الاتحاد

رأي الناس

فكر قبل أن تعمل «2 - 2»

وجد الوالي نفسه يهرول باحثاً عن دكان العجوز في لهفة، ولما وقف عليه قال: لقد قررت أن أشتري هذه اللوحة بالثمن الذي تحدده، لم يبتسم العجوز ونهض عن كرسيه بكل هدوء وأمسك بخرقة ونفض بقية الغبار عن اللوحة ثم ناولها الوالي واستلم المبلغ كاملاً، وقبل أن ينصرف الوالي قال له الشيخ: بعتك هذه اللوحة بشرط، قال الوالي: وما هو الشرط؟ قال: أن تكتب هذه الحكمة على باب بيتك وعلى أكثر الأماكن في البيت وحتى على أدواتك التي تحتاج إليها عند الضرورة.
فكر الوالي قليلاً ثم قال: موافق، وذهب الوالي إلى قصره وأمر بكتابة هذه الحكمة في أماكن كثيرة في القصر، حتى على بعض ملابسه وملابس نسائه وكثير من أدواته، وتوالت الأيام وتبعتها شهور، وحدث ذات يوم أن قرر قائد الجند أن يقتل الوالي لينفرد بالولاية، واتفق مع حلاق الوالي الخاص وأغراه حتى وافق على أن يكون في صفه وفي دقائق سيتم ذبح الوالي، ولما توجه الحلاق إلى قصر الوالي أدركه الارتباك، إذ كيف سيقتل الوالي، إنها مهمة صعبة وخطيرة وقد يفشل ويطير رأسه، ولما وصل إلى باب القصر رأى مكتوباً على البوابة «فكِّر قبل أن تعمل»، وازداد ارتباكاً وانتفض جسده وداخله الخوف، ولكنه جمع نفسه ودخل، وفي الممر الطويل رأى العبارة ذاتها تتكرر عدة مرات هنا وهناك، فكِّر قبل أن تعمل، وزاد اضطراباً وقلقاً وخوفاً، فأسرع يمد خطواته ليدخل إلى الحجرة الكبيرة، وهناك رأى نفس العبارة، وعندما دخل الوالي هاله أن يرى أن الثوب الذي يلبسه الوالي مكتوب عليه «فكِّر قبل أن تعمل»، شعر أنه هو المقصود بهذه العبارة، بل داخله شعور بأن الوالي ربما يعرف ما خطط له، وحين أتى الخادم بصندوق الحلاقة الخاص بالوالي أفزعه أن يقرأ على الصندوق نفس العبارة «فكِّر قبل أن تعمل»، واضطربت يده وهو يعالج فتح الصندوق وأخذ جبينه يتصبب عرقاً، ورأى الوالي مبتسماً هادئاً مما زاد في اضطرابه وقلقه، فلما هم بوضع رغوة الصابون لاحظ الوالي ارتعاشة يده فأخذ يراقبه بحذر شديد وتوجس، وأراد الحلاق أن يتفادى نظرات الوالي إليه، فصرف نظره إلى الحائط فرأى اللوحة منتصبة أمامه «فكِّر قبل أن تعمل» فوجد نفسه يسقط منهاراً بين يدي الوالي وهو يبكي منتحباً، وشرح للوالي تفاصيل المؤامرة، وذكر له أثر هذه الحكمة التي كان يراها في كل مكان مما جعله يعترف بما كان سيقوم به، ونهض الوالي وأمر بالقبض على قائد الحرس وأعوانه وعفا عن الحلاق، وقف الوالي أمام تلك اللوحة يمسح عنها ما سقط عليها من غبار وينظر إليها بزهو وفرح وانشراح، فاشتاق لمكافأة ذلك العجوز وشراء حكمة أخرى منه، لكنه حين ذهب إلى السوق وجد الدكان مغلقاً وأخبره الناس بأن العجوز قد مات.

محمد أسامة - أبوظبي

اقرأ أيضا