الاتحاد

الملحق الثقافي

أن تشارك في صنيع الشمس.. أن تكون واضحاًً مثلها

قاسم حداد


1
هذا هو خيارك،
أن تعمل على وسائط نشر إلكترونية، يعني أنك تضع نفسك وروحك وتجربتك في مهب المستقبل، بأحلام المستقبل وشروطه في آن.
فليس فرقاً تقنياً بين الجريدة في الورق والجريدة في الإلكترون، لكنه الفرق الحضاري (كونياً)، الكثير التطلب، النشيط المخيلة، والصارم مثل شمس.
وهذا ما أعتقد أن أصحاب أي مشروع صحافي إلكتروني، لا يغفلون عنه. فأن تختار نقل الرأي إلى الإنترنت فهذا يعني أنك وضعتَ رأيك إلى الأفق اللامتناهي من احتمال الحوار الحر الرحب الذي يسعى، ليس لتوصيل رأيه إلى الحياة الأوسع من الناس فقط، لكن لكي يتيح للعدد الأكبر من الناس، أن يتصلوا بهذا الرأي، ولكي يسهموا في بلورته بأكبر قدر ممكن من الحوار والسجال والجدل، ليس اتفاقاً، لكن التعبير الرصين عن الاختلاف معه.

2
دائما كنت أرى في شروط النشر الإكتروني، عناصر بالغة الضرورة لتطوير آلية التجربة العربية في حقل الثقافة والمعرفة، هذه الثقافة التي ورثت تراكماً نوعياً من النظرة الواحدة والموقف الواحد والإيمان الغليظ بالنص المكتوب، إلى حد القداسة التي تضاهي الدين استسلاماً.
فمنذ بدء التدوين في التاريخ العربي، (تدوينٌ ابتدأ مع تدوين النص القرآني كما أظن)، أصبحَ النص، مكتوباً، بمثابة الحقائق النهائية المطلقة، التي سوف يعتبرها القارئ العربي، منذ تلك اللحظة، محصّنة لا تطالها المسائلة ولا المراجعة، ناهيك عن الشكّ والاختلاف والنقض، فثمة قداسة المكتوب لدى الشخص العربي، لكأن الكتابة ضرباً من (الكتاب).

3
وقد ورثت الثقافة العربية هذا التقليد (الإيماني) لكي يتسرّب ويتجلى ويصبح ضرباً من متعاليات الغيب، في جميع المراحل التاريخية التي مر بها فعل الكتابة العربية، ليس فقط في حقل النصوص الدينية وشروحها واجتهاداتها المختلفة والمتفاوتة الحصافة والدقة والمصداقية، ولكن في شتى ضروب الكتابة من تاريخ وأدب وشعر وخطب وروايات وسير وغيرها من أشكال النص.
وسوف ينتقل هذا الموقف (الإيماني) إلى كل ما يصدر مكتوباً في كتاب أو يطبع في وسيلة، ومن ثم سنصادف انتقال طبيعة تقديس المكتوب إلى الصحافة العربية التقليدية منذ لحظتها الأولى (النصف الأول من القرن التاسع عشر)، حتى اللحظة الراهنة. فما يكتب في جريدة أو نشرة مطبوعة، سيعتبره العقل (الفعّال) الحقيقة التي يتوجب التعامل معها على هذا الأساس، ولن يكون باستطاعة القارئ نقض هذه الحقيقة بعد أن صارت مكتوبة ومنشورة على الملأ، وهذا ما سيجعل بواكير التجارب الصحافية في العالم متصفةً بالإثارة، حيث يعتمد أصحاب الجريدة وناشروها على نشر الأخبار التي تحقق مآربَ ليست بالضرورة قائمة على (حقيقة) موضوعية متعينةً ومدرَكة، ولا صادرة منها ولا ذاهبة إليها.

4
في التجربة العربية، سوف يساعد ذلك على تكريس نظرة الهيبة المقدسة تجاه النص المكتوب والمنشور في الصحافة، هذا الغياب الفادح للإحساس الفطري بالحق في النقد والاعتراض والمخالفة، والقصور عما سوف يسمى لاحقاً (الديمقراطية)، ذلك الحق وهذه الديمقراطية، التي لا زالت حتى يومنا، تشكل ضرباً معجِزاً من السلوك، لا يقدر النظام العربي على قبوله كفكرة واستيعابه كحق إنساني من بديهيات الحياة.
فالبرغم من كل التحولات الكونية في حياتنا، لم تزل الثقافة العربية، مرصودةً بالنظام العربي، سياسياً واجتماعياً وثقافياً، تتعثر في القضايا القديمة المستعادة، التي يتوجب أن نكون قد تجاوزناها منذ حقب كثيرة، فكلما طرحنا الكلام عنها، في العالم، بوصفها مطالبات بالحقوق، صَفَنَ العالم المتحضر أمامنا، مستغرباً ومستهجناُ، من أن في الكون لا يزال بشرٌ يطالبون بما هو حق طبيعي لهم، لا يطالبون به، بل من الواجب أن يكون متحققاً بالبديهة الإنسانية، لندرك لحظتها مقدار المسافة الحضارية التي تفصل الكائن العربي عن الحالة الحضارية في الكوكب نفسه.

5
وعندما تنتقل الصحافة من طبيعتها الورقية التقليدية إلى النشر الإلكتروني، فهي تتصدى للدور التنويري الذي لا يمكن تفاديه، فيما هي تذهب إلى وسائط الاتصال الجديدة، وأعني هنا بالضبط دورها في استيعاب شرط الحريات أولا، ومن ثم فتح الأفق الأرحب أمام الحراك المجتمعي، بشتى تجلياته، من أجل أن يتفهم المعنى الحديث لحق التعبير، وفي اللحظة ذاتها قبول حق الآخرين في التعبير المختلف، دون غضاضة في كون هذه الآراء جميعها متوفرة بالدرجات الحرة من الاختلاف والمغايرة.
فالامتياز النوعي الذي ستنهض به الصحافة في صيغتها الإلكترونية سوف يتمثل في موهبة الكاتب الجديد ومعرفته، فهي سوف تتفادى الامتثال للدور الموروث للصحافة التقليدية، من حيث هي ضربٌ من ضروب الدعاية (البروبكانده)، لتتحول نحو تكريس المفاهيم الحقيقية للديمقراطية التي يتطلبها الفعلُ التنموي لمجتمعاتنا، فيما هي ترنو إلى مستقبلها، متأهلةً كشريكٍ كونيّ في العالم الجديد. صحافة تصدر عن الضرورة الحضارية بالدرجة الأولى، وعن وعي الفارق المهني بين المعلومة والمعرفة والرأي، فليس من الحكمة، ونحن في القرن الواحد والعشرين، أن تواصل صحافتنا الخضوع لاعتماد الكذب والابتزاز والتضليل، زاعمة أنها تقول رأياً.
فإذا اخترتَ أن تشارك في صنيع الشمس، يتوجب أن تكون واضحاً مثلها.

6
هذا هو الدور الأهم في تاريخنا الاجتماعي، الذي أتوقع من أصحاب مشاريع النشر الإلكتروني جميعه، والصحافي خصوصاً، أن ينهضوا به، ويشكلوا كتلة مستحدثة من المفاهيم الجديدة للديمقراطية التي لم يبق شخص ولا جهة ولا فكر ألا زعم الأخذ بها، دون أن نتمكن من الإمساك بالضوابط والمقومات والسياقات والقيم التي تجعل من هذا الاجتهاد أو ذاك جديراً بمصداقية أخلاقية إنسانية تستبق التظاهر التقني، فيما يكون متاحاً يوماً بعد يوم للجميع، ما دام قادراً على (شراء) هذه التقنية، لكي نقول دائماً أن حق الإنسان في الحرية لا ينتهي بالتقادم، والديمقراطية لا تتحقق بالتمنيات والمنح، وليست المبادئ والقيم تُشترى في السوق كما التقنية.

7
عندما تختار التقنية الجديدة يتوجب عليك أن تكون جديداً مثلها.
إن حق الإنسان في حريات العدل ليس جديداً، غير أن الوسائط الجديدة تجعله أكثر أهلية لتجديد إثبات الحق في العدل، برصانة المعرفة، وثقة الموهبة، وبشكل يليق بالمستقبل.

اقرأ أيضا