الاتحاد

الملحق الثقافي

العنصرية.. شرخ الجسد الأميركي

عنف الشرطة الأميركية ضد السود أحدث فصول العنصرية (أرشيفية)

عنف الشرطة الأميركية ضد السود أحدث فصول العنصرية (أرشيفية)

إميل أمين

في صيف العام 1963 خطط قادة الحقوق المدنية السود لمسيرة كبيرة إلى واشنطن للاحتجاج على فشل الأمة الأميركية في التصدي لحل المسألة العرقية، وسرعان ما نهض الرئيس الأميركي جون فيتزجيرالد كنيدي وقادة آخرون لاحتواء المسيرة وتحويلها إلى لقاء ودي، لكن «السهم كان قد نفذ» كما قال يوليوس قيصر ذات مرة.

يصف المؤرخ الأميركي الكبير «هوارد زين» في كتابه «التاريخ الشعبي للولايات المتحدة الجزء الثاني» خطاب لوثر والمعنون (عندي حلم - I have a dream) بأنه كان خطابا عظيما هز نحو مئتين وخمسين ألف أميركي من السود والبيض على حد سواء... يومها حلم مارتن لوثر كنغ بأن يوما سيأتي يعيش فيه أطفاله الأربعة في مجتمع لا يحكم على الناس بألوان جلودهم، وإنما بما تنطوي عليه أخلاقهم... واليوم وبعد نحو أكثر من نصف قرن من خطاب القائد الأسود المغدور يتساءل المرء هل تحقق الحلم؟

عالم الأحلام المؤجلة
جاءت ثورة الأميركيين السود في الخمسينيات والستينيات، في الشمال والجنوب مفاجأة، رغم أن الواقع يقول إنه ما كان ينبغي لها أن تكون كذلك. فذاكرة المظلومين شيء لا يمكن انتزاعه، ولقد كانت الثورة بالنسبة لهؤلاء المظلومين الذين يحملون هذه الذاكرة، دائما قريبة، لم ينس السود ذكرياتهم مع الرق والحرق والإذلال، ولم يكن كل هذا مجرد ذكريات، بل كان واقعا معاشا وجزءا من حياتهم اليومية جيلا بعد جيل.. هل تشهد الآداب والثقافة الأميركية بذلك؟
في ثلاثينيات القرن العشرين، كتب الشاعر الأميركي الأسود «لانجستون هيوز» Langston Hughes قصيدة عنوانها «جدارية لينوكس أفينيو» يقول فيها:
ما الذي يحدث لحلم مؤجل؟
هل يجف
كحبة عنب في الشمس
أم يتقيح كقرحة
ثم ينتهي
هل يتعفن كقطعة لحم
أم يكتسب قشرة ويحلو طعمه
كشراب حلو
ربما فقط يتدلى كحمل ثقيل
أم تراه ينفجر؟
بعد خمسة عقود نرى الحلم ينفجر من شوارع مدينة فيرجسون وصولاً إلى حارات شيكاغو، انفجارا يؤكد لنا أن ما ذهب إليه الفيلسوف الفرنسي المتحول من الكاثوليكية إلى الإسلام، مرورا بالشيوعية، روجية جارودي، في كتابه «أميركا طليعة الانحطاط»، كان قريبا جدا من الحقيقة، وأن هناك خدعة كبرى تسمى الديمقراطية... لماذا؟
لأنها دائما ستار يخفي وراءه حقائق ظالمة، فإعلان الاستقلال الخاص بالولايات المتحدة الأميركية ينص على المساواة في الحقوق بين المواطنين جميعا، وعقب هذا الإعلان الحاسم، تم الحفاظ على العبودية بالقانون لمدة زادت على قرن، ومازالت التفرقة العنصرية ضد السود باقية حتى الآن، وعليه تبقى أميركا عند جارودي «دولة الديمقراطية للبيض لا للسود أو الهنود».
كيف بدأت قصة «العبودية» في الدولة الأميركية؟ وإلى أين صارت؟ ولماذا جاء حساب الحصاد الخاص بالحريات عبر العقود الخمسة المنصرمة منافيا ومجافيا لحساب البيدر؟

الرق ورأسمالية الإمبراطورية الأميركية
التأريخ لنشوء وارتقاء ظاهرة الرق في الولايات المتحدة الأميركية مسألة شاقة وعسيرة، غير أن أفضل من تناولها بالشرح المستفيض يعد الكاتب الأميركي «إريك فونر» في موسوعته العالية الأهمية «أعطني حريتي ملحمة التاريخ الأميركي المستمرة»، وربما أثبتت الأحداث الأخيرة في الولايات المتحدة أن النضال من أجل الحرية بالفعل مسألة مستمرة في التاريخ، كانت ولا تزال مشتعلة، وما من قراءة مستقبلية جذرية لها.
باختصار، يربط «فونر» بين العبودية، وبين مسألة قيام الإمبراطورية الأميركية على الرأسمالية المتوحشة منذ البدايات.
كان أكثر من نصف الأفارقة الذين تم نقلهم إلى العالم الجديد خلال الفترة ما بين عامي 1492 و1820، والذين يقدر عددهم بحوالي 7.7 مليون، كانوا قد وصلوا ما بين عامي 1700 و1800، وقد تمت بعد ذلك إدانة تجارة الرقيق عبر الأطلسي من قبل رجال الدولة والرأي العام بأنه جريمة ضد الإنسانية، ولكنها في القرن الثامن عشر كانت من ضمن الأعمال المقننة، وقد شارك التجار الأوروبيون والتجار الأفارقة والمزارعون الأميركيون في مفاوضات معقدة حول حياة الإنسان بغرض تأمين تحقيق أرباح.
كانت الغالبية العظمى من العبيد الأميركيين في معظم القرن الثامن عشر من الأفارقة من حيث المولد، وظلوا لسنوات عديدة يتحدثون اللغات الأفريقية، ويمارسون الديانات الأفريقية. وبحلول منتصف القرن الثامن عشر، كانت العبودية ذات النظم الثلاثة في أميركا الشمالية البريطانية قد أنتجت الثقافات الأفريقية الأميركية المتميزة.
كانت تجربة العبودية والرغبة في الحرية بمثابة الخيوط المشتركة التي ربطت هذه الثقافات الأفريقية الأميركية الإقليمية، لقد خاطر السود بحياتهم في جهودهم المبذولة لمقاومة الاستعباد طوال القرن الثامن عشر.
أما المؤرخ الأميركي «إدوارد بابتيست» فيلفت إلى الدور الذي لعبه العبيد في زخم الاقتصاد الرأسمالي لأميركا. مبكرا جداً، فعلى سبيل المثال ازدهر الجنوب الأميركي، وتبدلت احواله الاقتصادية من مزارع ضيقة مليئة بالتبغ إلى «إمبراطورية قارية للقطن»، ونمت الولايات المتحدة لتصبح اقتصادا حديثا وصناعيا ورأسماليا، إذ استخرج ملاك العبيد من عبيدهم، كفاءات هائلة عبر التعذيب والعقاب، مما أتاح للجمهورية الأميركية سطوة هائلة على السوق العالمي للقطن والذي كان يمثل الثورة الصناعية، الأمر الذي كفل للولايات المتحدة أن تصبح أمة قوية مزدهرة، وهو ما لا تذكره الذاكرة الأميركية الحديثة، بل تتنكر له، والدليل ما جرى في شيكاغو حيث أحدث فصول العنصرية الأميركية... ماذا عن ذلك؟

صدامات شيكاغو وماديسون وما قبلهما
ما الذي جرى مؤخرا وأعاد فتح أوراق هذا الملف الشقاقي، والذي يكاد يسبب شرخا بالغ الخطورة في الجسد الأميركي؟
بالقطع كانت أحداث التظاهرات التي شهدتها مدنية شيكاغو، بعد ما أفرجت الشرطة الأميركية عن شريط تسجيل مصور يظهر رجال الشرطة يطلقون «ست عشرة» رصاصة على جسد الشاب الأميركي الأسود «لاكوان مكدونالد»، ومن قبل شهدت المدينة حوادث مشابهة فخلال السنوات السبع الماضية قتل نحو 17 شخصا، 70% منهم سقطوا برصاصات الشرطة، في مدينة ثلثها تقريبا من أصل أفريقي.. هل شيكاغو تحديدا مثال حي عن الحلم الأميركي المؤجل؟
في العام 2008، نشرت صحيفة «شيكاغو، تربيون» دراسة أظهرت أن العنصرية في هذه المدينة هي الأعلى نسبة في عموم البلاد الأميركية، وحتى تتغير الأوضاع إلى الأفضل لابد أن يقوم 84% من سكان المدينة من البيض والسود على حد سواء بتغيير أماكن سكنهم وهو أمر غير مرجح أن يحدث.
لم تكن حادثة شيكاغو هي الأولى من نوعها هذا العام، ففي أوائل مارس المنصرم اندلعت احتجاجات في مدنية ماديسون في ولاية وسكنسون احتجاجا على قتل شاب أسود في التاسعة عشرة برصاص شرطي.
وفي يونيو 2014 اشتعلت مدينة فيرجسون بعدما برأت محكمة هيوستن ضابط شرطة يدعي جوفيتنيو كاسترو رغم ثبوت واقعة إطلاقه النار على شاب أسود يدعى جوردان بيكر، وأرداه قتيلا، على الرغم من أنه لم يكن مسلحا ولا يشكل خطرا على الشرطة الأميركية.
فيرجسون نفسها كانت مثارا لأحداث عنصرية جديدة، بعدما قتل شرطي أبيض الشاب الأميركي «مايكل براون» في أغسطس الماضي، وتسبب في تظاهرات عارمة، وتحدث الرئيس أوباما عن الأعمال «القمعية» ضد الأميركيين الأفارقة التي كشف النقاب عنها تقرير لوزارة العدل الأميركية يتهم الشرطة ومسئولي القضاء بسلسلة من التصرفات غير القانونية.
لقد كان العام المنصرم 2015 عام العنصرية الأميركية بامتياز لا سيما بعد ان شهدت مدينة بالتيمور بدورها تظاهرات عنصرية بسبب قتل أميركي أفريقي يدعي فريدي غراي عقب إصابة في حبله الشوكي تعرض لها أثناء مطاردة الشرطة له في 12 أبريل، وبالتيمور هي إحدى أكبر مدن ولاية ميريلاند الأميركية والتي تقطنها أغلبية من أصول أفريقية.. فأين الخطأ؟

هل أميركا أمة عنصرية في الأصل؟
تطرح الحوادث السابقة والتي أوردناها على سبيل المثال لا الحصر علامة استفهام خطيرة وجدية، ونطرحها من باب الموضوعية: هل أميركا أمة عنصرية؟
الجواب نحيله إلى كتاب المفكر الأميركي المثير للشغب العقلي صموئيل هنتيجتون «من نحن... المناظرة الكبرى حول أميركا»، حيث يذكرنا بأن الأميركيين يحملون مشاعر خاصة بالعنصرية والاثنية، وفي معظم التاريخ الأميركي كما يقول المؤرخ الأميركي الشهير «أرثر شليزنجر» الابن، كانت هناك أمة عنصرية.. ذلك أنه من الناحية التاريخية ميز الأميركيون بحدة بينهم وبين الهنود الحمر، والسود والآسيويين والمكسيكيين، واستبعدوهم من المجتمع الأميركي، وتتمثل العلاقات الأميركية مع هذه العناصر الأخرى في حدث فاصل وقع في مطلع التاريخ الأميركي.
ففي العقود التي أعقبت قيام مستوطنات خليج بلايموث وماساشوستس في 1620 و1630، كانت العلاقات بين المستعمرات والهنود الحمر، تعاونية بشكل عام. وفي منتصف القرن السابع عشر «ساد عصر ذهبي من الرخاء المشترك للقبائل الهندية والمستوطنين الإنجليز في نيو انجلند. فقد اختلط الناس من الجماعتين واستفادوا من التجارة المتنامية، إلا أنه في الستينيات من القرن السابع عشر تدهورت العلاقات التجارية، كما أن مطالب المستوطنين المتزايدة للأرض ومخاوف الهنود (الحمر) من أنه لم يعد هناك تعايش بعد أن استبدل بالسيطرة، أدى ذلك إلى ما يعرف بنقطة تحول المستوطنين الإنجليز الذين أضحوا قلب أميركا الديموغرافي الجديد إلى العنصرية بامتياز.
لقد جرت المقادير في ذلك الوقت بـ«حرب الملك فيليب» بين الأعوام 1675 و1676، ونسبيا كانت هذه الحرب الأكثر دموية في التاريخ الأميركي، فقد ارتفع معدل الوفيات بين المستعمرين إلى حوالي ضعفي الوفيات بين الأميركيين في الحرب الأهلية وسبعة أضعاف الوفيات في الحرب العالمية الثانية. وقد هاجم الهنود الحمر (52) مدينة للمستوطنين من (90) مدينة في نيو انجلند، ونهبوا (25) مستوطنة، وحرقوا (17) مدينة، مما أجبر الرجل الأبيض، بحسب هنتنجتون، على قتال الهنود الحمر، وإجبارهم على التراجع ناحية الساحل وتم تدمير اقتصادهم وامتد تأثير ذلك إلى عقود عدة، وفي النهاية أبيد عدد كبير من القبائل الهندية وقتل زعماؤها، وتم تحويل عدد كبير من الرجال والنساء والأطفال إلى عبيد وشحنوا إلى جزر الهند الغربية.
نتيجة لتلك الحرب، حسبما أورده «جيل لابور»، رسم البيوريتانيين من الأميركيين، حدودا جديدة دقيقة على الأرض وفي أذهانهم بين الهنود وبينهم، وووصلوا إلى نتيجة مؤداها أن هذا الطرد أو تلك الإبادة هي السياسات الوحيدة التي يجب اتباعها في المستقبل، لا تجاه الهنود الحمر فقط، بل في مواجهة أي جماعة عرقية، يمكن أن يتقاطع وجودها مع مسيرة الرجل الأبيض، وقد ظهر هنا الأميركيون الأفارقة كجملة اعتراضية في تاريخ أميركا بعد إبادة الهنود الحمر.
ويحاجج صموئيل هنتنجتون رجل صراع الحضارات لجهة أن ما جري بسبب حرب الملك «فيليب» تسبب في اختفاء احتمال وجود مجتمع متعدد الثقافات في أميركا، غير أنه يري أن هذا المجتمع قد تم احياؤه بعد ثلاثمئة عام، أي في أوقاتنا الحاضرة، فهل من صحة لهذا الطرح، بمعنى: هل هناك مجتمع متعدد الثقافات وعلى درجة عالية من المساواة في الداخل الأميركي، تجاوز إشكالية «الأمة العنصرية»، التي يحدثنا عنها «أرثر شيلزنجر» الابن؟

فرز على أساس عرقي
البحث عن جواب شافٍ وافٍ لعلامة الاستفهام المتقدمة مسألة تحتاج إلى مؤلفات بعينها من أجل التحقيق العلمي والتاريخي الموثوق، غير أنه يمكن الإشارة، باختصار، إلى أن السكان الاستعماريين للولايات التي كانت هندية أميركية، جرى تقسيمهم على أساس الأصل العرقي، والدين، والطبقية، والمركز، ويرتبطون معا إلى حد كبير بموجب ولائهم لبريطانيا.
ولم تقتصر الثورة فقط على خلق أمة جديدة، ولكن خلقت أيضا هيئة جماعية جديدة تحت اسم الشعب الأميركي الذي يتمتع أعضاؤه بالحرية كمواطنين في مجتمع سياسي جديد، ونظرا لأن الحكومة في الولايات المتحدة تستند إلى إرادة الشعب، لذلك فإن الشيء الأهم هو تحديد هوية الناس.
يفتتح الدستور بعبارة «نحن الشعب» لوصف أولئك الذين سيمتلكون، ضمن أشياء أخرى، نفحات الحرية كحق مكتسب وتمريرها إلى الأجيال القادمة، وقد استشهد «أبراهام لنكولن» في وقت لاحق بهذه الكلمات للقول بأنه نظرا لأن الأمة أنشئت بواسطة الشعب لذلك فإن الولايات لا يمكنها حلها.
هل شعب الولايات المتحدة انطلاقا من هذه الرؤية سبيكة واحدة؟
على الرغم من أن المرء قد يفترض أن شعب الولايات المتحدة يضم جميع أولئك الذين يعيشون داخل حدود البلاد، إلا أن الدستور الأميركي ينص بوضوح على أن هذا ليس صحيحا، فهو يحدد ثلاثة أصناف من السكان يقطنون في الولايات المتحدة: الهنود الذين يعتبرون أفراد قبائل مستقلة وليس جزءا من الجسم السياسي الأميركي، وأشخاص آخرون ويقصد بهم العبيد السود الأميركيين، والشعب، بما يعني أن ثلث السكان فقط هم الذين يحق لهم التمتع بالحرية الأميركية. والشاهد أن كل أمة تواجه مهمة تحديد هويتها، وقد ميز المؤرخون تقليديا بين القومية المدنية التي تصور الأمة كمجتمع مفتوح لجميع أولئك المخلصين لمؤسساته السياسية وقيمة الاجتماعية، وبين القومية العرقية التي تعرف الأمة كمجتمع قائم على أساس تقاسم الأصل العرقي والثقافة واللغة.. هل روح أميركا متصارعة في داخلها بين هاتين القراءتين؟

بوتقة انصهار
في أواخر القرن الثامن عشر أشاع المفكر الأميركي والكاتب «كريفكير» في كتابه الشهير «رسائل من مزارع أميركي» فكرة أن الولايات المتحدة هي بوتقة انصهار وهي الفكرة التي ستصبح شائعة جدا في القرن العشرين، حيث كتب قائلا: «انصهر الأفراد هنا من جميع الدول في دولة جديدة، حيث ترك الأميركي وراءه كل تحيزاته وطباعة القديمة، واكتسب تميزات وطباعا جديدة من نمط الحياة الجديد الذي تبناه، وقد كان «كريفكير» يدرك جيدا ما أسماه «فظائع العبودية».
يعن لنا أن نسائل «كريفكير» هل انتهى زمان العبودية أم أن وراء الأكمة ما وراءها؟ يبدو أن هذا السؤال قد شغل ذهن الكاتب والباحث الإيطالي «جيوفاني ماورو» وسعي إلى البحث عن جواب عبر مصادر أميركية رقمية حقيقية، لا تكذب ولا تتجمل منها مكتب الإحصاء الأميركي، والمركز الفيدرالي لإحصاءات التعليم، ومكتب الولايات المتحدة لإحصاءات العدالة، والمركز الفيدرالي لإحصاءات العمل، وقد أجمل بحثه في عشر نتائج، لا تتسع المساحة للكتابة عنها أو الوقوف عندها جميعاً بالشرح والتحلي، غير مضمونها الرئيس يثبت زيف طرح «كريفكير» حول بوتقة الانصهار أو (Melting Pot) فقد وجد «جيوفاني» أن نسبة عدد الأطفال السود الذين يعيشون في فقر 37% من بين أطفال أميركا، ويأتي الأطفال الإسبان في المرتبة الثانية بنسبة 27%، يليهم الأطفال الآسيويون، حيث يعيش 11% منهم في فقر.
تتصل الأرقام بحياة السود الاقتصادية، إذ يبلغ عدد العاطلين من السود ضعف عدد العاطلين من البيض، ويتعرض التلاميذ والطلاب السود للفصل من مدارسهم، أكثر مما يتعرض الطلاب البيض بثلاثة أضعاف.
ولعل المثير في الإحصائيات التي حصل عليها «جيوفاني» إظهار أن 48% من الأميركيين يحملون مواقف عنصرية ضمنية ضد السود، وأن ذلك كان في عام 2008، وللأسف ارتفعت هذه النسبة إلى 51% من البيض في عام 2012.. هل لهذا أعرب عدد من الخبراء الحقوقيين في الأمم المتحدة عن إدانتهم للتمييز العنصري في الداخل الأميركي؟
ربما يكون السؤال الأخطر والأهم هل تمتد هذه العنصرية إلى داخل النظام القضائي الأميركي، الحصن الأخير للحريات في مواجهة العبودية داخل البلاد؟

اهتزاز الثقة في القضاء
رغم أن العنصرية بحكم القوانين الأميركية الرسمية قد ذهبت إلى غير رجعة، وأقرت للسود حقوقا مساوية لغيرهم من الأميركيين، إلا أن هذا لم يمنع في واقع الأمر قيام بعض الولايات بممارسات عرفية، راسخة في النماذج الثقافية الحياتية، تسعى في طريق التمييز، وتحابي الرجل الأبيض على حساب الأسود، من خلال عدوانية واستعلاء واضحين، ويبدو أن هذا الفيروس الفتاك قد تسرب إلى عمق النظام القضائي الأميركي بدرجة أو بأخرى.
ضمن إحصائيات الإيطالي «جيوفاني ماورو» حديث عن تغليظ العقوبات القضائية التى تصدرها المحاكم الأميركية ضد السود بنسبة 20%، مقارنة بنفس الأحكام التي تصدر ضد البيض على نفس التهم.
كذلك فإنه من بين كل عشرة سود يعيشون في الولايات المتحدة تجاوزوا سن الثلاثين، يوجد واحد منهم في السجن، ومن المحتمل أن كل شخص أسود ولد في عام 2001، سيتعرض إلى دخول السجن بتهمة ما أو بأخرى، وذلك بنسبة 32%، بينما تنخفض احتمالية هذه النسبة إلى 17% بالنسبة للأسبان. أما بالنسبة للبيض فإن احتمال دخول السجن تنخفض إلى 6% فقط.
في أكتوبر الماضي، شهدت واشنطن مسيرة ما يعرف بـ «المليون رجل» كان الشعار الرئيس الذي رفع خلالها «العدالة وإلا- Justice Or Else) وهو شعار يظهر في واقع الأمر حالة اليأس التي بلغت بالسود الأميركيين، ونفاد صبرهم من إجراءات المحاكمات المسوفة وبخاصة إذا كان المجني عليه من السود.
أمام مبنى الكونجرس الأميركي، تحدث العشرات من قادة الأميركيين الأفارقة، في المقدمة منهم «لويس فرخان» رائد حركة المسلمين السود المعروفة باسم «أمة الإسلام» والذي حذر من أن الأوضاع قد بلغت حد الانفجار ووصف معضلة التمييز العنصري بالولايات المتحدة بـ «البركان الذي بدأ بالتفجر».
سر الاعتراف.. من أوباما إلى هيلاري
تدهشنا الأرقام الصادرة عن دوائر رسمية في الولايات المتحدة فيما يخص ضحايا العنصرية الأميركية، فعلى سيل المثال وفي يونيو الماضي اشارت الإحصائيات التي أجرتها وزارة الصحة الأميركية إلى أن عدد الأميركيين السود الذين ذهبوا ضحايا الحادث الإرهابي في الحادي عشر من سبتمبر 2001، قد يصل لربع عدد الأميركيين السود الذين راحوا ضحية الاستخدام المفرط للعنف من قبل الشرطة الأميركية ضد السود، حيث وصل عدد ضحايا الشرطة في عام 2014 إلى حوالي 1000 قتيل، بينما كان عدد ضحايا حادثتي نيويورك وواشنطن فقط 215 قتيلا.. هل لهذا جاء اعتراف باراك أوباما في مدينة سلما جنوبي البلاد، في مناسبة الذكرى الـ 50 لحصول الأميركيين السود على حق التصويت، بأن العنصرية في البلاد لم تنته بعد؟
في الثامن من مارس الماضي قال أوباما حرفيا: «ثمة خطأ شائع مفاده أن العنصرية زالت، وأن العمل الذي بدأه رجال ونساء انتهي.. هذا ليس صحيحا»، وقد أظهر أوباما العوار الذي يعتري العملية الانتخابية في بعض الولايات المتحدة الأميركية التي تضع قوانين تهدف لخلق عراقيل أمام تصويت الأقليات والسود تحديدا وتخصيصا.
رؤية أوباما تتفق وتتسق مع تصريحات هيلاري كيلنتون، فعلى هامش حملتها لنيل ترشيح الحزب الديمقراطي لسباق الرئاسة الأميركية 2016، وخلال مؤتمر لرؤساء البلديات في سان فرانسيسكو، وصفت المذبحة التي وقعت في كنيسة تاريخية للسود بولاية «نورث كارولينا» بأنها دليل على أن العنصرية مازالت سائرة سادرة في البلاد، وأنه من المخادعة وصف مأساة كهذه على أنها واقعة فردية أو التصديق بأن أميركا تخلصت من العنصرية إلى حد كبير.
عنصرية أميركا عند «تانيهيسي كوتس»
إلى أين تمضي حالة العنصرية ضد السود في الحال؟ وما تبعاتها على وحدة البلاد في الاستقبال؟
لعل الناظر إلى تصاعد الجماعات اليمينية الأميركية، ذات الطابع النازي والقومي، يدرك أن المستقبل ليس مطمئنا والحديث عن عنصرية تلك المجموعات من أمثال الـ «كوكلوكس كلا» والحزب النازي الأميركي «والحركة الاشتراكية القومية، إضافة إلى ما يعرف بـ«التحالف الوطني، والمقاومة الآرية البيضاء»، يحتاج إلى قراءات تحليلية مفصلة ومعمقة، لتبيان خطورتها على النسيج الاجتماعي الأميركي، وهذا ما رصده الكاتب الأميركي الشاب، ذو البشرة السوداء «تاينهيسي كوتس»، في كتابه الصادر في أغسطس الماضي تحت عنوان «بين العالم وأنا»، وفيه تأكيد لا يقبل الشك على أن الأميركيين قد بنوا إمبراطوريتهم على فكرة «العرق»، واصفا الفكرة بأنها «شر» يدمر المجتمع الأميركي، فالعنصرية تملا قلوب السود بالكراهية، وهذه بدورها تولد رغبة في الانتقام من الجميع.
يستطيع الرسميون أن يحاججوا بأن أميركا هي عنوان الديمقراطية والمساواة الأوسع حول العالم، لكن رسميين آخرين يسعون اليوم لإنزال علم الكونفيدرالية بعد ما تبين أنه يستخدم كرمز لـ«تفوق العرق الأبيض»... هذا ما طالب به بعض المرشحين السابقين لسباق الرئاسة مثل السيناتور النافذ «ليندسي جراهام».
هل يمكن أن تفجر الأوضاع العنصرية التماسك الاجتماعي الأميركي في المستقبل؟
في مجتمع يخضع لسيطرة معقدة ومركبة، بإمكان المرء أن يجد الأفكار السرية متخفية في الفنون.. كذلك كانت الحال في مجتمع السود.. ربما أخفت أغاني الزنوج مهما كانت شجية وتبعث على الحزن، الغضب وربما كانت موسيقى الجاز، مهما كانت مبهجة تنذر بالتمرد والثورة.
ثم يأتي الشعر حيث لم تعد الأفكار سرية. ففي العشرينيات كتب «كلود مكاي» Claude Mckay أحد رموز ما عرف بعد ذلك بهارليم رينيسانس (نهضة هارليم)، قصيدة وضعها هنري كابوت لودج Henry Cabot Lodge في مضبطة الكونجرس بوصفها مثال على الأفكار الخطيرة التى تنتشر بين الشباب السود. وجاء فيها:

إذا كان لابد أن نموت.
فدعونا لا نموت كالخنازير
تصاد وتلقى في مكان مخز
كما يليق بالرجال
سنواجه العصابة الجبانة القاتلة
حتى لو لم يبق مهرب
سنموت
ونحن نرد على القتال بمثله
هل وصلت قصيدة «مكاي» إلى سمع الرجل البيض؟ أم أن لهم آذانا ولا يسمعون؟

أثر العنصرية
على الرغم من تربع الرئيس باراك أوباما ذي البشرة السمراء ومن أصول أفريقية على عرش البيت الأبيض الأميركي، وعلى الرغم أن الدستور الأميركي يمنع التفرقة بين الناس على أساس اللون أو الجنس أو الدين، إلا أن العنصرية لا تزال مغروسة في قلوب الأميركان، فحتى الآن، يعيش السود في شوارع وأحياء أدنى مستوى من بعض دول العالم الثالث، وللبيض مدارس، وللسود مدارس أخرى مختلفة، وحتى رغم أن القانون يسمح للأسود أن يلتحق بمدارس الأبيض، إلا أن الواقع غير ذلك، فالأسود يعيش غريباً وسط مجتمع البيض، ينظر إليه في كل لحظة نظرة دونية تماماً، كل هذا أدى إلى شعور شديد الكراهية في قلوب السود، لذلك نجد معدلات الجريمة في السود عالية جداً، وأكثر السجناء في أميركا سود، وكل هذا من أثر العنصرية والتمييز على أساس اللون والجنس.

تا نيهيسي كوتس
كتاب: بين العالم وأنا

العنصرية في عين السينما
يروي الفيلم السينمائي «Fruitvale Station» أو «محطة روتفيل»، لمخرجه ريان كوجلر (27 عاما) حادثة حقيقية وقعت في 31 كانون الأول العام 2008، حينما قُتل الشاب الأسود أوسكار جرانت على يد رجال الشرطة الأمريكية على رصيف محطة قطار الأنفاق فروتفيل في أوكلاند كاليفورنيا، وقد سُرب فيديو من موقع الحادث يظهر الضباط المتورطين أثناء القبض على أوسكار وأصدقائه، وإطلاق النار عليه وهو مكبل وملقى على الأرض. وقد أثار الحادث حفيظة سكان أوكلاند الذين تظاهروا سلمياً إلا أن عنف الشرطة مع المظاهرات أيضاً أدى إلى أعمال شغب أدت إلى الحكم على الضابط بالسجن عامين، وتم إطلاقه بعد أحد عشر شهراً، تلك الحادثة الشهيرة أثارت مشاعر العديد من المواطنين الأميركيين، كما أعادت فتح الجدال عن الجرائم العنصرية في أمريكا من قبل الشرطة الأمريكية.

اقرأ أيضا