلى 40 متر مربع من الحدائق الخضراء/قص الحشائش.
40 متر مربع من زراعة سطح الجدار المغطى بالعشب.
ولذلك فإن الأسقف المغطاة بالعشب الأخضر تنتج أوكسجين 10-30 مرات مقارنة بجدار مغطى بكثافة من العنب. من ناحية أخرى وعلى نطاق الكرة الأرضية فتشير بعض الدراسات إلى أن الحياة الحديثة بكل ما فيها من الصناعة والتكنولوجيا وحرق الوقود ليس لها أثر يذكر في إجمالي كمية الأوكسجين في الغلاف الجوي للأرض. وبالعكس من ذلك، فتشير هذه الدراسات إلى أن نوعية الهواء من خلال إنتاج غازات الاحتباس الحراري والملوثات المحمولة جواً والجسيمات قد تؤثر سلباً بفعل الأنشطة البشرية في انخفاض جودة الهواء، والتي تؤدي إلى التأثير في النشاطات البشرية.

وعموماً فإنه عن طريق زيادة كمية الغذاء التي يتم إنتاجها داخل المدن، وعلى الأسطح، يُمكن تخفيض مستويات ثاني أكسيد الكربون التي تنتجها السيارات، والأنشطة الصناعية، والنظم الميكانيكية، ما يؤدي إلى تحسين نوعية الهواء والحد من مشاكل الجهاز التنفسي.

ثانياً، تخفيض انبعاثات غازات الاحتباس الحراري

ويشير «البحيري» إلى أنه يمكن للأسطح الخضراء أن تساعد في تحسين نوعية الهواء في المنطقة الموجودة بها عن طريق الحد من الدخان وإنتاج الأوكسجين. ويتم الحد من الدخان عن طريق الحد من الجسيمات في الهواء، وخفض درجة الحرارة المحيطة. فإن الأسطح الخضراء تنقي الهواء من خلال مرور هذه الجسيمات من خلالها.

وفقاً لموقع «المدن الصحية»، فإن الأسطح الخضراء يمكن لمساحة 1م2 منها من العشب أن تزيل بين 0.2 إلى 2 كجم من الجسيمات. أيضاً، في دراسة أجرتها مدينة تورونتو. وُجد أنه يمكن لمساحة 2000م2 من العشب أن تزيل 4.000 كيلوجرام من الجسيمات الملوثة التي تلتصق بأوراق النباتات، وبالتالي إزالتها من الهواء. ومن المعروف أن الأوزون يتشكل بسرعة أكبر عند ارتفاع درجات الحرارة.

وتوصلت دراسة أجريت في مدينة لوس أنجلوس في موقع دراسات مدينة تورنتو، إلى نتيجة مفادها أن تخفيض الدخان في الجو يتم بخفض درجات الحرارة، حيث وجدت الدراسة أن لوس أنجلوس يمكنها تجنب إنتاج أكاسيد النيتروجين الناتجة عن تشغيل أنظمة تكييف الهواء عن طريق خفض درجة الحرارة داخل المباني، فضلاً عن خفض أكاسيد النيتروجين بتبريد درجة حرارة المدينة المحيطة بحوالي 3 درجات مئوية يؤدي إلى تخفيض الملوثات بنسبة 25%. ومع تفاقم مشكلة إزالة الغابات، تزداد أهمية زراعة الأسطح الخضراء.

ثالثاً: تنظيم درجة الحرارة وتأثير الجزيرة الدافئة

ويمكن تغيير المناخ فوق أحد الأسطح بتغيير بعض العوامل حيث أظهرت العديد من الدراسات أن درجة حرارة الهواء فوق سطح معين يمكن أن تتغير بوضع طبقة من التربة أو النباتات على السطح.

وقد وجدت بعض الدراسات أن الإشعاعات الشمسية المنبعثة من الأسطح الإسمنتية للمباني يمكن تقليلها بشدة عن طريق زراعة هذه الأسطح، ويتم ذلك من خلال سقوط أشعة الشمس على أوراق النبات، ويتم استخدامها كما يلي 2% من هذه الإشعاعات يتم استخدامها في عملية التمثيل الضوئي لتكوين الغذاء والأوكسجين، 48% من هذه الإشعاعات يتم تخزينها في نظام المياه للنبات ويستخدم 30% من هذه الإشعاعات في عملية النتح، وينعكس فقط 20% من هذه الإشعاعات مرة أخرى في الهواء وبالتالي تنخفض درجة حرارة المبنى.

ومن الضروري معرفة أن ظاهرة (الجزيرة الدافئة ) وهي عبارة عن اختلاف درجة حرارة وسط المدينة عما حولها من مناطق، سببها وجود سطوح المنازل والطرق الإسفلتية التي تمتص أشعة الشمس وكذلك الأسطح العاكسة الموجودة في المدينة ثم تعيد إشعاعها مرة أخرى مما يزيد من درجة حرارة المدينة عن المناطق المحيطة بها والتي توجد بها مساحات خضراء كبيرة تستهلك معظم هذه الأشعة الساقطة على سطح الأرض وتحولها إلى أوكسجين وغذاء. ومن الأسباب الأخرى لزيادة درجة حرارة المدينة عما حولها هو الحرارة الناتجة من المصانع، وكذلك عوادم السيارات الكثيرة في المدينة مقارنة بالمناطق المحيطة بالمدينة بالإضافة إلى زيادة معدلات التلوث في المدينة، وقد أدى ذلك إلى ارتفاع درجة حرارة المدينة عن المناطق المحيطة بها نحو 8 درجات مئوية. وتشير التقديرات بأن الاحتباس الحراري سيؤدي إلى تفاقم تأثير «الجزيرة الدافئة»، وذلك برفع درجات الحرارة في الصيف 5 درجات مئوية إضافية. ويؤدي ارتفاع درجات الحرارة إلى تأثير مباشر على نوعية الهواء، بإثارة الغبار وحمل جسيمات صغيرة تؤدي إلى زيادة التلوث.

من المهم دراسة تأثير الجزيرة الدافئة لأنه له العديد من الآثار، بما في ذلك تلوث الغلاف الجوي والمناخ الداخلي للمباني. وقد وجد أن إنتاج غازات الاحتباس الحراري يزداد مع ارتفاع درجات الحرارة، وبالتالي فإن إنتاج غازات الاحتباس الحراري سيكون أعلى في المدن مقارنة بالمناطق المحيطة بها. أما بالنسبة إلى العوائد الاقتصادية، فقد حققت زراعة الأسطح عوائد تصل إلى حوالى 85 جنيهاً مصرياً كصافي ربح من المتر المربع/ سنة بشرط توفر جهات للتسويق المباشر من دون وسطاء لكي يتم هذا الربح.

وبخصوص أكواد البناء وإمكانية تغييرها في المدن العربية كي تكون قادرة على إنتاج الغذاء، يقول د. البحيري: «بالطبع كانت هناك تجربة مصرية لإدخال الزراعة الحضرية في كود المباني من خلال جهاز التنسيق الحضاري في جمهورية مصر العربية وقد تم إرساله مع العديد من أكواد البناء إلى مجلس الشعب آنذاك عام 2010 ولكن لم يتم إقراره بسبب قيام ثورة 25 يناير، ولا نعلم عنه شيئاً حتى الآن».

ويقول د. البحيري: «إنه يمكن تحويل إنتاج الغذاء عبر الزراعة الحضرية إلى ما هو أشبه بثقافة جديدة في مجتمعاتنا العربية من خلال عمل ندوات تثقيفية وبرامج تليفزيونية ولقاءات إذاعية ومقالات صحفية لتوعية الناس وإدخال هذه المعرفة إليهم، وهو ما نقوم به في مصر من عام 2000»، وقد لاقت- حسب البحيري- قبولاً كبيراً من عامه الشعب باختلاف طوائفه ولكن يجب أن تكون من خلال حملات طويلة وتتم من خلال الجمعيات الأهلية لتقرب الفكرة إلى الناس وكذلك تدريبهم وإمدادهم بالاحتياجات اللازمة.

طبقت تقنيات الزراعة الحضرية في العديد من الدول النامية مثل السنغال وكولومبيا من خلال منظمة (الفاو) وهي موجودة في مصر. من ناحية أخرى فإن الطب النفسي يوصي بالوجود في المناطق الخضراء حيث إنها تؤدي إلى هدوء الأعصاب. ونتبنى في مصر هذا المشروع ليكون مشروعاً قومياً لتغير شخصية وصحة الإنسان المصري، وإمداد الأطفال بالغذاء الطازج الخالي من المبيدات وكذلك إمدادهم بالأوكسجين والهواء الخالي من الملوثات، وبالتالي عند يصلوا إلى مرحلة الشباب تكون صحتهم مختلفة عن الوقت الحاضر.

وحول ما إذا كانت الطفرة العقارية الرائعة في دولة الإمارات تجعل مدنها مؤهلة للزراعة الحضرية أكثر من غيرها وخاصة في ظل وعي عام بأهمية الاستدامة والاقتصاد الأخضر؟ يقول البحيري:

«بالطبع في الإمارات الطفرة الحضارية والمباني مؤهلة لذلك، حيث إن الزراعة الحضرية تستخدم نظم الزراعة من دون تربة وهي لا تحتاج إلى أي تغيير في مواصفات المباني وكذلك تقلل من تأثير الحرارة العالية».

الفوائد الأخرى للأسطح الخضراء

أولاً..النباتات وعزل المباني

من المعلوم أن دور العزل هو إبطاء معدل انتقال الحرارة بين داخل المبنى وخارجه. ويؤثر العزل في طريقة تخفيف تأثير درجة الحرارة بطريقة مختلفة تبعاً لفصول السنة، ففي فصل الشتاء يقوم العزل بتقليل معدل الانتقال من الداخل إلى الخارج بينما في فصل الصيف فإنه يبطئ معدل انتقال الحرارة من الخارج إلى الداخل. ويمكن استخدام النباتات كأسلوب عزل للمباني من خلال تنظيم درجة الحرارة الخارجية. ويمكن زيادة كفاءة العزل للمباني بعدة طرق: حجز طبقة من الهواء داخل الكتلة النباتية الموجودة على سطح المبنى وبالتالي يتم تبريده في الصيف وتدفئته في فصل الشتاء. تغطية المبنى بالغطاء النباتي ففي فصل الصيف يتم منع الحرارة من الوصول إلى سطح المبنى وبالتالي لاتصل إلى داخل المنزل بينما في فصل الشتاء يتم منع الحرارة الداخلية من الخروج خارج المنزل وكذلك منع البرودة في الخارج من الدخول إلى المنزل. وكذلك تمتص الأسطح الخضراء الموجات الكهرومغناطيسية التي تبثها أبراج شبكات المحمول.

ومن المعلوم أن الرياح تقلل من كفاءة استخدام الطاقة في المباني بنسبة 50% فإن طبقة من النباتات ستكون بمثابة المنظم للرياح من التحرك وبالتالي زيادة كفاءة استخدام الطاقة في المباني.

في حالة استخدام الأسطح الخضراء فإن تأثير العزل يرجع إلى النباتات وكذلك إلى بيئة الزراعة ومن غير الواضح أي منهما يعود له الفضل الأكبر في العزل حيث إن الكثير من الفضل في حالة استخدام البيئات وعمقها كبديل للتربة البيئية ونوع من النباتات المختارة.

وقد وجد أن استخدام الأسطح غير المكثفة لها تأثير كبير للعزل مقارنة بالأسطح المكثفة حيث إن طبقة من العشب المختلط يكون أداؤها أفضل من طبقة من العشب المحدودة.

ثانياً: عزل الصوت

يمكن استخدام التربة، والنباتات، وطبقة الهواء المحاصرة بين النباتات وسطح المبنى كوسيلة لعزل الصوت. حيث إن الموجات الصوتية التي تنتجها الآلات وحركة المرور والطائرات يمكن امتصاصها، وعكسها وكسرها. وقد وجد أن بيئات الزراعة تقوم بامتصاص الترددات ذات الطول الموجي الأقل بينما تمتص النباتات الترددات الأعلى. وقد أظهرت الاختبارات أن طبقة 5 بوصة (12 سم) من البيئات الزراعية يمكن أن تقلل من الصوت بنسبة 40 ديسيبل بينما طبقة سمكها 8 بوصة (20 سم) يمكن أن تقلل من الصوت بنسبة 46 ديسيبل.

ثالثاً: زيادة العمر الافتراضي للمبنى

ثبت أن الأسطح الخضراء تحمي السطح من الأشعة فوق البنفسجية، ومن التقلبات الكبيرة في درجة الحرارة. وأثبتت الدراسات أن استخدام زراعة الأسطح أدى إلى زيادة العمر الافتراضي للسطح ما بين 10 سنوات و15 سنة. وعموماً فإن درجات الحرارة تتقلب ما بين 20-80 درجة مئوية على مدار اليوم الواحد وقد وجد أن طبقة بسمك 4 بوصة (10 سم) من العشب الأخضر يمكن أن تقلل التقلب في درجات الحرارة من 10-30 درجة مئوية، وبالتالي ضمان قلة تمدد وانكماش للسطح، مما يقلل بدوره من الشروخ على الأسطح، مما يؤدي إلى تقليل الحاجة إلى إعادة صيانة الأسطح. من ناحية أخرى فإن تقليل المهملات على الأسطح يقلل التكاليف المباشرة لمالك المبنى خاصة ما يتعلق بالتخلص من هذه المهملات.

رابعاً: تجميل الأسطح

يعتبر تخضير المناطق الحضرية استراتيجية سهلة وفعالة لتجميل البيئة المبنية. وقد أظهرت الدراسات أن الثقافات الغربية كانت تشجع المواطنين على تقدير الطبيعة، حيث إن طبقة من النباتات يمكن أن تعزز التصميم الجيد أو تغطي التصميم السيئ للمبنى. ومن المعروف أيضاً أن النباتات يمكنها إضافة تأثير مرئي إلى الجدار العادي والجدران والسقف الصناعية والتجارية.

خامساً: الفوائد الصحية العامة والعلاج بزراعة البساتين

هناك اعتقاد بأن الاتصال مع الأشجار والشجيرات والأعشاب والزهور يعزز الحالة النفسية ويقلل من الإجهاد الناجم عن العيش في المدينة. وثبت في الآونة الأخيرة أن الغطاء النباتي يسفر عن فوائد صحية مباشرة. وقد أكدت دراسات نفسية هذه المعتقدات بوضوح مما يدل على أن تأثير المناظر الخضراء يجذب انتباه المشاهدين، ويحول وعيهم بعيداً عن أنفسهم وعن الأفكار المثيرة للقلق.

الأهداف الاجتماعية

إمكانية قيام أي شخص بعملية إنتاج بعض أنواع الخضروات التي يحتاجها تزيد من الثقة بالنفس خصوصاً بالنسبة إلى كبار السن من أرباب المعاشات والذين اعتادوا أن يكون لهم دور فعال ومهم في المجتمع. وإتاحة فرص عمل لربات البيوت وشباب الخريجين تدر عليهم عائداً مادياً مما يرفع من دخل الأسرة. توفير مساحات كبيرة من الأراضي المزروعة بالخضراوات واستغلالها في زراعة المحاصيل الاقتصادية المهمة كالقمح والأرز وغيرهما. يمكن عن طريق زراعة الأسطح عمل نظام اجتماعي حيث يتعاون سكان العمارة الواحدة وكذلك الشارع مما يؤدي إلى ترابط السكان مع بعضهم فيؤدي إلى حل مشاكلهم بسهولة، والعودة إلى روح الألفة والمحبة التي اعتادتها الشعب المصري من قديم الأزل والتي كانت من أهم سماته.

الزراعة في المدن.. مبادرات وتجارب واعدة:

وإذا كان مصطلح «الزراعة المنزلية» يحيلنا إلى فكرة الزراعة الحضرية كوسيلة لتحقيق الاكتفاء الاكتفاء الذاتي من بعض المنتجات الزراعية، فإن هناك وعياً داخل المؤسسات الإماراتية المعنية بالزراعة والبيئة والتعليم، بأهمية تفعيل هذا النوع من الزراعة كونه يربط الناس بالاستدامة ويعزز الوعي المجتمعي بضرورة الحصول على منتجات زراعية نظيفة. وهذا الوعي تمت ترجمته على أرض الواقع في صورة مبادرات مدرسية وورش عمل في مجال الزراعة، وأيضاً مسابقات لتحفيز المجتمع على الزراعة الحضرية.

البداية من المدارس

وفي أبوظبي أصدرت هئية البيئة مبادرة المدارس المستدامة التعليمية والتي انطلقت منذ عام 2009 وتتضمن 120 مدرسة حكومية وخاصة ضمن الحلقتين الثانية والثالثة من التعليم في مدينة أبوظبي والعين والمنطقة الغربية، يتعلم التلاميذ في هذه المدارس كيفية تقليل البصمة البيئية، وذلك من خلال إجراء التدقيق البيئي والذي يشمل إدارة الأرض (اليابسة) بداخل المدرسة، يعمل الطلاب على رصد التنوع البيولوجي بداخل المبنى المدرسي، وقياس مساحة المناطق الخضراء ونوع النباتات هل هي محلية أو دخيلة، بالإضافة إلى نوعية المخصبات المستخدمة، وأصناف المبيدات والتأكد من كونها غير محظورة. جميع هذه الخطوات تساهم في فهم الطلاب لكيفية جعل مدرستهم خضراء ولكن بطرق مستدامة.

عملت المدارس المشاركة في المبادرة بعد إجراء تدقيق الأرض على تقديم حلول مبتكرة للتخلص من الممارسات غير الصديقة للبيئة كاستبدال المخصبات الصناعية بأخرى عضوية ويتم إنتاجها بداخل المدرسة من خلال تسميد النفايات العضوية، وقد وصلت نسبة المدارس التي تمكنت من استخدام نفاياتها العضوية في الزراعة إلى 55%، كما تمكنت 97% من تدوير المياه البيضاء(الناجمة عن تشغيل أجهزة التبريد أو المتبقية في عبوات المياه) وتدوير المياه الرمادية (الناجمة عن الغسيل وغير الملوثة بالصرف) لاستخدامها في الزراعة.

لم يتوقف إنجاز المدارس على مبانيهم بل حلقت المدارس في رحلة جديدة وهي توعية فئات المجتمع المختلفة المحيطة بالمدرسة كملاك المزارع والأسر حول ضرورة التوجه للزاعة المستدامة، وكمثال على ماتم إنجازه في مجال استهداف المزارع عملت مدرسة «رماح» في العين على استهداف 130 مزرعة كي يتم تحويلها من استخدام مياه الآبار إلى استخدام نظم الري بالتنقيط، بالإضافة إلى المساهمة في استخدام هذه المزارع للأسمدة العضوية، كما عملت مدرسة الحويتيين في المنطقة الغربية على إقناع ملاك 10 مزارع بالتحول من نظم الزراعة التقليدية إلى استخدام الزراعة المائية.

وكإنجاز غير متوقع مع فئات المجتمع الأخرى تمكنت مدرسة الطليعة في العين من إقناع 10 أسر للتحول إلى الزراعة المستدامة من خلال تحويل النفايات العضوية الناتجة عن منازلهم إلى سماد عضوي، وتغيير ري حدائقهم بالطرق التقليدية إلى نظام الري بالتنقيط، وزراعة الخضروات المحلية مما يعني الحد من التكلفة البيئية للنقل وتوفير المياه اللازمة للري وذلك لأن النباتات المحلية والخضروات المحلية أفضل تأقلماً مع النظام البيئي المحلي.

تجربة «أم العرب» و«الفَلاح»:



كما تمكنت مدرسة «أم العرب» في منطقة الفلاح إحدى ضواحي أبوظبي، عبر نادي «بادر البيئي» من نشر الوعي البيئي وقد حظي النادي بدعم مديرة المدرسة أسماء الحارثي، وذلك في إطار الاهتمام بتعزيز السلوك الإيجابي في المجتمع المحلي. النادي نجح في تفعيل مجموعة من المبادرات البيئية كـ«مبادرة الزراعة الحضرية» بمدينة الفلاح بهدف تنمية الوعي بأهمية الاكتفاء الذاتي من الاحتياجات الغذائية وبشكل صديق للبيئة من خلال إنشاء حدائق منزلية للأنواع الأكثر استهلاكاً ضمن احتياجات كل أسرة من الخضراوات والفواكه بالطريقة العضوية التي تضمن الحصول على منتجات آمنة من الناحية الصحية، وتم تنفيذ مجموعة من ورش العمل داخل المدرسة للفئة المستهدفة من الطالبات وأولياء الأمور ومجتمع منطقة «الفلاح».. تتضمن الورش مفهوم الزراعة العضوية والخطوات الصحيحة لإنشاء حديقة الخضراوات والفواكه، وقام بتقديم إحدى الورش المزارع راشد سليم الكتبي المتخصص في الزراعة العضوية، إضافة إلى ورش صناعة السماد العضوي والمبيدات العضوية. المبادرة حظيت باستجابة واسعة من أسر مدينة الفلاح وأولياء أمور طالبات مدرسة «أم العرب» وسيدات المنطقة.



ويقول راشد الكتبي إنه حاول أثناء تقديمه ورشة عمل في مدرسة «أم العرب» توضيح عملية الري بالتنقيط وشرحها للتلاميذ وأولياء الأمور، كي يدركوا أنه ليست صعبة ويمكن حتى لربات البيوت تجهيزها داخل حديقة المنزل دون الحاجة لعمال ومن ثم تكاليف مالية. وشبكة الري بالتنقيط توفر الوقت والجهد وتضمن ترشيد استخدام المياه أثناء ري النباتات. ولفت الكتبي إلى شغف من حضروا الورشة بالزراعة واهتمامهم بممارستها داخل المنازل سواء لتحقيق الاكتفاء الذاتي من الخضروات أو حتى مجرد التسلية في أمور نافعة أو حتى الزينة. (يتبع)

 

اقرأ أيضا

الهرم الأكبر في الجيزة يبعث رسائل توعية من مخاطر كورونا