صحيفة الاتحاد

دنيا

روجيه دوباكييه .. استضاء بالإسلام بعد ظلمة الغفلة

رسوم: عصام طه

رسوم: عصام طه

أحمد مراد (القاهرة) - بعد سنوات طويلة عاشها المستشرق السويسري «روجيه دوباكييه» في عالم المتعة واللهو والغفلة، اكتشف لذة الإسلام وحلاوة الشهادتين بعد مشاهدته سعادة المسلمين الكبيرة بهذا الدين رغم ما يعانونه من فقر.
نشأ «روجيه دوباكييه» في بيئة مسيحية بروتستانتية، وتأثر بالفلسفة الوجودية، حيث كان يرى أن الأديان معتقدات خرافية، وكان منغمساً في عالم المتعة واللهو واللعب، وعندما اشتغل بالصحافة بدأ يسافر إلى أكثر من بلد، فسافر إلى السويد، وعمل بها مراسلاً صحفياً في نهاية الحرب العالمية الثانية لأكثر من خمس سنوات، وفي السويد اكتشف أن الناس تعساء، برغم التقدم والرخاء الذي يعيشون فيه، واكتشف عكس ذلك عندما سافر إلى بعض الدول الإسلامية في الشرق، فقد وجد المسلمين برغم فقرهم الشديد يشعرون بسعادة أكثر، وأن حياتهم لها معنى، وهذه الملاحظة جعلته يفكر ملياً في معنى الحياة ويتأملها من خلال هذين النموذجين النقيضين.
وكان دوباكييه يسأل نفسه: لماذا يشعر المسلمون بسعادة تغمر حياتهم برغم فقرهم وتخلفهم؟! ولماذا يشعر السويديون بالتعاسة والضيق برغم سعة العيش والرفاهية والتقدم الذي يعيشون فيه؟!، حتى بلده سويسرا كان يشعر فيها بنفس ما شعر به في السويد، برغم أنه بلد ذو رخاء، ومستوى المعيشة فيه مرتفع، وأمام هذا كله وجد نفسه في حاجة لدراسة ديانات الشرق، وبدأ بدراسة الديانة الهندوكية فلم يقتنع بها، بعدها درس الدين الإسلامي الذي شده إليه بعدما وجده لا يتعارض مع الديانات الأخرى، بل إنه يتسع لها جميعاً، وكانت هذه الحقيقة تزداد يقيناً عنده باتساع قراءاته، حتى رسخت في ذهنه تماماً بعد ما اطلع على مؤلفات الفيلسوف الفرنسي «رينيه جينو» الذي اعتنق الإسلام، فاكتشف أن الإسلام يعطي معنى للحياة، على عكس الحضارة الغربية التي تسيطر عليها المادية، ولا تؤمن بالآخرة، وإنما تؤمن بهذه الدنيا فقط.
تعاليم الدين
بدأ دوباكييه يتعمق في قراءة تعاليم الدين الإسلامي، وكان يزداد قرباً والتصاقاً به يوماً بعد يوم من خلال زياراته إلى الدول الإسلامية التي شاهد فيها معالم الإسلام، واكتشف خلال تلك الزيارات خلو هذه المجتمعات المسلمة من الأزمات الأخلاقية التي تغزو الغرب، حيث الانحلال والفساد والخمر ولحم الخنزير، تلك الحياة التي تدفع بالكثيرين إلى الانتحار والهروب من مآسيها بعد تعاطيهم المخدرات وشعورهم اليقيني بعدم قيمة الحياة، وبعد رحلات متواصلة للدول الإسلامية أيقن بأن الإسلام يبسط السكينة في النفس، وأن الحضارة الغربية بماديتها تقود أصحابها إلى اليأس كونهم لا يؤمنون بأي شيء.
وفي تلك الأثناء سافر دوباكييه إلى المملكة العربية السعودية، وهناك أعلن إسلامه بعد فترة طويلة من التمعن والتمحيص في هذا الدين الذي أدركه وأدرك سنوات حياته الطويلة التي عاشها في الظلمات، ووجد بالتالي إجابات شافية لأسئلته التي طرق معها أبواب الديانات المختلفة قبل أن يجد لها الدين الإسلامي الإجابات الشافية والكاملة.
نو الإسلام
في هذا يقول دوباكييه: لقد أحسست منذ اللحظة الأولى التي أعلنت فيها الإسلام ونطقت فيها بالشهادتين بأن داخلي قد شع بالنور الأبيض الفاتن بعد أن استوقفني الظلام لسنوات عديدة، أحسست بأن الفراغ الكبير الذي سكنني قد امتلأ للتو، وأخذت أشعر بأن من واجبي أن أخرج هذا النور إلى العلن والى الآخرين الذين سكنوا ويسكنون غياهب الظلمات، وعدت سريعاً إلى موطني سويسرا وأخذت بإعلان إسلامي للجميع لأنه لم يكن هناك مبرر لإخفائه وبدأت بنشر العديد من المقالات عن الإسلام وسماحته وعدله وحريته بغية تغيير الصورة التي رسمها الغرب حول هذا الدين وغرسها في عقول الشباب، وكانت أولى لقاءاتي مع صحيفة «جورنال دي جنيف» وصحيفة «جازيف دي لوزان» السويسرية التي عمدت إلى نشر حوارات طويلة ونشر بعض المختصرات من الكتب التي تتناول موضوعات إسلامية أو شخصيات مهمة أعلنت إسلامها، بل إنني أخذت بجل كتاباتي أدافع عن قضايا الإسلام والمسلمين لأمهد الطريق للآخرين للاتجاه إلى هذا الإسلام والدخول فيه أفواجا، ولا سيما أن الإسلام يقدم حلولا لمشاكل كثيرة وصل الناس معها إلى طريق مسدود، في حين فتح الإسلام لها أبوابا كثيرة.
ويقول: لقد تأثرت بالقرآن الكريم كثيرا عندما بدأت أدرسه، وتعلمت وحفظت بعض آياته، وقد استوقفني كثيراً الآية الكريمة: «ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فَلن يقبل منه وهو في الآخرةِ من الخاسرين»، وقوله تعالى: «لا إكراه في الدين قد تبين الرشد من الغي»، حينها لم أجد غضاضة في إعلان إسلامي على الملأ، وقد قرأت أيضاً السنة النبوية الشريفة، وتأثرت بما فيها من حكم وبيان دقيق.

السر الكبير
عندما سُئل دوباكييه عن السر الذي جذبه نحو الإسلام؟.. قال: الذي جذبني إلى الإسلام هو شهادة أن لا إله إلاّ الله، وأن محمداً رسول الله، فقد اكتشفت أن الإسلام دين متكامل، وكل شيء فيه مرتبط بالقرآن والسنة، وفي اعتقادي أن الإنسان يمكن أن يتأمل هذه الشهادة طيلة الحياة. الشهادة تقول لا إله إلا الله، وهذا يعني أنه ليس هناك حقيقة نهائية ودائمة سوى الله. أما الفلسفة الحديثة، فتقول إنه ليس هناك حقيقة سوى هذه الدنيا، وقد دهشت لأن الإسلام يعبر عن الحقيقة التي تناساها العلم والفلسفة الحديثة.