أحمد محمد (القاهرة) كان المشركون ينالون من رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره جبريل عليه السلام بما قالوا فيه ونالوا منه، فيقول بعضهم لبعض أسروا قولكم لئلا يسمع إله محمد، فأنزل الله تعالى: (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)، «سورة الملك: الآيات 13 - 14». قال القرطبي، وأسروا قولكم أو اجهروا به، يعني إن أخفيتم كلامكم في أمر محمد صلى الله عليه وسلم أو جهرتم به، فإنه عليم بذات الصدور، بما في القلوب من الخير والشر، ثم قال ألا يعلم من خلق، يعني ألا يعلم السر الذي خلق السر، أنا خلقت السر في القلب أفلا أكون عالماً بما في قلوب العباد، ولا بد أن يكون الخالق عالماً بما خلقه وما يخلقه، قال ابن المسيب، بينما رجل واقف بالليل في شجر كثير وقد عصفت الريح فوقع في نفسه، أترى الله يعلم ما يسقط من هذا الورق، فنودي من جانب الغيضة بصوت عظيم، ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير. وقال الشنقيطي، وفيه دلالة على أن السر والجهر عند الله وفي علم الله على حد سواء، لأنه عليم بذات الصدور يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وقال الفخر الرازي، إنه خطاب عام لجميع الخلق في جميع الأعمال، والمراد أن قولكم وعملكم على أي سبيل وجد، فالحال واحد في علمه تعالى بهذا، فاحذروا من المعاصي سراً كما تحترزون عنها جهراً، فإنه لا يتفاوت ذلك بالنسبة إلى علم الله تعالى، وكما بين أنه تعالى عالم بالجهر وبالسر بين أنه عالم بخواطر القلوب. ثم إنه تعالى لما ذكر كونه عالما بالجهر وبالسر وبما في الصدور ذكر الدليل على كونه عالماً بهذه الأشياء، فقال: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)، «سورة الملك: الآية 14»، ومعنى الآية أن من خلق شيئاً لا بد وأن يكون عالماً بمخلوقه، عالما بكميته، لأن وقوعه على ذلك المقدار دون ما هو أزيد منه أو أنقص، لا بد وأن يكون بقصد الفاعل واختياره، والقصد مسبوق بالعلم، فلا بد وأن يكون قد علم ذلك المقدار. وقال الزمخشري، ظاهر الأمر بأحد الأمرين، الإسرار والإجهار، ومعناه ليستوي عندكم إسراركم وإجهاركم في علم الله بهما، ثم إنه علله بأنه عليم بذات الصدور، بضمائرها قبل أن تترجم الألسنة عنها، فكيف لا يعلم ما تكلم به، ثم أنكر أن لا يحيط علما بالمضمر والمسر والمجهر. من خلق الأشياء، وحاله أنه اللطيف الخبير، المتوصل علمه إلى ما ظهر من خلقه وما بطن، وروي أن المشركين كانوا يتكلمون فيما بينهم بأشياء، فيظهر الله رسوله عليها، فيقولون أسروا قولكم لئلا يسمعه إله محمد، فنبه الله على جهلهم، ألا يعلم ذلك مما أضمر في القلب وأظهر باللسان الذي خلق. وقال برهان الدين البقاعي في «نظم الدرر في تناسب الآيات والسور»، ولما كانت الخشية من الأفعال الباطنة، وكان كل أحد يدعي أنه يخشى الله، قال مخوفا لهم بعلمه نادباً إلى مراقبته لئلا يغتروا بحلمه، عاطفاً على ما تقديره لإيجاب المراقبة، فأبطنوا أفعالهم وأظهروها، وأسروا أيها الخلائق. وقولكم خيراً كان أو شراً أو أجهروا به، فإنه يعلمه، ويجازيكم به لأن علمه لا يحتاج إلى سبب، مؤكداً أن ربكم عليم بالغ العلم بذات الصدور بحقيقتها وكنهها وحالها وجبلتها وما يحدث عنها، سواء كانت قد تخيلته ولم تعبر عنه، أو كان مما لم تتخيله بعد، بدليل ما يخبر به سبحانه وتعالى عنهم مما وقع وهم يخفونه، أو لم يقع بعد، ثم يقع كما أخبر به سبحانه.