الاتحاد

الملحق الثقافي

الجزر العربية الثلاث بين الانتساب والاستلاب

شريط الذاكرة العتيق (الصور من أرشيف الاتحاد)

شريط الذاكرة العتيق (الصور من أرشيف الاتحاد)

منذ عهود قديمة سكن العرب الخليج العربي على جانبيه الشرقي والغربي على حد سواء، بالإضافة إلى جزره. وراحت سفنهم تمخر عباب الخليج في كل اتجاه. وكانت أصول سكان الجانب الفارسي من الخليج عربية، ولغتهم عربية، وروابطهم الأسرية والتجارية وثيقة الصلة بالساحل العربي من الخليج، وينتمون إلى قبائل وعشائر عربية معروفة مثل قبائل آل بومهير وقبائل حماد والشوامس وبني تميم وآل علي والمرازيق والبوسميط والقواسم وغيرهم. (39)، وشكّل القواسم بالتحديد ثقلاً سياسياً وحربياً في التاريخ الحديث للخليج العربي. وكان لهم حضور أيضاً على جانبي الخليج فامتلكوا مدينة لنجة وجزيرتي قشم وهنجام وجزيرتي لارك وصري وميناء لفت وجزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى ، إضافة بطبيعة الحال إلى رأس الخيمة والشارقة. (40).
وتشير المصادر التاريخية إلى أن القواسم الذين ظهروا في عام 1749م كقوة بحرية كبيرة اتخذوا من رأس الخيمة مركزاً لهم. وامتد نفوذهم ليشمل أجزاءً كبيرة من الساحل الفارسي من الخليج وجزره. واتخذ فرع من الأسرة القاسمية مدينة لنجة عاصمة لهم على الجانب الفارسي من الخليج، وكانت جزيرتا صري وهنجام تابعتين لذلك الفرع. واستمر حكمهم لذلك حتى عام 1887م عندما تمكنت الحكومة الفارسية من طرد الشيخ محمد بن خليفة كآخر حاكم قاسمي حكم لنجة. (41)
والحديث عن ضفتي الخليج من الزاوية التاريخية يؤكد عروبتها بما لا يقبل الشك أو التأويل، وكذلك يؤكد عروبة الجزر، ويدحض كافة الحجج الفارسية التي تزعم سيطرتها على معظم سواحل الخليج وجزره قبل القرن السابع عشر الميلادي، لأن العرب، كما أشرنا، قد سكنوا السواحل الجنوبية لفارس برمتها، واستمروا يشكلون غالبية السكان إلى أن بدأت سياسة التهجير القسري للعرب خلال حكم الأسرة القاجارية، خاصة ضد الذين يعتنقون المذهب السني.
إن وقائع التاريخ القديم والوسيط والمعاصر تشهد على أن عروبة ساحلي الخليج وجزره لم تكن محل شك أو خلاف باستثناء بعض الفترات التي تعرضت فيها منطقة الخليج العربي لغزو أو الاحتلال الأجنبيين. (42) وكسائر المناطق الاستراتيجية في العالم، فإن منطقة الخليج العربي تعرضت لصراعات القوى المحلية والإقليمية والدولية. وعادة تكون الغلبة في تلك الصراعات للطرف القوي الذي كان يسيطر على المنطقة ردحاً من الزمن، ثم لا يلبث هذا الطرف القوي أن يختفي لتحل محله قوة أخرى حينما تميل الكفة الراجحة ناحيته. (43)، فالامبراطورية الفارسية الاخمينية امتدت رقعتها لتشمل الشرق الأدنى القديم وحتى حدود منطقة الشرق الأقصى، ولتتحول منطقة الخليج العربي إلى بحرية داخلية وسط هذه الامبراطورية. (44) ثم برز الاسكندر الأكبر المقدوني كقوة غربية قضت على الامبراطورية الفارسية الاخمينية وفرضت سيطرتها على الخليج حتى نهاية القرن الأول قبل الميلاد. (45)
والواقع أن الفصل في مسألة عروبة الجزر في الخليج في تلك الفترة الزمنية الممتدة من الألفين الثاني والأول قبل الميلاد وحتى النصف الأول من القرن السادس الميلادي أمر يصعب التحقق منه لغياب الوثائق والأدلة التي تثبت ذلك. كما أن مفهوم السيادة لم يكن قد أخذ شكله ومضمونه الحالي، وبالتالي فإن مشكلة الحدود للوحدات السياسية (الدول) لم تكن تبرز إلى الوجود كمشكلة مرتبطة بحدود السيادة الوطنية لكل دولة. لكن القدر المتيقن منه أن عروبة الخليج وجزره لم تكن محل شك أو خلاف منذ القرن الرابع الميلادي.

الفتح الإسلامي
وجاء الفتح الإسلامي في النصف الأول من القرن السادس الميلادي ليزيد من عروبة الخليج أكثر فأكثر، حيث ظهرت الدولة العربية الإسلامية، وتطلعت تلك الدولة إلى خوض غمار الحرب رفعاً لراية الإسلام، وتمكنت من تحقيق انتصارات باهرة على الفرس انتهت بسقوط المدائن حاضرة الامبراطورية الساسانية. فغدت أراضي فارس كلها عربية إسلامية، وتحول الخليج إلى بحيرة عربية إسلامية بضفتيه الشرقية والغربية. (46).
واستمرت الهوية العربية والإسلامية للخليج العربي وجزره حاضرة وبارزة في عهد الدولة الأموية والعباسية. وأصبح الخليج العربي في عهدهما مركزاً هاماً للملاحة الدولية ولازدهار الحركة التجارية الإسلامية. (47) وحتى عندما بدأ الضعف والوهن يتسربان إلى أوصال الدولة العربية الإسلامية في النصف الثاني من العهد العباسي الثاني بظهور الدويلات والإمارات الإسلامية المستقلة سياسياً والتابعة اسميا لدار الخلافة في بغداد، فإن القوى المحلية التي ظهرت في عمان هي التي تولّت أمر السيادة والسيطرة على الجزر العربية في الخليج باعتبارها مناطق تابعة لها وداخلة في نفوذها. (48)

الاستعمار الأوروبي
وجاء القرن السادس عشر الميلادي ليضع الخليج على أبواب مرحلة جديدة من تاريخه الطويل، وهي مرحلة الاستعمار الأوروبي الذي بدأ بوصول البرتغاليين إلى المنطقة منذ مطلع ذلك القرن بهدف تحقيق أهداف اقتصادية وتجارية. فما أن وطأت أقدام البرتغاليين أرض الخليج حتى شرعوا في احتلال المناطق الاستراتيجية الهامة فاحتلوا جزيرة هرمز ومسقط وصحار وصور وقريات وجلفار وخورفكان والبحرين والقطيف.49 واتخذ الوجود البرتغالي في تلك الأماكن شكل حاميات محصورة داخل حصون منيعة مجهزة بالمؤن والعتاد.
واستمر النفوذ البرتغالي في الخليج حتى منتصف القرن السابع عشر الميلادي حينما تضافرت عوامل كثيرة أدّت إلى القضاء على السيطرة البرتغالية في الخليج بداية على يد التحالف الفارسي البريطاني في عام 1622م، (50) ثم بعد ذلك على يد الإمام ناصر بن مرشد اليعربي في عام 1650م الذي استطاع دحرهم حتى سواحل شرق أفريقيا. (51)
ثم ظهرت بريطانيا في النصف الثاني من القرن السابع عشر الميلادي كحامية للتجارة في الخليج العربي، حيث حصلت على امتيازات وتسهيلات مرفئية على الضفة الشرقية من الخليج، وإعفاءات جمركية كثيرة كانت بمثابة بداية ترسيخ النفوذ البريطاني في الخليج. (52) ووضعت بريطانيا أهمية الخليج نصب عينيها فقضت على كافة القوى المنافسة لها سواء تلك التي تمثلت في قوى أوروبية مثل هولندا وفرنسا أو تلك التي تمثلت في القوى الإقليمية المحلية، وأحكمت قبضتها على ساحل عمان فمزقته إلى وحدات سياسية متنافرة وكبلتها باتفاقيات جائرة منعتها من ممارسة سيادتها الوطنية والفعلية. (53) ولم يكد يمضي النصف الثاني من القرن التاسع عشر الميلادي حتى كانت بريطانيا السيد الآمر المطاع والناهي المستجاب في ساحل عمان (الإمارات حالياً) وتوجت قبضتها بإرغام حكام الساحل العماني على توقيع اتفاقية الحماية لعام 1892م والتي ظلت سارية حتى تم إلغاؤها في الثاني من ديسمبر 1971م، وبالتالي ظل المركز القانوني للجزر العربية في الخليج مرتبطاً بالمركز القانوني لمنطقة ساحل عمان والقوى المسيطرة عليه وخاصة بريطانيا.

الأطماع الإيرانية
وتدل الوثائق البريطانية العديدة على أن القوى العربية التي ظهرت في منطقة الخليج العربي سيطرت ولفترات طويلة من الزمن على معظم أجزاء الساحل الشرقي للخليج العربي حتى أوائل القرن العشرين الميلادي. كما يشير المؤرخون الإيرانيون إلى المعنى نفسه، حيث ذكرت (مجلة كيهان العربي) في عددها الصادر في الثامن من أكتوبر عام 1994م قائلة: « قبل الخوض في أسباب الصراع حول ملكية الجزر العربية الثلاث لابد من العودة إلى أواسط القرن الثامن عشر، فبعد موت نادر شاه في عام 1747م انحصر النفوذ الإيراني في منطقة الخليج ، وهذا الأمر مهّد الأرضية المناسبة لبدء توغل القواسم في المنطقة، والقواسم هم عشيرة عربية قطنت الشارقة ورأس الخيمة، ثم توجه فخذ من هذه العشيرة إلى إيران فاستقر في بندر لنجة. واستناداً إلى مصدر تاريخي إيراني فإن رئيس هذا الفخذ الشيخ سعيد بن قضيب استطاع أن يستحوذ على إمرة هذا الميناء، وذلك إبّان حكم الزنديين. وتناوب أولاد الشيخ سعيد على إمرة ميناء لنجة من خلال تسديد بعض الإيجارات الشهرية، ولما كانت جزر أبوموسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى تابعة لميناء لنجة، فإن القواسم استقر لهم الأمر فيها خلال تلك الحقبة». (54) وواضح جداً من خلال طرح مجلة كيهان أن المصادر الإيرانية تعترف بسيطرة القواسم على الجزر العربية وغيرها من المناطق في جنوب إيران، ولكنها أرادت أن تشوه ملكية العرب لهذه الجزر والمناطق بالقول إن حكامها كانوا يتقاضون رواتب من إيران نظير اهتمامهم بميناء لنجة العربي قبل أن تستولي إيران عليه.
وبدأت مرحلة أطماع الامبراطورية الفارسية في الخليج العربي تتسع في أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، فقامت فارس، كما أشرنا، باحتلال ميناء لنجة عام 1887م وطرد الشيخ محمد بن خليفة كآخر حاكم قاسمي لميناء لنجة. ثم واصلت زحفها واحتلت جزيرة صري وذلك لتبعيتها لميناء لنجة. ثم استولت على قشم وهنجام وجزء من شط العرب، واستولت كذلك على عربستان وطردت حاكمها العربي، وطالبت منذ عام 1922م بجزر البحرين، (55)، بل تقدمت في عام 1927م بشكوى إلى عصبة الأمم، وأخرى في عام 1951م إلى هيئة الأمم المتحدة مطالبة بأحقيتها في جزر البحرين، وفي عام 1957م أصدرت الحكومة الإيرانية قراراً يقضي بضم البحرين إلى الأراضي الإيرانية باسم الإقليم الرابع عشر. (56) وهذا التدرج في المطالبة الفارسية لجزر البحرين لم يكن إلاّ تمهيداً لاحتلال جزر الإمارات الثلاث. والدليل على ذلك أن شاه إيران أعلن في يناير من عام 1969م أن إيران ليست لها رغبة في حل قضية البحرين بقوة السلاح وإنها ستحترم رغبات الشعب البحريني فيما إذا رغب بإعادة ارتباطه بإيران أم لا. وهذا ما حصل بالفعل، حيث تم الاستفتاء في شهر مارس من عام 1970م وتقبلت الحكومة البريطانية والإيرانية رغبة سكان البحرين بالاستقلال ورفضهم التبعية لإيران، وتم إعلان استقلال البحرين في 14 أغسطس عام 1971م. (57) لذا نستشف من العمل الذي قامت به إيران تجاه البحرين بالاتفاق مع بريطانيا على أنه كان هناك تبادل مكاني للنفوذ بحيث يعطى للبحرين أحقيتها في السيادة على أن ينقل الصراع بحماية بريطانية للاستيلاء على الجزر الإماراتية تحت غطاء استعماري بحت وذلك لضعف الإمارات المتصالحة آنذاك.
وقد ازدادت التصريحات الإيرانية حول الجزر العربية الثلاث تمهيداً لحرب نفسية لاحتلالها. فقد صرح شاه إيران للمحرر الدبلوماسي للتايمز اللندنية في عددها الصادر في 14 أبريل عام 1970م بما يلي: «أنه قد بدأ عصر جديد للخليج، وأن إيران ترى أن مصالحها الحيوية تحتم حفظ الأمن والاستقرار به وذلك بالتعاون مع الدول المطلة على سواحله وأن بعض الجزر المملوكة لبعض المشيخات تهم إيران خاصة من الناحية الاستراتيجية وأنها تابعة أصلاً لإيران، وهي جزر طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبوموسى وأن إيران غير مستعدة إطلاقاً لترى سقوط هذه الجزر بيد أعدائها». (58)
كما جاء في الكتاب الأخضر السنوي الصادر عن وزارة الخارجية الإيرانية في طهران ما يلي: «ما لم تعد هذه الجزر الثلاث إلى إيران، فإن الحكومة الإيرانية لن توافق قط على قيام الاتحاد الفدرالي للإمارات العربية في الخليج بل إنها ستعمل ضده». (59)

سياسة الأمر الواقع
في الحقيقة، كانت هناك محادثات سرية جارية منذ فترة طويلة وتحديداً منذ عام 1930م بين الإيرانيين والبريطانيين لإقناع حاكم رأس الخيمة بتأجير جزيرتي طنب الكبرى والصغرى، ولكن حاكم رأس الخيمة رفض رفضاً باتاً هذا العرض. ومع اقتراب أواسط عام 1971م أخذت إيران تطالب وبإلحاح بالسيطرة على تلك الجزر سلماً وإذا اضطرت فبالقوة. ولما رأت بريطانيا تصميم إيران وإصرارها على الاستيلاء على هذه الجزر بدأت بعملية مفاوضات للتوصل إلى اتفاقية لإعطاء الجزر إلى إيران. (60)
ولقد لعب وليم لوس (ممثل وزير خارجية بريطانيا، وآخر مقيم بريطاني في منطقة الخليج العربي) دوراً كبيراً في الوساطة بين إيران وحاكمي رأس الخيمة والشارقة، حيث عرض في بداية مهمته على حاكم رأس الخيمة 18 مليون جنيه إسترليني كمساعدات للإمارة لمدة تسع سنوات نظير استئجار طنب الكبرى وطنب الصغرى بيد أن حاكم رأس الخيمة رفض هذا الاقتراح وأصرّ قائلاً: «إنني أرفض هذا الاقتراح، وأشير بأن أرض العرب لا تباع ولا يمكن التفريط بها». (61) ولكن على الجانب الآخر نجح وليم لوس، بعد مباحثات في أواسط شهر نوفمبر من عام 1971م، في إقناع حاكم الشارقة الشيخ‏‏ خالد بن محمد القاسمي بتوقيع (مذكرة تفاهم) مع إيران على مضض تنص على ممارسة الإدارة المشتركة على جزيرة أبوموسى. واعتبرها حاكم الشارقة أساساً للعلاقات بين الجانبين، وخصوصاً بعد موافقة مصر على هذا الحل البريطاني. (62) (للمزيد أو للنص الكامل لمذكرة التفاهم بين إمارة الشارقة وإيران بخصوص جزيرة أبوموسى يمكن الرجوع إلى: د. محمد رشيد الفيل، دولة الإمارات العربية المتحدة ومأزق الاحتلال الإيراني للجزر الإماراتية، ص 215 - 221.. كما يمكن الرجوع إلى المؤتمر الصحفي الذي عقده الشيخ خالد بن محمد القاسمي حاكم الشارقة بعد إعلان مذكرة التفاهم إلى المرجع نفسه، ص 389- 399).
ولم تمض الساعة الثانية والنصف من صباح يوم الثلاثاء الموافق الثلاثون من شهر نوفمبر من عام 1971م، وقبل يوم واحد من إنهاء الحماية البريطانية وانسحابها من المنطقة، حتى أقدمت إيران وبتنسيق مع بريطانيا بغزو جزيرتي طنب الكبرى والصغرى، وبعد اشتباك قصير بين القوات الإيرانية وبعض أفراد الشرطة التابعة لإمارة رأس الخيمة في جزيرة طنب الكبرى سقط على إثره بعض القتلى والجرحى من الجانبين، تمكنت إيران من بسط سيطرتها الكاملة على الجزيرتين.إن حسن الجوار الخليجي مع إيران سواء في عهد الشاه أم في عهد الجمهورية الإسلامية، كل ذلك لن يأتي بنتيجة منطقية، لأن حسن الجوار لم يشفع بأن تتفجر الأزمة مرة ثانية في شهر أغسطس عام 1992م عندما أقدمت إيران على احتلال جزيرة أبوموسى كاملة هذه المرة، وخيّرت سكان الجزيرة بين الطرد أو قبول الجنسية الإيرانية، وأوقف الإيرانيون سبل المواصلات مع إمارة الشارقة، متجاهلة بذلك مذكرة التفاهم التي وقعتها مع إمارة الشارقة في نوفمبر عام 1971م. (63) وبذلك اكتملت حلقات الاحتلال الإيراني للجزر العربية الثلاث.

حسن الجوار.. يناقض الاحتلال
إذا كانت إيران ترفض الجلوس على طاولة المفاوضات، وترفض تدويل القضية، وترفض المحاكمة العادلة في محكمة العدل الدولية، والاستخفاف في بعض الأحيان بصاحب الحق وإظهاره أمام الرأي العام بأن ليس له القدرة على المضي في مطالبته بجزره، وهو ما يسمّى بسياسة فرض الأمر الواقع. فإنني أرى ضرورة استغلال هذا الظرف المباشر وإيجاد منهجية إعلامية شاملة، نبلورها في قالب مطالب حقيقية، برعاية دولية، بأسلوب دبلوماسي راق متعارف عليه في مثل هذه الحالات. ومن ناحية المتابعة والاهتمام فإن تفعيل أدوار الجميع أمر في غاية الأهمية عند طرح قضية الجزر لأن الدفاع عن كل شبر من أرضنا الغالية هو مسؤولية الجميع دون استثناء، ولا يمكن أن نصل إلى هذه القناعة إلا بإشراك المعنيين والمهتمين في المجتمع وإعطائهم الفرصة وزرع الثقة فيهم لأجل التضحية والوقوف بحزم أمام أي تدخل همجي سافر كما حدث للجزر من طرف إيران المحتلة.
ولأهمية الموضوع وخطورته على المنطقة كلها يجب التنبه إلى كل خطوة تقوم بها إيران حالياً محلياً ودولياً، لأن الفكر التوسعي لدى نظام الملالي ليس وليد المصادفة بل هو امتداد للفكر التوسعي الفارسي، وكتب التاريخ حافلة بأخبار الفرس وتوسعاتهم، وما حدث للشقيقة العراق ودخولها في حرب مخطط لها مسبقا، دليل قاطع على العدوان الهمجي الذي قامت به إيران، وما زالت ماضية في مخططها التوسعي، وكما قال الشاه مرة وكررها هاشمي رفسنجاني ومحمد خاتمي ومحمود أحمدي نجاد أيضاً بأن الدول العربية المطلة على الخليج لا تصل إلى مساحة إحدى المقاطعات الإيرانية.
إذاً علينا أن ندرك مغزى هذا الكلام تماماً، وعلينا أن نعتقد اعتقاداً جازماً بأن أفضل وسيلة لحل هذه القضية هي محكمة العدل الدولية، لنضع الجارة الناكرة للجميل أمام الأمر الواقع ومنعها القيام بأي تهور توسعي؛ لأن نظام الملالي الذي أوهم العالم الإسلامي المغلوب على أمره أن الذي قام به هو ثورة إسلامية، وقع في شر أعماله وخلق لنفسه وضعية كلفته الكثير من الخسائر والهزائم على الصعيدين الداخلي والخارجي.
إن ثبوت حق الإمارات في الجزر ليس من قبيل الوهم، بل هو حق تاريخي ثابت بالوثائق والبراهين، أما تأخر الفصل في قضية الجزر فسببه التحيز الدولي لمصلحة إيران في عهد الشاه الذي كان الحليف القوي لإسرائيل وللدول الغربية، ولكن بعد تغير الوضع في إيران وقيام الثورة المشؤومة، والتي انخدع بها كثير من الناس، لم يتغير الموقف من الجزر، فالثورة الإيرانية هي امتداد لنظام الشاه أو بأصح الأقوال قامت على أسسه تحمل في طياتها ازدواجية المعايير.
ومن هنا، فإني أتصور أن حل قضية الجزر لا يمكن أن يتم إلا بالتماسك العربي الخليجي والإسلامي؛ لأن الأمر يعتبر بمثابة انتهاك للأمن القومي العربي. وللحفاظ على هذا التماسك الإقليمي فإن ذلك يتطلب معالجة دقيقة للأمر؛ لأن التكتل العربي كفيل بتكوين قوة ضغط لا يستهان بها لإعادة الحق الإماراتي الذي لا يجوز التنازل عنه مهما كانت الظروف الإقليمية، نقول ذلك، ونحن نضع نصب أعيننا الخشية من سقوط حقنا في الجزر مع مرور الزمن والذي يعرف في القانون الدولي بالتقادم المُكسِب للملكية.


............................................
(39) عدنان مراد، الجزر العربية الثلاث في الخليج العربي والأمن القومي العربي، بحث مستخرج من ندوة رأس الخيمة التاريخية الخامسة (غير منشورة)، والتي عقدها مركز الدراسات والوثائق بالديوان الأميري برأس الخيمة في الفترة من 30 نوفمبر وحتى 1 ديسمبر عام 1994م تحت عنوان (جزر السلام).
(40) د. محمد غانم الرميحي، البترول والتغير الاجتماعي في الخليج العربي، منشورات معهد البحوث والدراسات العربية، القاهرة، الطبعة الأولى، 1975م، ص 11.
(41) د. محمد رشيد الفيل، المرجع السابق، ص 152.
(42) عبدالوهاب عبدول، المرجع السابق، ص 108.
(43) عبدالوهاب عبدول، المرجع السابق، ص 109.
(44) د. سليمان البدر، منطقة الخليج العربي خلال الألفين الثاني والأول قبل الميلاد، دراسات في تاريخ الشرق القديم، مطبعة حكومة الكويت، الطبعة الأولى، 1978م، ص 93.
(45) أحمد العناني، جذور الحاضر الخليجي، سلسلة الكتب التاريخية، منشورات دار المتنبي للنشر والتوزيع، الدوحة، قطر، الطبعة الأولى، 1983م، ص 21.
(46) قدري قلعجي، المرجع السابق، ص 113 وص 155.
(47) د. فتحية النبراوي ود. محمد نصر مهنا، الخليج العربي دراسة في تاريخ العلاقات الدولية والإقليمية، منشأة المعارف، الإسكندرية، الطبعة الأولى، من دون تاريخ، ص 63.
(48) عبدالوهاب عبدول، المرجع السابق، ص 113.
(49) د. بدر الدين الخصوصي، دراسات في تاريخ الخليج العربي الحديث والمعاصر، منشورات ذات السلاسل، الكويت، الطبعة الأولى، 1984م، الجزء الأول، ص 21.
(50) د. علي عبدالله فارس، شركة الهند الشرقية البريطانية ودورها في تاريخ الخليج العربي (1600 - 1858م)، مطبعة رأس الخيمة الوطنية، الطبعة الأولى، 1997م، ص 105.
(51) د. عائشة علي السيّار، دولة اليعاربة في عُمان وشرق أفريقيا (1624 - 1741م)، منشورات دار القدس، بيروت، لبنان، الطبعة الأولى، يناير 1975م، ص 39.
(52) د. عبدالوهاب عبدول، المرجع السابق، ص 116.
(53) د. سيد نوفل، المرجع السابق، ص 66 - 67.
(54) مجلة كيهان العربي، افتتاحية العدد الصادر في الثامن من أكتوبر 1994م بعنوان (الجزر الإيرانية الثلاث بين الشواهد التاريخية والتأليب الغربي). أنظر أيضاً:
- د. شملان العيسى، الخلافات الحدودية والإقليمية بين العرب والإيرانيين، بحث مستخرج من ندوة العلاقات العربية الإيرانية (الاتجاهات الراهنة وآفاق المستقبل)، التي عقدت في الدوحة/‏‏‏‏‏‏‏ قطر في الفترة من 11 إلى 24 سبتمبر 1995م.
(55) د. محمد رشيد الفيل، المرجع السابق، ص 114.
(56) أمل إبراهيم الزياني، البحرين بين الاستقلال السياسي والانطلاق الدولي، الطبعة الثانية، القاهرة، 1977م ص 106.
(57) د. يحيى حلمي رجب، مجلس التعاون لدول الخليج العربية، رؤية مستقبلية، الكويت، 1983م، ص 173.
(58) د. محمد رشيد الفيل، مشكلات الحدود بين إمارات الخليج العربي، بحث مستخرج من مجلة دراسات الخليج والجزيرة العربية، جامعة الكويت، العدد الثامن، السنة الثانية، أكتوبر 1976م، ص 54.
(59) نفس المرجع، ص 54.
(60) Abir Merdechal، Oil Power and Politics، London، 1974، P.20
(61) فريد هوليداي، الجزر العربية بين الأطماع الأجنبية والاستراتيجية، بغداد، 1971م، ص 6.
(62) د. طاهر موسى عبد، الاحتلال العسكري الإيراني لجزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، منشورات وزارة الثقافة والإعلام، بغداد، 1983م، ص 74.

(63) د. وليد حمدي الأعظمي، النزاع بين دولة الإمارات العربية المتحدة وإيران حول جزر أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى من الوثائق البريطانية (1974م - 1971)، منشورات دار الحكمة، لندن، 1993، ص 5.

أرقام
تقدر مساحة الخليج العربي بـ 97450 ميلاً مربعاً.
الطول: 500 ميل من شط العرب وحتى مضيق هرمز.
العرض يتراوح بين 180 ميلاً في قسمه الجنوبي و29 ميلاً عند مضيق هرمز.
يقع ما بين خطي طول 48 درجة و57 درجة شرقاً، وخطي عرض 24 درجة و30 درجة شمالاً.
حجم مياهه 2000 ميل مكعب، وأعمق أجزائه توجد بالقرب من مضيق هرمز باتجاه الساحل الفارسي.

اقرأ أيضا