الاتحاد

الإمارات

المدن القديمة في الإمارات تستقطب السياح وتزخر بالمزارات الثقافية والتراثية


الشارقة - وام من شيخة الغاوي :
تعتبر دولة الإمارات غنية بموروثاتها التاريخية والثقافية·· قلاع وحصون·· حارات ما زالت تحتفظ بكل تفاصيل الحياة القديمة·· تشد الزائر لزيارتها عدة مرات·· خاصة بعد إعادة ترميم وتطوير هذه المعالم للمحافظة على هذا الإرث الحضاري العريق·
ويسترجع المواطن محمد بن راشد الجروان أهم معالم الحياة التقليدية في الإمارات قديما قائلا ' أقف دائما أتأمل الحارات القديمة واطل عليها ويشدني امتدادها·· بيوت متراصة تخترقها الطرقات الضيقة والأزقة الصغيرة· · قرى متكاملة بكل معالمها ومداخلها المحصنة ·· طرقات طويلة لا تنتهي إلا لتعانق البحر تحفها المباني الطينية الجميلة· أتذكر ممراتها المليئة بالحركة تصدح فيها التحية والسلام عندما يتلاقي الأهالي وهم يخترقون طرقها الملتوية سعيا وراء الرزق منذ ساعات الفجر الأولى· ·
عالم جميل مفعم بالحكايات والقصص المؤثرة عاشها هذا الفريج 'الحي' أو ذاك واليوم اكتمل ترميم مبانيها واكتست بحلة جديدة بفضل اهتمام المسؤولين ورعايتهم للثقافة والمثقفين· ' وأشار إلى أن الإمارات تحتضن عددا كبيرا من المدن القديمة تكثر بها المعالم والمزارات الثقافية والسياحية والتاريخية ويتوق العديد من السياح لزيارة هذه المدن كونها تحتفظ بنماذج من الحارات القديمة التي لم تتأثر بالتطور العمراني وما زالت تحتفظ بنفس معالمها وقلما تجد هذا المشهد في أماكن أخرى من العالم حيث طالها التطور العمراني السريع الذي يلتهم كل شيء أمامه حتى ولو كان على حساب التراث والثقافة مما جعل الإمارات تحتفظ بحضور ثقافي محلي وإقليمي منذ القدم وأخذ بعدا عالميا في أيامنا المعاصرة خاصة مدينة الشارقة التي كانت وما زالت تجسد نمط وأسلوب الحياة الثقافية في دولة الإمارات على خير وجه·
واستعرض الجروان أهم المحطات التي أثرت في ثقافة أبناء الإمارات قديما خاصة من جيله·· ووقف طويلا عند بعض المحطات الهامة متذكرا تارة ومشدودا بشوق الحنين تارة أخرى·
ومضى يقول: ولدت في حي الحيرة بالشارقة في بداية الثلاثينات من القرن الماضي وأمضيت بها طفولتي وتلقيت تعليمي بداية عند المطاوعة 'الكتاتيب' ومن ثم التحقت بالمدرسة الأحمدية بدبي إلى أن تمكنت من معرفة القراءة والكتابة وأصول النحو والصرف والعمليات الحسابية البسيطة وكان من يجيد هذه الأمور في ذلك الوقت يعتبر ذو شأن علمي عظيم·
وأضاف قائلا 'عملت مع والدي رحمه الله في ' الطواشة 'تجارة اللؤلؤ' وقت رواجها خاصة قبل عهد النفط·
وأوضح أن أهل الإمارات اعتمدوا في حياتهم على البحر فدبت الحياة على الساحل ونشأت المدن الرئيسية بالقرب من الشاطئ مثل دبي والفجيرة وأبوظبي التي تعتبر جزيرة بحرية يحيطها البحر من كل الجهات وبعضها أرتبط بالخيران البحرية مثل الشارقة وعجمان وأم القيوين ورأس الخيمة كل منها قام على خور بحري كبير أما القرى البسيطة انتشرت في الداخل بالقرب من مناطق المياه والكلأ· ·
وذكر الجروان أن الشارقة القديمة كانت تتكون من عدد من الأحياء السكنية أهمها فريج المريجة والشيوخ وفريج الشرق والشويهين· ·مشيرا إلى أن أسم الفريج كان ينسب إلى قبائل تقيم فيه مثل فريج المزاريع نسبة إلى قبيلة المزروعي أو أشخاص كأحد التجار مثل فريج العبادلة نسبة إلى أحمد بن سيف العبدولي وفريج الهولي نسبة إلى سالم بن خميس الهولي·
وقال إن للأسواق القديمة والشعبية نكهتها الخاصة فلا تخلو من الضوضاء وأصوات البائعين والمشترين وحركة البيع والشراء كل هذا شكل ثقافة اقتصادية خصبة خاصة بذاك الجيل كما أنها تعتبر منتدى ثقافي كبير يجمع العديد من الوجوه ومجلسا عاما طالما تسامر فيه الآباء والأجداد·
واستعرض الجروان أهم الأسواق القديمة في الشارقة التي احتلت مكانة بارزة في التجارة والثقافة والأدب خاصة سوق المسقوف وسوق الشويهين وسوق الصاغة وسوق الشيخ صقر بن خالد رحمه الله على البحر والذي تم ترميمه ومازال قائما حتى الآن ويطلق عليه الأهالي أسم السوق القديم بالإضافة إلى سوق العرصة الذي كان يعتبر ملتقى لأهل البوش الذين يعرضون فيه بضاعتهم من السخام 'الفحم' والتمر والسمن ويشترون حاجياتهم للعودة بها أما سوق الفرضة فكان يزدهر قرب البحر لأن حركة البيع والشراء فيه تعتمد على البحر مثل بيع وشراء الأسماك وتخلق السفن القادمة من البلاد المجاورة التي تحمل التمور والسمن والعسل والحبوب والمواشي وتعود محملة بالسكر والطحين حركة تجارية رائجة· وأضاف الجروان أن اهتمام صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة وتشجيع سموه الدائم على إبراز معالم النهضة العمرانية والحضارية والثقافية للإمارة جاء لينقذ هذه المعالم البارزة خاصة عندما وجه سموه جهات الاختصاص لترميمها وتطويرها وقامت تلك الجهات مشكورة بتسخير إمكانياتها من أجل إنقاذ هذه المعالم باعتبارها من المكنونات التاريخية بالإمارة·
حمل عدد من أبناء الإمارات ثقافة الوطن كتاج على رؤوسهم خاصة أبناء المرحوم علي المحمود في الشارقة وخص بالذكر المرحوم عبد الله بن علي المحمود وأحمد بن علي المحمود ومحمد بن علي المحمود الذي أسس أول مدرسة شبه نظامية 'المدرسة التيمية المحمودية' بها أربعة فصول للابتدائي والمتوسط وكان مديرا لها ومازالت بقاياها موجودة بالإضافة إلى المزاريع 'قبيلة المزروعي' الذين عرف عنهم الفقه والعلم أما في عجمان ذكر أن محمد بن سالم بن خميس السويدي 'بو خميس' من أشهر الرجال الذين حملوا شعلة الثقافة فيها وذاع صيته لأنه من مؤسسي مدرسة الفتح التي تعتبر أول مدرسة شبه نظامية بالإمارة· ·
لافتا إلى أن أحمد بن دلموك أسس المدرسة الأحمدية في دبي عام 1912 واستكملها من بعده أبنه محمد تاجر اللؤلؤ المعروف حتى أصبحت مركز شعاع ثقافي وعلمي ليس للإمارات فقط بل للمنطقة كافة· ·
مشيرا إلى أن عدد كبير من أبناء ذلك الجيل يدينون لمديرها المربي الفاضل الشيخ محمد نور بالفضل في تعليمهم وتثقيفهم ومعه الشيخ احمد بن ظبوي والشيخ مطر·
وعن المد الثقافي للإمارات وأبنائها قديما قال: أحتك أبناء جيلنا خاصة أيام رواج تجارة اللؤلؤ قبل النفط مع عدد من البلاد المجاورة مثل الساحل الشرقي لأفريقيا والعراق وإيران والهند بسبب كثرة أسفارهم البحرية لهذه الدول من اجل التجارة والعمل· ·
مشيرا إلى أن عبد الرحمن بن حسن المدفع كان من أشهر تجار اللؤلؤ يعمل وسيطا بين أبناء الشارقة والتجار الهنود ثم انتقل واستقر في الهند أما المرحوم حميد بن كامل أحد التجار عاش في فرنسا 10 سنوات عندما كان يعمل وسيطا في بيع وشراء اللؤلؤ والبضائع والعطور·
وذكر أن المرحوم سالم بن سعيد السويدي كان له مكانه اجتماعية رفيعة في المجتمع الزنجباري حيث عاش في جزيرة زنجيبار ما يقارب نصف قرن وكان معروفا لدى الجميع كونه يعمل دلالا بين التجار العرب والأفارقة يبيع البضاعة القادمة من بلاد العرب مثل التمور والسمك المالح والسجاد ويشتري لهم البضائع الأفريقية مثل التوابل وحل النارجيل والدهن·
ولفت إلى أن ميدان الرولة أصبح الآن يقع وسط مدينة الشارقة بفضل التطور الذي شهدته المدينة بعد قيام اتحاد دولة الإمارات إلا أن هذه الساحة في الماضي كانت تقع بعيدا عند أطراف المدينة ومن يذهب إليها من الأهالي يحرص على العودة إلى الأحياء السكنية قبل غروب الشمس لعدم توفر الإضاءة في الشوارع والطرقات ذلك الوقت إلا أن بعض الرجال يبقون في المكان للسهر والسمر ليلا·
وأشار إلى أهمية هذه المنطقة منذ القدم نظرا لقربها من حصن الشارقة الذي بني عام 1820 فكان مميزا في بنائه وشكله المعماري الجميل ·· وتضاعفت أهمية هذه المنطقة الثقافية بعد أن أصبحت تضم عددا كبيرا من أهم الأماكن التراثية التي حظيت بترميم وعناية خاصة من قبل صاحب السمو حاكم الشارقة·
وأكد أن هذه المنطقة تحفل الآن بنهضة ثقافية تواكب العصر وتحتضن مراكز الفنون والآداب والمسرح والمتاحف والفن التشكيلي وبدأت تستعيد رواجها الثقافي والسياحي· وختم حديثه قائلا 'بلا شك أن مشهد منطقة التراث بالشارقة يشخص قابعا بجوار البحر مذكرا بماضي الأجداد ومتكيفا مع الحداثة من حوله'·

اقرأ أيضا