الاتحاد

دنيا

الثقافة الأسرية تستوعب مشاكل ترتيب الأشقاء

خورشيد حرفوش (القاهرة)

تشير دراسات علمية إلى وجود فروق فردية جوهرية بين الإخوة الأشقاء في أنماط السلوك وطبائع شخصياتهم وصفاتهم رغم تشابه السمات العامة المشتركة بحكم العامل الوراثي. وأن هذه الفروق ترجع إلى العوامل البيئية المكتسبة، ومنها ترتيب الأبناء في الأسرة الواحدة، ونوعهم، وعددهم، إلى جانب ظروف التنشئة فيما بينهم، والتغيرات والتحولات الاجتماعية والاقتصادية التي تتعرض لها الأسرة نفسها خلال طفولة كل واحد منهم.

مسألة بديهية

يرى البروفيسور بنجامين سبوك، أحد أهم علماء دراسة الطفولة، أن تلك الاختلافات مسألة بدهية. وأن المعلومات التي يتوصل إليها، تؤكد أنه إذا جمعنا الأنواع المختلفة من الأبناء الأوائل من حيث الترتيب في الأسرة وقارناهم بالأشقاء المتوسطين أو الذين يولدون تباعاً، فإننا نتوصل إلى أن الاختلافات الفردية لا تخضع لمسألة ترتيب الطفل في الأسرة، ففي دراسة شارك بها في جامعة «سارا لورنس» الأميركية يقول «كنا نتدارس كهيئة تدريس الوسائل التي تجعلنا نواجه مشكلة الطفل الذي يشعر بأن مكانته في الأسرة قد اهتزت، لأن وافداً جديداً قد جاء. وراجعنا ملفات عديدة لأطفال «أوائل من حيث ترتيبهم في أسرهم»، واندهشنا عندما اكتشفنا أن الطفل الذي يظهر عليه الحزن أو أي شكل من أشكال الاضطرابات السلوكية عند مجيء شقيق له، يقابله تماماً طفل آخر يرحب تمام الترحيب بمجيء الأخ أو الأخت، وقد سارت حياتهم مرحة وودودة وطبيعية، كما كانت من ذي قبل».

ويقول «كثير من الآباء والأمهات ينظرون إلى الأبناء بأسلوب يبحث عن الأخطاء لتقويمها، ولا يقبلون الخطأ ببساطة ليناقشونه مع الأبناء ويقنعونهم بوجهة نظرهم. وهناك من يلجأ دائماً إلى التوبيخ أكثر من تشجيع الصفات الحسنة عند الأبناء. بل يحاولون دائماً عقد المقارنات التي تؤجج الغيرة والتنافس السلبي والكراهية والعراك بين الأشقاء، وغالباً ما يحاول فيها الأخ الأكبر أن يمتثل الشقيق الأصغر له، ويذعن لإرادته، بينما يحاول الصغير استدرار عطف ودعم الوالدين ليحصل على ما يريد، أو للإفلات من غضب أخيه، بينما نجد الأوسط بينهم يختصر الطريق بفضل الخبرة المكتسبة، وينجح في التوافق مع مثل تلك المواقف بهدوء أو استكانة لتجنب تلك الصدامات»، مضيفاً «هناك كثير من الأطفال استطاعوا أن ينتصروا على القلق والخوف والغيرة ونجحوا في التكيف مع الوافد الجديد». ويذهب إلى أنها دلائل تؤكد أن الغيرة الطبيعية مجرد تجربة مفيدة وثرية سرعان ما تنتهي، معتبراً أن الأمر كله يرتبط ارتباطاً وثيقاً بثقافة الوالدين، وطرق وأساليب تعاملهما وتعاطيهما مع المواقف اليومية طيلة عملية التنشئة الاجتماعية للأبناء.

توزيع المشاعر

ترى الدكتورة إشراق المنوفي، استشارية الطب النفسي، أن ترتيب الطفل في الأسرة مسألة مهمة، لكن الأكثر أهمية هي درجة ترابط الأسرة وروح الحب التي تسيطر على أفرادها. فيها يعطي الوالدان كل طفل ما يستحقه من الحب، ويقبل الوالدان من كل طفل عيوبه وحسناته بأسلوب طبيعي غير مبالغ فيه. وهناك بعض الأسر التي تفرض على أبنائها منذ الميلاد الهدوء والسكينة، بينما نجد أسراً تجيد التعامل مع الأطفال الذين يتسمون بالحيوية والنشاط، وكل ذلك ينعكس على شخصية الطفل وترتيبه إذا كان الأول أو الثاني أو الثالث.

فكلما كان عدد أفراد الأسرة كبيراً كلما كانت الحالة النفسية للطفل مستقرة لا تتعرض للاهتزاز من مجيء مولود جديد لأن اهتمام وحب الوالدين سيتوزع على عدد كبير من الأبناء. وهناك من يركز كل اهتمامه على الابن الأول باعتباره خليفة الأب، أو الابنة الكبرى باعتبارها خليفة الأم. لكن من المؤكد أن الآباء والأمهات يستفيدون كثيراً من خبرات تربية الطفل الأول مع الأبناء التاليين له، مشيرة إلى أن هناك نماذج عديدة يبالغ فيها الآباء في الاهتمام والرعاية والقلق المفرط على الطفل الأول ما يفقده ميزة الاعتماد على نفسه، ولا نرى ذلك مع الطفل الثاني، ونجده رغم ذلك أكثر قدرة في التعامل والتكيف والتوافق مع الآخرين، وأكثر شجاعة ونشاطاً وفعالية مقارنة بالطفل الأول.

السلبيات المحتملة

تلفت الدكتورة إشراق المنوفي، استشارية الطب النفسي، إلى أن بعض الأسر التي تضم أكثر من ابن تتعامل مع الطفل الأخير الذي يحلو للبعض تسميته بـ«آخر العنقود»، تعاملاً مختلفاً يغلب عليه طابع التدليل، رغم أن الواقع يؤكد أن معظم هؤلاء الأطفال ليست لديهم صفات بارزة فارقة عن أشقائهم بسبب الترتيب، وقد يغفل الوالدان كثيراً التجاوزات التي لا تحدث مع إخوته الذين سبقوه، وقد يمعن الطفل في الأنانية، بما يثير حفيظة وغضب بقية إخوته.

 

اقرأ أيضا